بقعة ضوء لتنوير في القضية العراقية بين فيضان وطوفان؟

 

ليست استثناء حالة فيضان الأنهر انعكاساً للمتغيرات البيئية التي تسببت بأمطار غزيرة، لم تستوعبها وديان الأنهر بسبب عدم كريها من جهة وبخلفية عدم وجود السدود الكافية فضلا عن طابع السدود القائمة وكفاءتها ووسائل إدارة اتجاهات الأمواه.. الكارثة كالعادة تقع بالمحصلة على حساب حيوات الناس ليس في قراهم حسب بل في مدنهم حتى العاصمة بغداد حيث تهديد الفيض الآتي!

المشكلة ليست في محرمات الأنهر والوديان ولكنها قبل ما تسميه السلطات الرسمية، تجاوزات البناء بتلك المناطق الخطرة المهددة هي قبل ذلك من وكيف كان يجري تخطيط المدن وتوابعها ومن يرصد المخالفات ويتابع البدائل ميدانياً على وفق المسؤولية!؟ ومن المسؤولية حجم الوديان في ضوء إهمال عمليات الكري والتنظيف بما يسمح باستيعاب جانب من الفيضانات المتوقعة وما يلزم التحسب له من حالات الطوارئ الاستثنائية، أضف إلى ذلك ما جرى ويجري في أحواض الأهوار ولمن هي وكيف يتم تمرير الأمواه فيها وعبرها!؟ وأين المنخفضات الكبرى وما تستوعبه من الثرثار والحبانية وغيرهما وما ظروف النواظم الخاصة بها وكيف يتم التخطيط لها وما الكميات المدفوعة إليها وإلى أحواض الوديان المنتشرة بمختلف أراضي البلاد!!؟

هذا الفيضان لا شك في استثنائية ما أتى به؛ ولكن بالمقابل أين الاستعدادات!؟ وماذا منحت السلطات للقرى الغارقة بفيض الأمواه!؟ يقول أحد أبناء تلك القرى أرسلوا عشرين خيمة لسبعين عائلة في قريتنا التي غمرها الماء بكل ما فيها بيوت طينية ولم يُخرج الأهالي معهم شيئا بل خرجوا بملابسهم التي يرتدونها!!؟ ولسان الحال يقول: حتى في منتصف القرن الماضي كان هناك أشكال إنذار ووقاية وإنقاذ ما يمكن، فلماذا التراجع والانهيار في ضمان حيوات الناس وأمنهم البيئي على اقل تقدير!؟

ما دور السلطات المحلية والاتحادية في التصدي للطوارئ الراهنة؟ هل يكفي بث بيانات تلك السلطات في افذاعة التي طالبت (الناس) أن يُنقذوا أنفسهم بتجنب محرمات الأنهر!؟ هل تلك هي مسؤوليتهم الحصرية!!؟ وهل يفي وصول بضع خيام لقرية من دون أخريات؟ وهل القضية تكمن في تلك الخيام القاصرة عن استيعاب الأحجام الحقيقية للنازحين نتيجة غرق بيوتهم!؟

مجدداً، تلدغ الأفعى فقراء الوطن! كما يُلدغ المؤمن من ذات الجحر لا مرتين بل مرات ومرات بلا عد ولا حساب لتكرر اللدغات. فقوت المواطن يلدغه يومياً ويمرغ كرامته بوحل البحث بلا جدوى عما يسد الرمق وسط أكوام زبالة المتخمين وراء أسوار النهب والسلب من مافيات الفساد!! ونسبة الفقر تجاوزت نصف الشعب بكثير! والباقي ليس ممن يحيا بسلامة وأمن غذائي أو دوائي، فمصابو الأمراض المزمنة والمتوطنة والأوبئة ونموذج مثل تسمم قرابة الربع مليون (بصري) بمياه الشرب والاستعمال اليومي غير المتوافرة بما يفي لا كمية ولا نوعية، كل أولئك بلا ضمان بظروف عدم توافر اللقاحات والعلاج والمستشفيات التي يمكنها توفير الخدمة الصحية والرعاية المنتظرة!!!

حسناً لا غذاء ولا دواء! وفوق ذلك يسوقون الناس إلى التجييش والعسكرة حداً يجندون أطفالهم في مافيات السرقة والمخدرات والاتجار الجنسي والاتجار بالأعضاء البشرية ثم يلقونهم جثثاً وسط أطفال الشوارع والنازحين والمشردين لمزيد نشر لقيم العنف بينهم ودفعهم للانتماء لميليشيات الموت والجريمة، يوم لا يجد الطفل قوت أمه إلا بذاك الصراع الدموي الذي يضحي به بنفسه!!

