حوار مع أركيولوجيا الزمن

 

حوار مع أركيولوجيا الزمن
جمعية الرسامين والنحاتين في المغرب (1922-1933)

عندما خضع المغرب للحماية الفرنسية في 30 مارس 1912، لم يتم التفكير في تأسيس تجمعات فنية، على غرار تلك التي عرفتها كل من الجزائر وتونس منذ احتلالهما من طرف المستعمر الفرنسي. فقد تأسس بالجزائر جمعية الفنانين الجزائريين والمستشرقين عام 1897، وعرفت تونس قسم الفن والحرف بقرطاج عام 1894. تعود أسباب ذلك، حسب المؤرخين، إلى أن المقيم العام الفرنسي هوبير ليوطي كان يفضل توظيف الفنانين المستشرقين المتواجدين بالمغرب منذ 1914، في قسم الفنون الجميلة والآثار التاريخية، فهو يرى أن معرفتهم بالفن الإسلامي قيمة مضافة لدراسة المباني المغربية والأعمال الفنية التراثية والحفاظ عليها، ولذلك لم يرخص لتأسيس “جمعية الرسامين والنحاتين في المغرب”، إلا عندما تم تصنيف معظم المعالم التاريخية والفنية، فكانت سنة تأسيسها 1922. انطلقت نشاطاتها الفنية خلال السنوات الأخيرة من ولاية ليوطي واستمرت تحت وصاية المقيم تيودور ستيج (1925ـ1933).

خلال السنوات الإحدى عشرة من عمرها، كثفت الجمعية نشاطاتها الفنية في المغرب وأوروبا، وانضم إليها عدد من الفنانين المستشرقين المرتبطين بالمواقع الخلابة، يحاولون تجديد الموضوعات والزخارف الشرقية من خلال مقاربات أسلوبية متقدمة نسبيا.

في عام 1914 ، كان هناك سبعة فنانين مستشرقين فقط ملحقين بمصلحة الفنون الجميلة والمآثر التاريخية والآثار، التي كان يديرها الرسام موريس ترانشانت دي لونيل٭ Maurice Tranchant de Lunel (1869 – 1944) ،وكان نائبه هو جوزيف دي لا نزيير٭٭ Joseph de la Nézière، بينما هنري أفيلوت Henri Avelot (1873-1935) الرسام الفكاهي الفرنسي، كان مشرفا على خزانة الرباط. عمل الرسامون الآخرون، غابرييل روسو Gabriel Rousseau (1885-1953) وماري تيريز ريفيلود ومارسيل فيكير Marcel Vicair (1893ـ1976)، في قسم الفنون المحلية المكلف بدراسة تدابير الدفاع والحماية والتجديد للفن الصناعي الأصلي. وبداية من عام 1920انضم إلى هذه الشعبة رسامان آخران هما جان بالدوي Jean Baldoui (1890ـ1955) وأزواو معمريAzouaou Mammeri (1890ـ1954)

لم يكن الهدف من توظيف الفنانين من قبل الحماية الفرنسية هو إظهار مواهبهم عبر معارض لوحاتهم ومنحوتاتهم هنا وهناك، بل إن الإدارة الفرنسية كانت ترى أن الممارسات الغربية البحتة ستؤثر بشكل سلبي وتشوه التقاليد الفنية المغربية العريقة.

