” محظية النجاح ” قوة ضاغطة ضاربة

 

حلاوة الرأي العام لن ترتشفها إلا عندما يواتيك الحظ بصورة عفوية، وتحظى بشهرة غير مسبوقة على شئ لربما لم تقصده، أو حتى قصدته. فلقد تجرع الكاتب المسرحي المشهور ويليام شكسبير William Shakespeare (1564-1616) حلاوة الرأي العام عندما كان يرضى عنه سلاسة آل تيودور الحاكمة. لكنه، فيما بعد، قاسى أيضاً من مرار إنقلاب نفس هذا الرأي العام عليه – عندما تغيير المناخ السياسي – بعد أن أذاقه حلاوة الشهرة فيما سبق، مما دفعه أن ينعت الرأي العام بأنه: “محظية النجاح”. فلقد استوعب شكسبير Shakespeare ذلك الدرس بسبب ما شهده، وما عاناه حينئذٍ من جراء تقلبات بطلها الرأي العام.

وعلى ضوء ما تم ذكره في الجزء الثاني من كتاب “خمس عقود من الدين” Five Centuries of Religion ، والذي قام بتأليفه جورج كولتون George Coulton عام (1927)، فإن تكوين الرأي العام، أو رأي العامة – كما هو مذكور بالكتاب – ذو أهمية اجتماعية وقانونية قصوى، ولقد اشتدت أهميتها خلال القرون الوسطى؛ حيث كانت تدعى في ذاك الوقت بالتقرير العام Communis Fama والذي يحمل في طياته معنى ما يفضل أن “يثرثر به العامة”. ويذكر أيضاً أن القضاه لتكوين الرأي السديد قبل النطق بالأحكام في القضايا الجدلية كانوا يعطون الأولوية لما هو سائد من أحاديث عن تلك القضايا بالتقرير العام Communis Fama، والذي تم نعته فيما بعد بالرأي العام، ولأخذ ذاك الرأي السائد يجب وجود جماعة ما تجمع على شئ واحد، بحيث لا يقل عدد أفرادها عن ست من الأفراد المشهورين بحسن السمعة. ولقد أضاف على هذا المعنى الكاتب أولبرشت كلاسن Albrecht Classen في الجزء الثاني من كتابه “كتيب ثقافة العصور الوسطى Handbook of Medieval Culture عام (2015) أن التقرير العام Communis Fama صار قوة ضاربة ضاغطة، لدرجة أن الحكام صار يأخذونه بعين الاعتبار، ولقد وصل الأمر انه تم تغيير العديد من السياسات بسبب هذا التقرير العام.

إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التقرير العام دوماً لا تشوبه شائبة. فبالرغم من اتساع مجال الحريات وشعور الشعوب بأنهم قوة تأثير ضاغطة، ولها القدرة على الاصلاح، والتغيير، وتقرير المصير، في تلك العصور، لكن كان من السهل جداً التلاعب بالتقرير العام Communis Fama خلال عصور ازدهاره بالقرون الوسطى؛ فحينها صار قوة مؤثرة بطريقة سلبية، على عكس ما كان الوضع عليه. فلقد عمد الساسة إلى تغذية التقرير العام

بمعلومات خاطئة؛ لاضفاء صفة الشرعية لما يتم اتخاذه من قرارات من شأنها الاضرار بمصلحة الشعوب، ولعل أبرز مثال للتلاعب بالتقرير العام – أو الرأي العام كما سبق ذكره – هو شن الحروب الصليبية على دول المشرق. فلقد تم تبرير الهجوم، وأضفيت صفة الشرعية على الحملات الصليبية، عندما تم التوكيد أن تلك الحملات ما هي إلا أداة لخدمة الدين، في حين كان الهدف الرئيسي منها، كما تم اكتشافه فيما بعد، – أن الحملات الصيليبية تسعى إلى هدف رئيسي وأوحد، وهو تحقيق أطماع حكام الغرب في الاستيلاء على ثروات المشرق العربي باتخاذ الدين كذريعة.

