عندما يتكلم الواجب

 

عندما يتكلم الواجب تسكت جميع الأصوات . عندما يتكلم الواجب يسمو الإنسان روحا وجسدا . عندما يتكلم الواجب لا يحتاج الإنسان إلى من يحثه على القيام بعمله أو من يراقبه . وحدهم أولئك الذين يتكلم واجبهم يبقى ضميرهم صاحيا متنبها يرتجف من البرد ولا يقبل أن ينام .
وهنا أستحضر صورتين من الذاكرة حصلتا في العراق الشقيق أثناء الغزو الهمجي الغربي لهذا البلد . صورة من البصرة للسيدة علياء محمد بكر التي التزمت بحماية مكتبة البصرة من السرقة والدمار . وصورة رجال يستغلون حالة الفوضى والغزو والدمار ويسرقون مؤسسات الدولة العرقية ومتاحفها. كان المشهد أشبه بلوحة سريالية لمن يراقب ما يجري على الساحة من أحداث. هناك يتفانى في عمله . وهناك من يستغل الظروف ليمارس همجية ليست أقل توحشا من الإرهاب والغزو والفوضى .
علياء محمد بكر سيدة عراقية من البصرة تعمل أمينة لمكتبة البصرة الحكومية المركزية , وقد أنقذت حوالي ثلاثين ألف كتاب من الدمار والسرقة بما فيها نسخة مميزة عن سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عمرها يمتد لأكثر من 1300 عام .
عملت السيدة علياء في مكتبة البصرة لمدة 14 عاما متواصلة . وعندما كانت طفلة صغيرة قرأت الكثير عن مكتبة بغداد العظيمة أيام العباسيين وكيف دمرت وقد هالها روع ما قرأت وعرفت عن همجية الغزو وتدمير المكتبة وحرق الكتب ورميها في النهر .
وعندما تيقن المسؤولون العراقيون أن الحرب قائمة لا محالة وأن الغزو على وشك الانطلاق نقلوا مكاتبهم إلى داخل المكتبة ونصبوا مدفعية مضادة للطيران فوق المكتبة . بدأ الواجب يضج داخل صدر علياء وقررت إخراج الكتب من المكتبة دون علم أحد .
كان البصرة أولى أهداف الغزو في عام 2003 م الذي بدأ في آذار لأنه كان يعتقد أن ولاء سكان البصرة لبغداد ضعيف ولأنه يريد أن يجعل منها قاعدة انطلاق نحو الشمال. لكن معلومات الغزو المخابراتية كانت خاطئة تماما فقد واجه الغزو مقاومة في البصرة لم تكن في الحسبان . قررت قوات الاحتلال تأجيل الدخول إلى البصرة واتجهت شمالا وبقيت البصرة تحت حصار شديد قادته القوات البريطانية . وفي هذه الأثناء عانت المدينة من أزمة إنسانية شديدة فُقد خلالها الماء والكهرباء .
وقد استخدمت القوات الغازية البريطانية والأسترالية كل ما تمتلك من همجية في ضرب المدينة وتدميرها بالمدفعية والقصف الجوي وكل أساليب الحرب النفسية . وقد تم تدمير رتل كبير من الدبابات العراقية وأسر حوالي 300 مقاتل عراقي خارج أسوار المدينة ، فسقطت المدينة في 6 نيسان 2003 م .
وبعد إخلاء موظفي الحكومة المكان قررت السيدة بكر إقناع أنيس محمد مالك مطعم حمدان بالمساعدة في حفظ بقية الكتب الموجودة في المكتبة بمساعدة عدد من السكان المحليين في غرفة الطعام المجاورة . واستطاعت السيدة بكر بهذا الإجراء إنقاذ 70% من الكتب بلغت حوالي 30000 كتاب شمل كتبا بالعربية والانكليزية والفرنسية والاسبانية وعددا نادرا من نسخ القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة . لقد استأجرت السيدة بكر سيارة شاحنة ووزعت الكتب على بيوت الموظفين والأصدقاء والمنازل المختلفة في البصرة . وفي عام 2004 أعيد بناء المكتبة التي دمرت أثناء الحرب وأعيدت الكتب إلى رفوفها بفضل أمينة سر المكتبة البطلة علياء محمد بكر .
لقد ألهمت حكاية علياء محمد بكر الكثير من الأدباء قصصا تروي حكايات وطنية مشرفة لأناس يعملون واجبهم بلا حسيب أو رقيب . و دخلت قصة علياء عالم قصص الأطفال في كتابين هامين هما : مهمة علياء و أمينة مكتبة البصرة للكاتبة البريطانية جانيت وينتر .
وربما كان دافع علياء لحماية مكتبة البصرة أثناء الغزو هو ما قرأته من كتب العراق حول تدمير مكتبة بغداد بالطريقة المفجعة التي عرفناها فيها من حرق و رمي في النهر .
تقول مراسلة نيويورك تايمز شايلا ديوان في مقابلة إذاعية مع ديك غوردون في شباط 2005 أن ” القصة برزت لأنها كانت قصة بطولية واقعية فعلا. فقد كانت تخشى من أن المكتبة التي تعتبر مقر عملها ستتعرض للقصف. ولذا كانت حريصة جدا على إنقاذ الكتب التي لا يعوض بعضها.”وقد أثارت مقالة ديوان اهتمام بعض مؤلفي كتب الأطفال الذين لمسوا أن فيها قصة شجاعة وبطولة. فقد صرحت الكاتبة جانيت ونتر في مقابلة إذاعية بقولها “شعرت فورا بإحساس قوي من التفاؤل في القصة ، وكان شعورا إيجابيا حقا ومثالا على تفاؤل الروح الإنسانية في ظروف غير إنسانية.” 