كانت تُستثمر مهارات وتجارب الفنانين الملحقين بإدارة الفنون الجميلة والمآثر التاريخية والآثار في إجراء مسوحات رسومية للآثار التاريخية. وخير مثال يستدل به، كان مقابر الملوك السعديين في مراكش. هذه المقبرة التي يعود تاريخها إلى عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (1578-1603)، بقيت محاطة بسور منذ عهد السلطان مولاي إسماعيل (1672-1727)، ولا يتم النفاذ إليها إلا عبر ممر واحد فقط عبر مسجد المنصور المجاور لها. تم اكتشاف المعلمة في عام 1917 من قبل مصلحة الفنون الجميلة، فكلفت غابرييل روسو يرافقه المترجم فيليكس آران Félix Arin (1884ـ1968) بدراسة الموقع وتحليل مكوناته المعمارية وفنونه الزخرفية وفك رموز النقوش الكتابية للمقابر. ترك روسو العديد من الرسوم المائية تصور بعض جوانب معلمة ضريح السعديين، نشرها في مجلة L’illustration 1918، وضمها في كتابه .Le mausolée des princes saadiens وتُظهر تلك الرسوم عبر تركيز الفنان على تضاد النور/العتمة جمال الزخارف الداخلية للغرف وصوفية المكان.

أتاح التقارب بين جمعية الرسامين المستشرقين والإقامة الفرنسية، تنظيم معرض خاص بالفن المغربي في جناح مرسان، ومكن هذا الحدث الفني الجمهور الفرنسي من التعرف على الأساليب التصويرية والنحتية التي يمارسها الفنانون الذين يعيشون في المغرب. اشتمل المعرض على جناحين: واحد خصص للحرف المحلية والآخر للرسم المغربي. وإضافة إلى الرسامين الذين كانوا في خدمة مصلحة الفنون الجميلة، كان المعرض مناسبة لفنانين آخرين، مقيمين بالمغرب كي يكشفوا عن طاقاتهم الإبداعية.

يمكن اعتبارعام 1918 تاريخ أول نشاط فني جماعي منظم بالمغرب. حيث تحقق حلم أعضاء جمعية الرسامين والنحاتين بتنظيمهم معرضا جماعيا، على هامش المعرض الفلاحي الذي شهدته مدينة الدار البيضاء، تحت رعاية مجلة “France-Maroc” بفندق إكسلسيور Exselsior . ويجمع بين رسامي المجلة الشهرية التي تم إنشاؤها في عام 1916، وشارك فيه الفنانون: موريس ترانشانت دي لونيل، جوزيف دي لا نزيير، غابرييل روسو، ألبرت لابراد، برنارد بوتيه مونفل، سوزان كريبين، جولز جالاند، جاك ماجوريل، أزوا ماميري، هنري دادابي وجان دي جينيرون. الرسامون الآخرون هم هنري هورتال، وبيير بريسو، وألمري لوبيل ريتش، وروبرت ماسارت وإوجين ديلبورت.

كانت جائزة المغرب التي أنشئت عام ،1919 والتي منحت للنحات غاستون بروكيت عام 1920، مناسبة للتعاون الفني بين الجمعية الاستعمارية للفنانين الفرنسيين وجمعية الرسامين والنحاتين بالمغرب، حيث استضافت الجمعية الأولى الثانية إلى المشاركة في صالونها السنوي. وقد عرفت الحياة الفنية نموا متزايدا منذ إنشاء تلك الجائزة، ومن تم إنشئت في أهم المدن المغربية بيوت فنون مفتوحة لصالح الفنانين الفرنسيين الزائرين. كانت تلك البيوت مخصصة للاجتماعات الثقافية والمعارض الفنية، كما ضمت ورشات عمل يقيم بها الفنانون المرشحون لمدة أربعة أشهر يشتغلون لتحقيق غاية ضمنية، تصدير صور البلاد من خلال الأعمال المصورة. فاللوحة أصبحت بمثابة نقطة انطلاق لسياسة الدعاية والسياحة.