إذن، لا صحة حيث لا غذاء ولا دواء ولا أي شكل رعاية بهذا الباب! ولا نشر إلا لقيم العنف والهمجية وأضاليل إشعال الفتن والصراعات والتمترسات المتخندقة وراء زعماء الحرب بما يسقطونه على ادعاءاتهم من قدسية مزيفة بمجرد ارتداء جلابيب وأعمة التضليل والتستر لحظة خطابهبم مع تلك الجموع المبتلاة بينما هم عراة بفضائح ما يرتكبون من موبقات الجريمة بأشكالها وألوانها!! وهم إذ ينثرون منطق الخرافة فإنما يعتمدون التجهيل ونشر الأمية حيث تخريب التعلييم من مراحل التعليم الابتدائي الأساس وحتى مراحل التعليم الجامعي العالي، وهنا لا تربية ولا تعليم ايضاً!!

أما الآباء فلا أعمال لهم.. البطالة تضرب أطنابها بينهم بنسب مخيفة، وهي ليست بطالة تنحصر بتوقف عجلة الدورة الاقتصادية من صناعة وزراعة وأشكال نشاط اقتصادي سوية، بل تنضاف غليها البطالة المقنعة والتشغيل المشوَّه لتدوير نفايات ما يتم استيراده بقصد واحد وحيد هو الوصول لمنطقة إشباع وبائية قاتلة لآخر فرص الحياة الاقتصادية التي يمكن أن تنتمي للعصر، حيث قتل مشروعات البناء بنيويا هيكليا بما لا يبقي إلا على هياكل لن تصمد طويلا فتنهار على رؤوس من فيها، لتغرض سفائن الوطن والناس!!!

ومع ذلك التردي القائم، انتفض الشعب مرات عديدة وكان أقرب ببعضها إلى الانتصار لحركة التغيير….. لولا أن أتى الاختراق من وسط قيادات الحراك، اي أتى التأثير على البوصلة نفسها ويوم تتعطل بوصلة الاتجاهات تفقد السفينة طريقها الصحيح وربما تدخل طريق ((الصد ما رد))! كما يقول العراقيون…

لقد كانت انتفاضات الشعب وحراكها قاصدة ((التغيير))، تغيير حالها بكل تفاصيل أوضاعها وبجوهره ما تحياه في نظام الحكم، لكن تمرير لعبة إصلاح النظام من داخله الذي أراد الإيهام بأن المجريات ليست اكثر من (ثغرات) يمكن إصلاحها! انحرف بالبوصلة واتجاهها فسقطت التجاريب الثورية لحركات الشعب وهبَّاته وانتفاضاته. فسمح بتكريس نظام ((الطائفية الكليبتوقراطي)) ليستفحل بآليات استغلاله وابتزازه الحركة الشعبية..

إنَّ السياسة (الإصلاحية) التي تتوهم البديل في سياستها ونهجها إذ تمد الأيدي إلى زعامات الميليشيات وهي زعامات الحروب المختلقة بقصد ابتزاز الشعب فهي توفر لتلك الزعامات غطاء آخر إلى جانب ما يرتدونه من أعمة وجلابيب للتستر بالقدسية الدينية ومد جسور مع مرجعياتها وأوهام ما تسوقه من بيانات المؤازرة لمطالب الشعب بظواهر صوتية لا تصد اية كارثة مما يحياه الشعب..

وهكذا فإنّ التحول إلى (حركة إصلاحية)؛ سواء بقناعة فكرية سياسية! أم بتبرير تكتيكات تزعم تجنب الضربات المباشرة للميليشيات! أقول هكذا يكون ذاك التحول جزئية تخدم استراتيج أعداء الشعب ممن يتحكم بالسلطة وبمصير الشعب وحركاته التنويرية.. وبالتأكيد هذا التحول من موقف حازم حاسم واضح يتمسك بمهمة التغيير إلى الإصلاحية بدونية مستواها وكونها لا تساوي الحركة الإصلاحية في البلدان المتقدمة لأنها هنا تجابه حقيقة عدم توقف الضربات الدموية التصفوية عن سياقها اليومي، ليس تجاه أعضاء الحركات التنويرية وحدهم ولكن تجاه مجمل جمهورهم وعموم الشعب!!