أما المؤلف مارك ألان ستاماتي فقد أعلن في المقابلة أن ” القصة مثيرة للمشاعر لكونها تروي حكاية شخص يتصدى للدفاع عن شيء يعز عليه ويفيد كثيرا من الناس، وتصادف أن هذا الشيء هو الكتب التي أهواها.” 
وبدأ ستاماتي وونتر بعد قراءتهما المقال العمل على وضع كتب مزينة بالرسوم تروي حكاية علياء البكر. فنشر في كانون أول 2004 كتاب ستاماتي بعنوان (مهمة علياء: إنقاذ كتب العراق)، ونشر كتاب ونتر في كانون الثاني 2005 بعنوان (أمينة مكتبة البصرة) . 
وقد صرح حسين محمد السالم الزنبقة لمراسل جريدة نيويورك تايمز أن “الأشخاص الذين نقلوا الكتب ليسوا كلهم متعلمين. فبعضهم لا يجيد القراءة أو الكتابة، لكنهم كانوا يدركون أن الكتب ثمينة.” 

أما علياء البكر فلم تشك إطلاقا في أهمية رسالتها. فقد صرحت لمراسل التايمز قائلة “إن أول ما أمر به الله محمدا في القرآن هو “اقرأ”. وتشعر البكر بالأسى لأنها لم تستطع إنقاذ الكتب كلها. وقالت “كان احتراق الكتب كأنه معركة، وتصورت أن تلك الكتب، كتب التاريخ والثقافة والفلسفة تصرخ منادية، لماذا ، لماذا ، لماذا؟” 

في حين صرحت المؤلفة ونتر في مقابلة إذاعية أن البكر كانت تدرك أنها “بإنقاذها الكتب كانت تنقذ ماضي بلدها وحاضره ومستقبله.” 

وقالت ونتر في مقابلة إذاعية أخرى إن قصة البكر تشكل درسا وعبرة ” لما يمكن أن يصنعه فرد واحد .. فبينما كان يحيط بها الدمار ولا من معين في الجانبين تحدت كل ما يحيط بها وسجلت ضربا من ضروب البطولة.” 

وأضافت ونتر قولها ” أعتقد أننا بحاجة إلى أبطال. أعتقد أن الأطفال يريدون أبطالا. فالأطفال كثيرا ما يشعرون بما نشعر به جميعا من أنهم لا حول لهم ولا قوة. ولذا آمل أن يذكروا شجاعة هذه المرأة التي تبدت في أخطر الظروف وكيف انتصرت عليها.” 

وقالت ونتر إنها تلقت رسالة إلكترونية عبر الإنترنت من علياء البكر بعد وقت قصير من نشر كتابها قالت فيها ” لقد أحببت المكتبة، وفقدنا الكثير من الكتب، لكنه لا ينبغي على المرء أن يستسلم. هذه هي رسالتي.” 

وكشفت المراسلة ديوان في مقابلتها الإذاعية في شباط الماضي عن أن قوات الائتلاف قد أعادت بناء المكتبة، وعادت البكر لتزاول مهمات وظيفتها كأمينة للمكتبة. وعلاوة على ذلك ستتبرع دار النشر التي نشرت كتاب ونتر بجزء من عائدات الكتاب إلى الصندوق الذي تشرف عليه جمعية المكتبات الأميركية للمساعدة في تمويل إعادة جمع ذخيرة مكتبة البصرة.
الواجب مثل الحب يتحدث عنه كثيرون . قليلون هم الذين يجهدون أنفسهم في معركة الواجب والضمير .
فما رأيكم ؟

لا تعليقات

اترك رد