في مقال نشرته مجلة L’art et les artistes كتب الشاعر غوستاف روجر مؤكدا مساهمة المغرب في تصوير المستشرقين:

“يمكن أن يعطي لأنه لديه، إنه ضوء جديد. ليس عبثا أن يحمل المغرب باللغة العربية الاسم العام “المغرب” الذي يعني الغرب. لأنه إذا كان شرقا بتقاليده، فإن المغرب محيطي بشكل خاص في سياقه وفي ضوئه. فظ بالنسبة لطبيعة سكانه الأصليين ونوعية سواحله، حيث ينكسر محيط هائج بالترحيب، فالمغرب يلفه ضوء مختلف تمامًا عن ذلك الذي يسحق شمال إفريقيا ، ضوء متغير وذهبي يؤثر بنعومته على قساوة الأشياء ، ضوء يغمرها ، ويكون معها جسدا يتنفس روابط البحر البعيدة، وتغطي السماء كل صباح تقريبًا ، حتى في الصيف أيام طويلة من المطر ، مع مواكبها من الهالات ، انعكاسات غنية للغاية ، ضباب متكرر يغمض على ارتفاعات الساحل ، وغالبًا ما يعبّر الجو عن تمجيد الألوان الهادئة ، وكل هذا بألوان مقيسة ، قريب جدًا من أكثر مفاهيمنا الكلاسيكية ، في علاقة حميمة فكرية أكثر منها حساسية، وهذا ما يكشفه ضوء المغرب لعيون الفنان اليقظة.”

هوامش:
٭موريس ترانشانت دي لونيل (1869 -1944) رسام (لوحة مائية) ومهندس وكاتب فرنسي. كان مهندس الآثار التاريخية بالمغرب، وهو مصمم الجامع الكبير في باريس. في عام 1912، تم تعيينه مديراً لقسم الآثار والفنون الجميلة والمآثر التاريخية من قبل المقيم العام ليوطي. وتتمثل مهمته في إنشاء قائمة ترتيب وتصنيف المعالم التاريخية المغربية والحفاظ عليها. من 1920 إلى 1923، كان مفتشًا للفنون الجميلة والآثار والآثار ومهندس الحماية في المغرب.

٭٭جوزيف دي لا نزيير رسام فرنسي ، وُلد عام 1873 وتوفي في 15 أبريل 1944 في الدار البيضاء. في ظل زخم ليؤتي، عكف كثيرا على إحياء الحرف اليدوية وحماية الثروة الفنية المغربية.

٭٭٭مارسيل فيكير (1893 ـ 1976)، رسام استشراقي، ونقاش ونحات. وعضو مؤسس لجمعية الرسامين والنحاتين بالمغرب l’Association des peintres et sculpteurs français du Maroc

بعد استقلال المغرب في عام 1956، تم تعيينه في وزارة التربية الوطنية والشباب والرياضة المغربية.
أسندت له مهمة:
تنظيم مصلحة الفنون والفولكلور،
إدارة المتاحف الفنية الإسلامية ومعاهد الموسيقى والرقص،
تطور الثقافة في البيئة المغربية،
الدراسات الفولكلورية،
إنجاز الأفلام الوثائقية،
مشروع المتحف الوطني للفنون الجميلة المغربية
مشروع مدرسة مغربية وطنية للفنون الجميلة ومعهد وطني للموسيقى والرقص.
في عام 1945، وقف مارسيل فيكير صدفة على رسومات لبائع جرائد، شاب يتيم يبلغ من العمر 15 عامًا. يكتشف فيكير على الفور موهبة فنان عظيم فيعهد به إلى متعاونه أحمد الصفريوي. بعد ذلك، يتم إرسال جيلالي غرباوي إلى باريس لدراسة الرسم والفنون الجميلة: سيكون أول رسام تجريدي مغربي.

عاد إلى فرنسا عام 1958 وتقاعد برتبة كبير أمناء المتاحف الوطنية الفخرية.
توج بالوسام العلوي من درجة ضابط
في عام 1931، أشاد جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف بهذا “الفرنسي العظيم الذي عرف كيف يحافظ في المغرب على تقاليد أجداده وآدابه وعاداته، مع تقديمه لروح التنظيم الحديثة التي بدونها لن يعرف أي بلد البقاء على قيد الحياة الآن.
(خطاب سلطان المغرب. مأدبة أقامها الفرنسيون والسكان المغاربة الأصليين للمارشال ليوتي في 11 أغسطس 1931).

لا تعليقات

اترك رد