إعادة كتابة الدستور الوطني

 

من بديهيات الأمور أن كلما ازداد تطور الحضارة الإنسانية كلما اقتربت من تحقيق العدالة الاجتماعية بين الناس لإدراكهم وتفهمهم معاني التشارك في الحقوق الفطرية الموهوبة من السماء لهم وكلما ازداد التعاطف ونبذت الخلافات وازداد التراحم والتعامل بينهم على أساس فهم الآخر والتعاون معه والنظر إليه من خلال استيعاب ما يحمل من فكر وأصبح اللجوء الى الحوار والتلاقح والتفاهم لإنضاج أعلى ما يمكن من التعاون في بناء مستقبل مشرق للإنسانية خالي من التعصب والتعنصر الى لون أو جنس أو دين رغم إن هذا لا يلغي الخصوصيات الفردية أو المجتمعية الموروثة وما تفرضه استحقاقات تطور الفرد/المجتمع فلا يعاب على شريحة أنها بنت نفسها على عادات أو تقاليد أو أعراف أنتجتها تجربتها في الحياة بل إنها تطورها لتنصهر جميعها فتسعى الى نبذ الموروث السيئ وتعزز ما هو جيد منها وفي المجتمعات الأكثر رفاهية التي استطاعت تحقيق السعادة لنفسها بدأت تعمل على إنضاج أفكار جديدة وموسعة تسعد ما حولها أو الأصح تسعد نفسها بما حولها وتخلق لذلك الظروف المناسبة فاهتمت بإصلاح البيئة المحلية والحفاظ عليها كجزء من الذوق العام وراحت تنظم الجمعيات لرعاية الحيوانات والرفق بها ومن ثم بدأت تنشي جمعيات تتخصص في رعاية كل نوع على حدة وتتبادل الخبرات من اجل تحقيق اكبر نسبة من النجاح وتساهم الدول بقدر كبير لدعمها وتسهيل مهمتها.

مقابل ذلك نجد بعض الشعوب طورت لديها شريعة الغاب وثقافة القتل والصراع فيها على أتفه الأسباب فسادت فيها شريعة البقاء للأقوى الذي يمتلك اكبر أدوات البطش فيستحوذ على كل شيء ولا يردعه عن فعل شيء رادع فيجيز لنفسه بلا تردد الاعتداء على الآخرين وسلب كل حقوقهم إذا لم يقتل خصوصا في حالة ما اختلفوا فكريا أو عقائديا وطوروا حياتهم على هذا الأساس السلبي وتعاظمت لديهم الفرقة والتناحر ومنها مثلا لا حصرا أن تسود العشائرية القبلية والطائفية وهذه طبعا لها قوانينها الخاصة بها وتنمو مع وجود الدافع أو المغذي الخارجي أو إذا ضعف قانون الدولة وأصبح من الصعب تطبيقه وسهولة اختراقه وعاد المجتمع الى ما يشبه حرب البسوس في جاهلية العرب الى ما يشبه عصر الدويلات في بداية تكوين الحضارة الإنسانية فتصبح كل قبيلة دويلة إلا إنها تطلب من الدولة إلام تقديم الخدمات أو بصورة عامة تطلب منها كل شيء دون مقابل تقدمه وطبعا يرافقها تمرد على كل شيء وعصبية غادرتها الشعوب المتحضرة حتى بات من الصعب الانفلات من هذا الفكر إلا بفرض قوة فوقية خارقة تأتي بها الظروف بقدرة قادر الى فرض نفسها على قوم فقدوا الانتماء الى الوطن رغم كل العناصر المشتركة الموروثة منذ آلاف السنين بينهم واعتادوا على هذا النمط من الحياة.

حقيقة مثل هذه الفرصة وفرها الدستور العراقي الذي شرع بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003 وما بنيت على أساسه من قوانين وهو يظم بين ثناياه كثير من الثغرات التي يجب إعادة النظر فيها بعد أن أصبحت تجربة الحكم تتعثر في مسيرة حياة الشعب العراقي على يد أرباب السياسة الذين قادوا الحكم خلال هذه الفترة .

إن الدستور ليس وثيقة سماوية خارقة للطبيعة ولا يمكن التلاعب فيها إلا بما ألزم به من وضعه نفسه فالشعب الذي اقره كما يقال وصوت عليه يمكنه أن يصوت على إلغائه إذا كان الأمر متروك له إلا إن الأحزاب المستفيدة منه ترفض مجرد فكرة العودة الى النظر في مواده لأنها في كل الأحوال ستغير طبيعة مسيرة البلاد نحو البناء الصحيح للدولة العراقية التي أصبحت اليوم في اضعف حالاتها من تأسيسها مع بدايات القرن الماضي.

أبدا لا تعني تعدد الأحزاب بهذا الشكل المهول ديمقراطية بقدر ما أصبحت عائق يعرقل أي محاولة لتجديد البناء بل هو تفكيك حتى لمؤسسات الدولة ليس على صعيد الحكومة المركزية أو الاتحادية كما يحلو للبعض أن يسميها فمن الممكن ملاحظة الاختلافات على توزيع المناصب من أهم مشاكلنا اليوم في المحافظات وفي الإقليم وما فوقها وحتى داخل السلطة التشريعية بحيث إن البرلمان بعد مرور قرابة العام لم يتمكن من تشكيل لجانه ومن يرأسها ليس كصراع بين الأشخاص وإنما هو بين الكتل وفي هذا دليل واضح على ما توفره هذه اللجان من فرصة الانتفاع من المناصب وقد امتدت الخلافات حتى الى إقليم كردستان أيضا على توزيع المناصب بينما أصبحت المحافظات تختلف حتى على حدودها وعلى توزيع الحصة المائية كأنها دول ومتعادية ولا يعني ما يحصل اليوم من نهب وسرقة للمال العام وهروب السارق إن تعرض للحساب الى مكان بعيد عن سلطة الدولة رعاية لحقوق الإنسان ولا تعني مسألة الاحتفاظ بالسلاح الذي يستعمل بين الأفراد أو العشائر أو حتى في وجه الحكومة من أي جهة كفرد أو كحزب حماية للنفس فهذه المسائل تعود الى مهام الدولة.

إن الشعب العراقي حتى بسيطه يدرك إن سبب كل ذلك يعود الى الدستور البغيض الذي لم يكتبه أبناء البلد بل من احتله وعلى ذلك فمن واجب الجميع السعي الى إعادة كتابته وفق الموروث الاجتماعي العراقي يعاد فيه تقسيم الأدوار والواجبات على المناصب والجهات المعنية في المناصب المتقدمة في أجهزة الحكومة ويعد المواطن للنهوض بدوره الوطني قبل أي انتماء آخر ويبتعد عن كل المطبات الحالية التي زرعها المحتل بخباثة لغايات تخدمه .

لا تعليقات

اترك رد