الصانع الأعظم


 

أنْ تدبّ إلى اعتقادك وسوسة الشيطان، فينثني منك العقل للغفلة، مطمئناً إلى الوهم، متمشّياً مع فساد التصوّر من حيث وجود الخالق العظيم وصنعه الدقيق المتقن الذي منه هذا الكون ما لا يخرج الإنسان عن كونه إحدى ذرّاته جحود للحقيقة وجهل بمنشئها وزيغ عن معرفة أصلها القديم من هو الحقّ الواحد تعالى سبحانه.

لهذا يسؤنا كثيراً أنْ نرى بعض الذين يدّعون العلم أو ينتسبون إليه يرتكبون في بحثهم أو في نظرهم متن الشطط، حتّى لنرى ذاك البعض يفاخر في المجلس بإشهار مظاهر الجحود زاعماً أنّه فضل الباحث المستقصي وجهد المفكّر المكدّ وثمار اليقين بعد التّحري والإمعان ولو أدرك أنّه في رأيه قاصر وفي علمه صغير وأنّ الأمر قد تشابه عليه دون أنْ يفطن لذلك لصان نفسه عن الوقوع في هذا الخطل المؤدّي بصاحبه إلى فقدان الحياتين معاً الدنيا والآخرة.

من المسألة ما يقف عنده العقل الراجح مواجهاً الحقيقة لمجرّد نظرة صائبة في هذا الكون وما اشتمل عليه من أسرار فإذا كانت الصنعة تدلّ على الصانع فهل يجوز لدى غير الباطل الممقوت أنّ العالم خُلق من ذاته بغير موجد له؟ وطالما رأينا عالماً أو فيلسوفاً قد طار به التخبّط على أجنحة الإلحاد زمناً ما حائراً مضّطرباً متعثّراً زالاً ساقطاً حتّى عاد في النهاية إلى الحقيقة وبلغ من أمر أخذه بها وتقديسه إيّاه أنْ تصوّف زاهداً في هذا العالم مفضياً إلى الحقّ يلاقيه بشدّة اليقين في الختام.

كلّنا يعلم من هو (ڤولتير). كان ڤولتير فيلسوفاً طائر اصّيت بل كادت تصل به الحال من عقائد الفرنسيين إلى المعبود البشري. قضى هذا الفيلسوف جلّ حياته في البحث في الأديان. إنّه لم يظفر من بحثه وتنقيبه في النهاية بغير الإلحاد. لكن في مؤلفه الأخير أو ما قبله قال بالنّص ما معناه: “إنّه وإنْ لم يكن هناك إله إلاّ أنّه يجب افتراض وجود إله لاستقامة العالم”. فكأنّ ڤولتير بعد مؤلفاته العديدة ومباحثه الطويلة العويصة وإنفاق نفيس العمر على البحث الدّيني قد عاد من إلحاده إلى الاعتراف بأنّ العالم لا يستقيم ولا ينتظم إلاّ بموجِد. وأمّا قوله بوجوب (افتراض) وجود إله فهو تخبّط يدلّ على أنّ ذاك الفيلسوف أمسى من الاعتقاد رغم إلحاده بمنزل محفوف في ذات نفسه بالشبهات والشكوك. فلمّا أراد الخروج من هذا المأزق لم يوفّق لأنْ يبصر برؤية الشمس التي تلسعه حرارتها فنطق بكلمته السابقة في باب الاعتراف، ولكن مع شيء ظاهر من مكابرة العاجز وقد فاته دون أنْ يشعر وهو في غيبوبة البحث أنّ ما أرغم عليه من اعترافه الأخير قد أتى على سائر مؤلفاته في الإنكار فضلاً عن كونه قد تركه والطفل من العقل في مستوى واحد، فما كان أغنى ڤولتير عن ذاك التكلّف الذي حرمه صحّة الاعتقاد وسلامة اليقين وإنْ كان قد دلّ من جهة أخرى أنّ ما جازف بحملته تلك في اعتقاده إلاّ بقوّة عزيزة موجدة لا يستقيم العالم بدونها هي التي أنطقته رغم أنف إلحاده بذلك التصريح الرهيب ما تركه بين أيدي التاريخ الديني باحثاًَ صغيراً عقيماً وهكذا يسعد الإنسان ويشقى بعقله والعاقبة للمتّقين.

لمّا أراد البابا تتويج ناپليون الكبير في أثناء مهرجانه عزّ على هذا وهو صاحب العظموت والجبروت والبطش في ذاك العهد أنْ يُتوّج بيد غيره فما كان منه إلاّ أنْ نزع التاج من يد البابا ووضعه بيده على رأس الملكة زوجته. ثمّ بعد ذلك بنحو شهر من الزمان أمر أنْ يؤتى بذات البابا ويلقى في السجن لأنّ ناپليون كاسر الجبابرة في ذاك العهد ما كان ليرى وراء عزّته الإمبراطورية عزّة أخرى حتّى ولا مجرّد كلمة للبابا أو سواه فكان محض غضبه لعزّته مثيراًَ لحقده على البابا بهذا المقدار.

لكنّه في ساعة احتضاره نظر وهو يردّد النفس الأخير فرأى بروح الحقّ عظمة قوة سماويّة رهيبة تتمثّل لدى عينيه، فرأى المشهد وتولاّه الفزع فنادى دون صرخة الموت بمن حوله أنْ يأتوا له بقسّيس يعترف لديه بخطاياه فتأمّل!

إنّ الأديان غذاء أرواح البشر، وما جاء بينها من بعض التفريق لا يؤثّر في أنّ وجودها ما كان إلاّ للفضيلة وما ينطوي تحتها من الإرشاد والهداية وما يدخل فيهما من مطالب الإنسانية الّتي منها العدل والرحمة والإخاء والمساواة والتسامح والعطف والتضامن في السرّاء والضرّاء وغير ذلك ممّا تصبح معه الجمعية البشرية في مستوى واحد من الرفاه والطمأنينة والسلام.

وما فتئ باب الاجتهاد مفتوحاً للعقل المفكّر والنّفس الرحيمة فإنّ الفضيلة في هذا العالم لا تعدم من أنصارها في كلّ زمان ومكان حماة لها وأغياراً يجاهدون في سبيلها وإعزاز مكانها وهو ما أعدّ له الله رجاله العاملين المخلصين .

لا تعليقات

اترك رد