مما يعني أن تلك الحرية التي يوفرها الرأي العام ماهي إلا حرية زائفة، وبالطبع التاريخ يسطر العديد والعديد من الأقاصيص حول ذلك، لكنني أفضل أن أسوق أمثلة من العصر الحديث؛ لأننا نلمس آثارها. فعلى سبيل المثال، حظت قمة الأرض Earth Summit التي أقيمت في مدينة ريو دي جانيرو، بالبرازيل، في الفترة 3-14 يونيو عام 1994 بترحيب عالمي واسع، وتم الترويج لها بأنها بداية عصر جديد، عصر أخضر، يهتم بالبيئة ويراعي شئونها. وبناء على ذلك، تم الترويج لهذه الأفكار عالمياً، ويتم الترويج لها حتى يومنا هذا، إلى أن تكون رأي عام عالمي يحتم الحفاظ على البيئة، للتقليل من الأثار المناوئة للاحتباس الحراري. لكن بدراسة أوراق الدول المختلفة المشاركة بقمة الأرض، نجد أن دول العالم الثالث كانت تشكو من تعاليم، وبنود، وإشكاليات، وتوصيات، واقتراحات القمة. وكذلك، أوضحت تلك الأوراق بالدليل القطعي، أن تلك القمة لا تسعى إلا للحفاظ على مصالح دول العالم الأول، في حين تتجاهل الآثار المناوئة لاشتراطات، وتعايم، وتوصيات القمة، والتي من شأنها إفقار دول العالم الثالث، وخاصة دول إفريقيا السمراء. لكن بالتأكيد، تم اسكات جميع هذه الأصوات، وصارت أوراق تلك الدول المنددة حبيسة الملفات؛ حتى لا تحظى بأي رأي عام على الاطلاق.

وعلى إثر تعاليم قمة الأرض، انطلقت اتفاقية الجات GATT ، أو اتفاقية تحرير التجارة العالمية مرة أخرى في ثوبها الجديد، بعد أن مهدت لها الطريق تعاليم، وتوصيات، وإشكاليات قمة الأرض بريو دي جانيرو. ومن الجدير بالذكر، تم إطلاق إتفاقية الجات GATT لأول مرة في 30 أكتوبر عام 1947 في جينيف، بسويسرا، ووقع عليها ثلاث وعشرون دولة فقط، ووضعت في حيز التنفيذ في غرة يناير عام 1948، لكن إلى ذلك الحين، لم يكن لها آية أثر على الصعيد العالمي. لكن قمة الأرض التي تؤكد أن العالم صار قرية صغيرة كانت من مهد الطريق لحث مائة ثلاث وعشرين دولة للتوقيع على اتفاقية الجات GATT في 14 إبريل عام 1994 في مراكش، ضمن اتفاقات دورات أوروجواي Uruguay Round Agreements. وعلى إثر ذلك، تم إنشاء منظمة التجارة العالمية WTO في غرة ينايرعام 1995.

وبالنظر أيضاُ لأوراق الدول المشاركة في اتفاقات دورات أوروجواي، نجد أن، دول العالم الثالث، وخاصة دول إفريقيا السمراء، كانت هي من تشكو من تلك الاتفاقات الجائرة التى لا تراعي إلا مصالح الدول الصناعية الكبرى فقط، في حين تعمد إلى إفقار دول العالم الثالث، وتخريب اقتصادها، الذي سوف يتأثر سلبياً عند التوقيع على هذه الاتفاقية الجائرة. ولعل من أبرز تلك الأوراق، كانت الورقة المقتضبة المقدمة من زيمبابوي، وتشرح بكل وضوح تلك الآثار المناوئة. وكالعادة، تم إسكات تلك الأصوات المناوئة. وفي المقابل، تم فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على دولة زيمبابوي. وعلى الصعيد الآخر، كان يتم تمجيد إنجازات منظمة التجارة العالمية WTO.

