فيروس جمال أمين و نستا لجيا الوطن

 
فيروس جمال أمين و نستا لجيا الوطن

عندما يصبح المرء أسير حلم يدغدغ أحاسيسه , يبتلي بفيروس يفتك بآماله في العودة الى حياة كان يمكن الحديث عنها بما يسمى بالديمقراطية و احترام حقوق الانسان كما هو معروف عليه و متداول في بلداننا العربية المحترمة جدا , فيجد نفسه رهين وضع لم يختاره , بل فرض عليه ,هده الارهاصات تعبر عن روح البحث عن ركن خاص يؤمن حياة محترمة و بعيدة عن القهر و الاغتراب المفروض , كطريقة للهروب من كل ما يمكنه أن ينال من كرامة الانسان , نقرأ هدا من خلال ما يروج داخل سيارة تعبر الطرقات و بداخلها مجموعة من الشباب الباحث عن الهوية .يحيلنا هدا المدخل الى قراءة شريط قصير يحمل عنوان “فيروس” للمخرج العراقي جمال أمين الحسيني .

وأنت جالس تتابع احداث فيلم “فيروس” تشعر بما يخالج شباب عراقي تواق للحرية و للحياة الجميلة ,التي كانت تطبع الحضارات العربية التي اصبحت في خبر كان , وبقيت ارواحها تئن تحت طائلة الحروب التي أرهقتها ,و جعلت منها خرابا من جراء التدخلات الخارجية , وهمجية الدخلاء , والسماسرة من عديمي الضمائر المدعمين بالنزاعات السياسية العقيمة التي تلهث وراء المصالح و المكاسب.

تشكيلة من الشباب ممزقين , بين ارضهم و البلدان التي احتضنتهم هروبا من جهنم الحروب , التي أشعلت نيرانها ايادي خفية لها مصالح من وراء هدا الوضع .’يجعلك المخرج تشعر بالحرقة و هو يتكلم عن العراق لما كانت نموذجا للحضارة العربية بكل مكوناتها , وظف أغنية أم كلثوم كرمز للحنين لتلك المرحلة الرائعة التي عاشتها, ليس مصر فقط , بل العالم العربي قبل وقوع ما يسمى بالربيع العربي .

يذكرنا ايضا هدا الشريط باللجنة لصنع الله ابراهيم حيث يدور’الحوار في محيط مغلق , يبدو في بعض الاحيان حوارا عقيما ابطاله تائهين بين الحقيقة و الخيال ,وبالتالي يعمد المخرج الى اختزال العالم العربي في بلد واحد ينتمي اليه ,و هو العراق بلد الرافدين , الذي أصبح مسرحا لحروب مجانية , أدت بالشعب العراقي بكل تجلياته و تنوعه الثقافي الى ما هو عليه الان , حرقة و تعاسة ابنائه تتجلى في حوار عقيم و ممل كما اراده له المخرج , ليلبس المتفرج جلباب ابطاله و يشعر بما يشعر به من هم خارج الوطن ,والجميل أن الابطال لا يمثلون في فيلم , بل يعيشون وضعهم كما هو , بحيث يصور تلك اللهفة التواقة الى الحياة العادية و الرغبة في مد الجسور بين الطوائف , بعيدا عن التعصب الديني والفوارق الاجتماعية بدون اشارة لا للشيعي ولا للسني .حلم عسير التحقيق .
الشريط لم يأتي بالحلول بل يطرح الاشكاليات و مدى تورط المسئولين ,و صانعي السياسة في مسرحية بدون سيناريو متماسك و لا مخرج متمكن من أدواته ,و مرات أخرى يخال لنا أن هدا الوضع ناتج عن تلك الثورات التي أوهمت كل المتعطشين الى غد أفضل , ليجدوا أنفسهم في أوضاع أقبح مما كانت عليه أيام الديكتاتوريات .

“فيروس” يترجم بحدة افكار و مواقف المخرج باعتباره أحد ابناء هدا العالم الذي يحترق بناره , الطريق تبدو طويلة جدا ليس لها نهاية و الحديث عن الائتلاف و الديمقراطية لا يعدو إلا مسألة وهمية لأن الحقيقة مرة و رهيبة .الشريط يطرح أيضااشكالية كبيرة احداثها تدور في محيط ضيق اختار له المخرج سيارة و بقدر ما كان النقاش يدور في جو حبي , و أسلوب راقي بقدر ما تشعر به محتارا في ايجاد حل من الحلول النسبية. لم يكن اختيار المخرج للموسيقى اعتباطيا ,لأن لتوظيفها دلالة وحمولة يبتغى من ورائها الترفيه عن النفس بل و تعطينا أيضا نظرة عن مكانة الثقافة و الفن , في العالم العربي باعتبارها عناصر من الدرجة الاخيرة في هرم المكونات الحياتية , لأي بلد من بلداننا العربية في الوقت الذي تأخذ فيه السياسة الحيز الاكبر .

“فيروس” , شريط يصنف في خانة السينما الواقعية لأنه يتناول واقعا حيا نعيشه داخل أو خارج الوطن أبطاله شباب يمثلون الجيل الذي عاش ويعيش أزمة بلده بعيدا أو قريبا منه , اد يجد نفسه متورطا رغما عنه في نمط عيش , يشعره بخيبة الامل امام حلم من الصعب تحقيقه في ظل المآسي المحيطة به , شريط نسافر من خلاله مع شباب له الامل في تحقيق الائتلاف بين كل مكونات هدا الوطن ليقف السني و الشيعي و الكردي وقفة رجل واحد في حين يبقى الوضع معلقا و الباب مسدودا .

المخرج العراقي جمال أمين الحسيني
يعتبر المخرج جمال أمين من المثقفين العرب الدين اختاروا الصوت والصورة للتعبير عن قضايا وطنهم . اشهر أعماله مسلسل “اللقالق” ,و “فيروس” , يمارس أيضا التمثيل شارك في العديد من الافلام و المسلسلات العربية من مواليد سنة 1958 بمدينة بغداد بالعراق عاش لفترة في الدانمرك و الكويت , وبعدها انتقل الى بريطانيا حيث مازال يعمل في المجال السينمائي كممثل و كمخرج لأشرطة قصيرة وأفلام وثائقية ,وأنشطة ثقافية أخرى , له مجموعة من المشاريع من بينها فيلم طويل يناضل من أجل أيجاد تمويل له ( كما جاء في احدى الحوارات التي أجراها) وهي مسألة تعاني منها السينما العربية بالدرجة الاولى .

لا تعليقات

اترك رد