إن النضال السلمي ولفّ الجماهير الشعبية حول ((قيادة وطنية ديموقراطية موحدة مستقلة)) هو الخيار الوحيد اليوم لـ((تغيير)) النظام الذي لم تستطع حتى القوى (الإصلاحية) نكران تشخيصه كونه السبب فيما يحل بالشعب والوطن وكونه نظاما كارثيا بطابه وهويته (الطائفية الكليبتوقراطية) وهو ما أكدته مجريات الانهيار الشامل في البلاد وأوضاع العباد وما رصدته كل الجهات الدولية بمقاييسها ومعاييرها حيث يحتل العراق اليوم موقعه في ذيل بلدان العالم بكل الميادين: صحة، تعليم، أمن، حقوق، حريات وأية محاور وقيم تقاس بها أوضاع بلاد وعباد!!! إن العراق اليوم بظل نظام الطائفية المافيوي هو الأكثر فساداً والأكثر فشلا والأكثر بكل معايير سوء الأوضاع والأدنى في كل معايير حسنها وإيجابيتها…!!!

وبين فيضان أمواه أغرقت الناس في مشكلات أخرى تتضمن التهديد بالأوبئة مضافة إلى قوائم المعضلات التي استفحلت وبين طوفان الهمهمة وسط الناس لابد سيكون طوفان أصوات الغضب والاحتجاج هو الرد الضاغط الوحيد لفرض إرادة التغيير..

إذ لن يترك الفاسد الناهب البلاد والعباد لحالهما طالما وجد قرشاً ينهبه أو مصلحة يصادرها.. ومن يزيحه ليس صدقة منه يتخلى بها عن سلطة إدارة الثروة وهي ليست الثروة المادية حسب بل الثروة البشرية التي توفر لمافياته ما يلبي الأطماع ودنس لا ينتهي نهمه، من يزيحه ليس سوى ثورة الشعب كما ثارت شعوب المنطقة وفرضت إراداتها وهي تواصل مسيرة تقرير المصائر بالعقل العلمي وثقافة التنوير والشعي لدمقرطة الحياة..

إن الركون للإصلاحية ولتحالفات خلط الأوراق التي ما هي بتحالفات بل تبعية وخنوع وتبرير للتغطية على أجنحة الإسلام السياسي وكل يغطي للآخر!

إن البديل الصحيح، يكون بولادة تحالف قوى التنوير لبناء الدولة العلمانية الديموقراطية بلا مواربة وهو تحالف يعبر عن ((وحدة)) واجبة لكنها لن تكون سليمة ما لم تكن ذات ((استقلالية)) في بنيتها ونهجها بامتناعها عن إدخال أجنحة الإسلام السياسي الطائفية بجوهرها والوحشية بطابع اشتغالها.. والقصد هنا تلك الحركات التي تتسمى باسماء ليست أكثر من جلابيب تتظاهر بها أو أنها تطلق شعارات هي ليست أكثر من خطابات جوفاء وبكل الأحوال هي تفعل ذلك بلعبة مفضوحة للمخادعة والتضليل.. فكيف يُدخلها تنويري في تحالف أو نشاط له وهو يدرك أن ذلك لن يكون سوى الدعم لتخريبها الفكري السياسي!!!؟

لقد أبرزت تجاريب شعوب المنطقة أن الانتفاضات التي وُلِدت بنواتات صغيرة قد استجابت لها الجماهير بسبب من وحدة قادة الحراك واستقلاليتهم ووضوح برامجهم وتركيز الهدف في مبدأ التغيير بلا خلطات العطار الأفريقي أو الهندي أو الفارسي..

ألم يحن الوقت لتقرع الأجراس، في آذان قادة قوى التنوير!!!؟ ألم يحن الوقت ليدقَّ من يعنيه أمر المسؤولية نواقيس التغيير!؟ ألم يحن الوقت للتفكر والتدبر في أولوية إعلان تحالف قيادة الحراك الشعبي للتغيير!؟

إنّ تغيير الحال لن يأتي بمنطق الحركة الإصلاحية ومبادئها وفكرها السياسي الذي انحدر لتحالفات خلط الأوراق والبرامج وتضييع الهدف وتمييع وسائل الوصول إليه!! ولكنه سيأتي حتماً بمنطق حركة الشعب للتغيير، تغيير نظام سرق خيار الشعب.. فخيار الشعب هو الديموقراطية نظاما ومنهجا وما يحكم الشعب قوة مافيوية تبيع وتشتري بكل شيء حتى وصل الأمر لإعادة عصر العبودية وإحالة الناس إلى رقيق بكل ما تعنيه الكلمة وتحتويه من دلالات اصطلاحية.

فلنكن على أهبة استعداد، بخطانا.. والضربات الفاشية لنظام البلطجة لن توفر أحداً في جرائمها…

ولا عاصم للشعب العراقي إلا تمسكه بقيادة وطنية حيث (وحدة واستقلالية) تلك القيادة وسلامة نهج وخيار يتحدد بـ(التغيير) ومن دون ذلك لا يقف الأمر عند تماهل بالحسم بل سينحدر ليقع في فخ قاتل لا نهوض بعده!!!

