سعد القصاب يصوغ أفكاره برؤية الحكيم ثم يرسم برؤية الطبيب


 

العمل لدى الفنان التشكيلي العراقي سعد القصاب يمثل أغوارا للمجهول كي يتشكل ببصرية ينشد الفنان من خلالها رحلة إدراكية لما هية الفن .

ماهية الفن لا تتنازل عن هاجس البحث و جوهر الكمال و الغوص عميقا في استشارة الأسئلة التي تكمن للمتلقين كي يتحرروا من سكونية الرؤى و استدراجها إلى إن تتحول طرفا في معادلة قراءة العمل الفني و مكوناته البصرية .

الفن لدى سعد لا يستجيب إلى الشائع ولا يستنسخ البائد ولا تستدرجه غواية السوق وذائقة المشترين الأميين الذين ينساقون وراء الزخرفة اللونية و بهحرجة المكرر من إعمال تتدرج في حداثة المئة عام الماضية ..يل هو فن يدخل المجاهيل كي يستعطر نبوءاتها و يغاير بالصعب إدراكا منه لديناميكية و ديمومة هاجس البحث .

فنان يثابر كي يستوفي العمل الفني شرطة الإنساني و الأخلاقي و الجمالي دون ان يتنازل عن خطأيه المعاصر .. بما يحزم فعله المعرفي في عالم معقد متشابك متسارع التحولات و الابتكارات .. عالم الانترنيت و تكنولوجيا الخيال في الوقت نفسه عالم الرقاب المحزوزة و الأجساد المنثورة و فوضى الموت والجوع و الخراب .

يعي سعد مسؤوليته كفنان في استخدام لغة تشكيلية روائية تتمكن من الصمود و المجادلة و التأثير و استنفار الأسئلة في مجابهة هذا الشرخ اللاخلاقي الذي ترسمه العولمة في عالمنا المنكوب بفوضى الانسحاق و مصادرة الأخر .

تنتج اعمله صدى خفيا لعالم تتضبب دلالالته ورموزه و تتشابك تكويناته لتخلق فضاء تخيليا و لكن بمرجعية أخلاقية تشارك الأخر أقطافه و شروده إمام كونية مشوهة .العمل الفني لدى سعد القصاب لا يدير ظهره لليومي و الشائع ولا يستعلي على الإنسان و بؤسه بل يفرد لهذا الوجود ومتاهته مساحة كبرى .

ينحو الفنان سعد منحى تجريديا بحتا في عمله الفني والذي يتشكل غالبا من إعمال متعددة الأساليب و مصنوعة من مختلف الخامات .. لكن التجريد لديه لا يغفل المفردة الحياتية ولا طقوسية الدلالة وسعتها اللامتناهية .. فهو يختزل العمل من اجل إعادة صياغته في الذاكرة وهو يحاول الوقوف عند هذا الاختزال المتمثل في الإشارات و الخطوط و البقع اللونية و الفراغ بمدلوله الكوني حيث ينفتح على المخيلة باسطا تراكمية المعرفة مرسخا حوارا تتسع مراميه .

وبما ان الفنان مشغول باليومي و منغمس في هاجس التأمل و البوح و المساءلة عن هذا الانسحاق المتراكم و تأثيره على الإنسان لذلك تراه شغوفا بالصور ومنتبها لفعل الإدانة و تأثيرها الحاد و المباشر . لذلك عمد الفنان ومنذ فترة زمنية إلى استخدام تبرير مغاير نسبيا كجزء من مشروعه الفني .. حيث ادخل الفنان اللوحة وخلق معادلة لا يمكن التغاضي عن صعوبتها في إدماج الصورة بكل فصاحة المفردة و مباشرة البوح متمثلا في الخطوط و الإشارات و البقع التي يدونها الفنان في المساحة المتبقية من العمل .. مستندا إلى ماهية الفن و تأثيرها في تشكيل تلك الرؤى .. بما يخدم التفاعل بين الداخل و الخارج كي يمنح المتلقي قراءة أخرى للوحة الفنية التي تكون ذو منحة حسية بصرية بعد إن ادخلها مختبر اللوحة وبيانها التبرير الذي كثيرا ما تمتد خطوطه ودوائره اللونية إلى الصورة كي تكسر صمتها و تدخلها في ديناميكية المطلق العام . يبدو أن الفنان سعد القصاب يواظف في تجربته استخدامات متعددة في العملية التشكيلية يكون من خلالها معرفة إسرار غير مكتشفة سابقا تستلب فصاحة العقل بسكونيتها . ولذلك يقتحم الفنان هذا السكون بفعل تجريدي يعيد بناء العناصر أو إدماج فعلها بفعل المتلقي حيث الانسياق إلى ماهية الفعل لدى الفنان مكونا إيحاء مجردا وكسر الرتابة الناطقة في الصورة مما يحاول إزاحة الهوة بين الذائقة السائدة وبين ذهنية الخطاب المعاصر للفن .

لا تعليقات

اترك رد