من يروي الإله إذا عطش ؟َ


 

الحضور الإلهيّ حركة مستديمة، لكنّها حركة هادئة وصامتة، لا يشعر بها إلّا من تماهى معها مبتعداً عن ضجيج العالم. وأمّا الغارق في الصّخب والضّوضاء، فمن العسير أن يسمع دويّ هذا الصّمت ويصغي إلى عمقه. فالله ليس جماداً بل هو “الحيّ”. ولما كان الله هو “الحيّ”، فذاك يعني أنّه الفيض الحامل في ذاته كلّ مقوّمات الحياة الّتي تمنح الإنسان الحياة. لذلك فالله حاجة ملحّة للإنسان كي يحيا وإلّا كان جثّة تتنفّس في هذا العالم.

يقول المغبوط أغسطينس في تعبيره عن أنّ الله هو حياته: “أيّها الحياة، لمجدك يحيا كلّ مخلوق. لقد وهبتني الحياة وفيك حياتي. بك أحيا، ومن دونك أموت! بك أقوم، ومن دونك أهلك! بك أمتلئ فرحًا، ومن دونك أهلك حزنًا! أنت هو الحياة مصدر الحياة، ليس شيء يوازي وداعتك وجمالك!” وبقدر ما يحمل الإنسان في داخله الحياة الإلهيّة يمتزج بالحضور الإلهيّ ويروي عطشه الدّائم إلى الله. وبقدر ما ينجذب الإنسان نحو الحبّ الإلهيّ يفيض الله في نفسه ماء الحبّ ليروي العطش الإنسانيّ إلى هذا الحضور النّور الّذي تعجز اللّغة عن وصفه ويعجز العقل عن شرح تأثيره. ولئن كان الانجذاب نحو الله قائماً ما دام الإنسان في علاقة أمينة معه، أعوزه أن يرتشف الله كلّ حين كي لا يعطش أبداً. ولكن، إذا كان الله يروي عطش الإنسان في حاجته إلى المحبّة الإلهيّة، فمن يروي عطش الله؟

إن تحدّثنا عن علاقة بين الله والإنسان فذاك يعني حركة تفاعل إنسانيّ إلهيّ يمنح من خلالها الله الحبّ للإنسان، ولكنّه ينتظر بالمقابل تفاعلاً خاصّاً من الإنسان يستقبل هذا الفيض العشقيّ لتستقيم العلاقة وتتجلّى كحقيقة لا لبس فيها. فما الجدوى من الفيض الإلهيّ إذا رفض الإنسان الله؟ وكيف نعاين مجد الله بمعزل عن الإنسان؟ يقول الرّبّ في (متى 16:5):”فليضئ نوركم هكذا أمام النّاس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجّدوا أباكم الّذي في السّماوات.” إذاً، فالمجد الإلهيّ يحتاج للإنسان كي تتمّ معاينته. ذاك لا يعني أنّ الله غير قادرٍ على إظهار مجده، بل ذاك يؤكّد مفهوم العلاقة الإلهيّة الإنسانيّة. فالله لا يريد من الإنسان أن يكون آلة يتحكّم بها، وإنّما يريد علاقة حقيقيّة يتفاعل فيها الحضور الإلهيّ مع الحضور الإنسانيّ ليتحقّق الوجود. وبالتّالي فالعطش الإلهيّ للإنسان جاذب للعطش الإنسانيّ للإله. وإذا ما امتزج العطشان تحقّقت العلاقة من خلال الفيض العشقيّ الإلهيّ والانغماس العشقيّ الإنسانيّ.

على الصّليب وبعد أن رأى الرّبّ أنّ كلّ شيء قد تمّ، قال: “أنا عطشان” (يوحنّا 28:19) عبارةٌ، لا يجوز المرور عنها بسطحيّة وسذاجة لأنّ ما سبقها من تعبير على فم المسيح بلغ ذروة الكمال. على الصّليب، ذروة الحبّ الإلهيّ حيث تجلّى الله ببهائه الكلّيّ، واستبان الألم كعنصر محقّق لهذا العشق، وظهر الله كحبّ صرف يمنح ذاته بالكامل للإنسان، صرخ الإله: “أنا عطشان”. في ذروة الفيض العشقيّ، يحتاج الله للإنسان كي يروي عطشه. “وأنا متى ارتفعت جذبت إليّ الجميع” (يوحنّا 32:12). الجذب مترادف مع العطش. الله يعطش للإنسان فيجذبه إليه مانحاً له ذاته، والانجذاب الإنسانيّ عطش لله يقود الإنسان إلى الارتفاع معه وبه إلى ذرى الحياة الإلهيّة.

لا تعليقات

اترك رد