إنّ كل حزب علماني معني بإعادة ترتيب أوراقه بهدف وحيد يترك فيه عبثية الانضمام لسلطة الفساد ومساراتها، فكفى الشعب أوهاما وأضغاث أحلام لم تأته بأكثر من مهالك تتابع كوارث ومعضلات صيفا وشتاءً..

ابعد كل ما جرى ويجري وما يُرتكب يومياً مازال هناك من يتشبث بتحالفات تديم مؤسسات الفساد وإخضاع الشعب لعبودية القدسية المزيفة!!!

ابعد كل الجرائم المهولة مازال هناك من لا يفرق بين العمل بمؤسسات الدولة وبين العمل في المنظومة السياسية لتلك الدولة؟؟؟

أيها السادة، ليس هناك من يطلب من موظف أو عامل أو فلاح أو طالب أن يترك عمله بمؤسسة خاصة أو عامة ولكن المطلب ألا تنخرطوا في تحالفات تبرر لمن سطا على تلك المؤسسات وأفرغها من محتواها وجيَّرها لفساده ولكل أشكال إجرامه!!؟

فرق كبير أن يخرج المرء لكسب رزقه ويفرض حقه في أجره مقابل جهده وبين أن يخرج ليخدم من سطا ويسطو على مؤسسات التوظيف والتشغيل بل ليضع جهده في سلة من يستعبده ولا يعود إلا بفتات الصدقات ومنطقها!!!

فرق كبير بين أن يدفع حزب بأعضائه ويقبل لهم الاشتغال بمؤسسات العمل المختلفة وميادينه وبين أن يعقد الحلف مع من يقتسم تلك المؤسسات والعاملين فيها حصصا بوصفها غنائم استعباد..

فرق كبير بين العمل بمؤسسات إنتاج خيرات العيش لبناء البيت الوطني وبين الخضوع لمنطق المنتقِم الذي يتعامل مع تلك المؤسسات كأنها غنيمة غزوة يخدعون من يصلهم بعض فتات صدقاتها أنها تأتي ثأراً يعيد حق ما خسره طرف ما بغزوة جرت قبل أكثر من ألف سنة!!! إنها ليست أكثر من خديعة تكسب جنودا يصيّرونهم قرابين للنهب والسرقة والإفساد فيما يذهبون سدى بمعارك شوارع وجرائم يرتكبونها ولا تحظى بقايا عوائلهم غلا على صدقات لا تغني ولا تسمن بقدر ما تستعبد وتذل!!!

فيضان الطبيعة يجب أن يقابله طوفان الرد البشري لحركة احتجاجية توقف عطش التجفيف صيفاً وغضب الإغراق شتاءً.. لكن تلك الحركة لن تستطيع الحياة والانتصار من دون ما أكدته التجاريب: (وحدة واستقلالية) وسلامة برنامج ووضوح هدف إنه هدف تغيير النظام لا ترقيعات إصلاحه المزعوم في وقت لم يعنِ الإصلاح إلا إعادة إنتاج للنظام وإدامة وتكريس له ولقواه المفسدة المجرمة..

فهل فهمنا الدرس؟ أم أنّ الأمور لم تعد تعنينا!!؟ كلُّ عضو بأيِّ حزب علماني معنيٌّ باستيعاب هذي الحقيقة الساطعة والعمل على فرضها أو فليذهب إلى الخرابة التي تصدق عليه بها من يستذل الناس ويستعبدهم وهو عند إهماله ما يفرضه الواقع يكون من الساكتين على الواقع المأساوي المرضي.. إنه كذلك، إنْ لم ينتفض لحريته ولكرامته ولحقوقه وحقوق الشعب وحرية الوطن. بالمناسبة الدفاع عن الحقوق ليس مجرد ظاهرة صوتية بل فعل ميداني نضالي مؤثر وهذا تشخيصه لا يقع بمنطقة إصلاحيي العمائم والجلابيب وعرضحلجيتهم أو من بات يدبج المقالات والخطب لهم..

أنتفضوا أيها التنويريون جميعا واتركوا ما فات من ثغرات وأخطاء واختلافات، انتفضوا لأنفسكم وخياراتكم فأنتم من يعلق الشعب عليه آماله ولا تخذلوا تاريخكم وحاضركم ومستقبلكم..

لقد دقت الأجراس منذ زمن..ولات ساعة مندم! تردي الأوضاع المعيشيى في العراق

Sent from my iPad

لا تعليقات

اترك رد