لكن يذكر أنه قد تكون رأي عام خامل حيال تلك الاتفاقية – والرأي الخامل يعنى الرأي الذي وقف موقف اللامبالاة من الافصاح عن تلك الآثار المناوئة، بالرغم من تعيينه إياها. وفي مصر، تم إطلاق أسم “حزب الكنبة” على الرأي الخامل في خضم ثورات الربيع العربي عام 2010. وبالتأكيد، أثبتت الأيام صحة الآراء الإفريقية المناوئة لاتفاقية تحرير التجارة العالمية، أو الجات GATT، والتي أيضاً تم كبتها؛ لتنفيذ مخططات اقتصادية كبرى، جميعها تصب في مصلحة الدول الصناعية الكبرى.

ومن الواضح أن الرأي العام صار آداة في أيدي ولاة الأمور، تمام كما صار الوضع عليه أثناء التبرير للحملات الصليبية على دول المشرق العربي؛ حيث أنه يتم استخدام الرأي العام لتحقيق مصالح كبرى بعيدة كل البعد عن حرية الشعوب للتعبير عن آراءهم. ولا يقف التلاعب بالرأي العام عند هذا الحد فقط، لكن أيضاً نجد أنه تم استحداث فوائد أخرى لتكوين رأي عام. فمثلاً، وها شائع جداً، يتم إثارة قضايا رأي عام، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، للالهاء والتضليل. ويحدث ذلك كثيراً، وخاصة في هذه الأيام، عالمياً ومحلياً، لتنفيذ مخططات لا تخدم إلا مصالح، ومخططات كبرى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، حظت مذبحة المصلين بنوزيلاندا أثناء إقامة شعائرصلاة يوم الجمعة، والتي حدثت في 12 مارس 2018 بتغطية إعلامية دولية مكثفة وواسعة، استهلكت تكوين أي رأي عام عالمي آخر يدين قرار الولايات المتحدة بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، الذي تم إعلانه في 25 مارس 2019، أي بعد أقل من أسبوعين من المذبحة. فالأصوات العالمية التي نددت، ولا تزال تندد، بالمذبحة تعلو على الأصوات التي تشجب قرار واشنطن بالاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل.

ويتضح مما سبق عرضه أن الرأي العام، تماماً كما نعته شكسبير، ما هو إلا “محظية”، تخدم آراء لا يهم كونها صائبة من عدمه. فالرأي الغام صار بمثابة فخ لخدمة أغراض محددة، أو لإلهاء الشعوب عن مخططات يتم التحضير لها منذ أمد بعيد، لإطلاقها بالوقت المناسب الذي يتم
فيه ضمان إما إخماد، أو استهلاك، أو إلهاء الرأي العام العالمي. بمعنى آخر، يجب أن تفكر مرتين قبل البدء في نشر رأي عام ما معتقداً أنك تعبر عن رأيك، الذي هو طرف أصيل للتعبير عن حرياتك، ومنها حرية الرأي. الحرية الحقيقية هي التي تبدأ بعد دراسة جميع الأحوال والظروف المحيطة قبل اطلاق، أو مؤازرة، آراء غير مدروس عواقبها. فإذا لم يتم ذلك، يقع الفرد، وبكل سهولة في فخ الحرية الزائفة، ويصير هو وآراءه آداة طيعة يحركها القائمين على زمام الأمورلتحقيق أهداف بعيدة كل البعد عن حرية الفرد.

المقال السابقإعادة كتابة الدستور الوطني
المقال التالىحوار مع أركيولوجيا الزمن
د. نعيمة عبد الجواد: أكاديمية مصرية، وأستاذ أدب وترجمة، لها عدة أبحاث علمية منشورة دولياً، وكذلك لها العديد من المؤلفات الأدبية والصحفية، بالإضافة لأنشطتها الثقافية. وعلاوة على ذلك، فهي كاتبة دائمة في عدة صحف ومواقع عربية.....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد