9 نيسان وتوقف التاريخ


 

بعد ستة عشر عاما من الخراب، لم نتمكن كعراقيين من تجاوز احداث نيسان عام 2003، ففي كل نيسان مر، مثلما هو نيسان الحالي، وحين يضطر الحاكمون في العراق الى التذكير محتفلين بسقوط الصنم، نختلف وننقسم حاكمين ومحكومين، بين من يرى ان دكتاتورا واحدا ارحم من اصنام كثيرة متعددة، وخط واحد احمر افضل من مئات الخطوط الحمر، وتاج راس واحد افضل من تيجان جثمت بشكل مهين على الرؤوس، وهبل واحد افضل من مئات، وبين من يرى ان لاحرية دون ثمن وتضحيات ، وان نتيجة الخلاص من الدكتاتور لم تكن لتكون باي حال افضل مما نحن عليه الان؟.. فياتي السؤال مدويا: ماهو ما نحن فيه؟…

الاجوبة ايضا تعبر عن انقسام اخر، فهناك من يعتقد ان ما كنا فيه افضل مما نحن عليه اليوم، وهم غالبية الشعب من الفقراء والمسحوقين والمهمشين، وبين من يعتقد ان حال العراق رغم الاهوال التي مرت وستمر به افضل كثيرا من سجن كبير كان يسمى العراق، وأغلب هؤلاء من طبقة اللصوص والمنتفعين سياسيا واقتصاديا، غير ان هذا المعيار ليس نموذجا صحيا وصحيحا للقياس، فما يجري في الحقيقة هو مقارنة الاسوأ بالسيء، او السيء بالاسوأ، اذ اننا لم نكن سابقا كما اننا غير قادرين اليوم على خلق نموذج صحيح يمكن ان نجعله تجربة قابلة للقياس ، لنا ولاجيالنا اللاحقة، وكأن حالنا يقول : لقد توقفنا هنا، وانتهى تاريخنا هنا، ومثلما يرى فوكاياما ان التاريخ قد انتهى ولم يعد ثمة مجال لظهور ايديولوجيات جديدة وان الديمقراطية والليبرالية هي النظام السياسي والاجتماعي الاصح الاوحد، فان العراقيين يقولون: ان تاريخنا توقف هنا عند مقدس حاضر غائب، واننا لن نتحرك خطوة اخرى حتى يتكشف الخيط الابيض من الاسود، فاما ان يظهر الغائب فننهض معه، واما ان يبقى غائبا لنغيب عن الحضور ولنواصل التأسي كل ما امكننا، فلا معنى للسعادة والفرح والحياة اساسا بغياب منتظر تقف ابواب القيامة بين يمينه ويساره..

لن ندرك ابدا، ان كل ماكان قبل عام 2003 لم يعد مهما، وان ما حصل بعده ايضا لم يعد مهما، ان ماحدث قد طواه زمن يمضي سريعا، وكل ما علينا مثل كل الشعوب التي نكبت، هو ان نستفيد من ذلك السجل الكارثي لنرتقي، فان لم تكن تلك او هذه النكبات قادرة على اثارة وعينا وتحفيز فعلنا ونضالنا ورقينا ، فمن الاجدر اذن ان نعترف اننا اصنام شاخصة في العراء ليس الا، ان نرتضي الظلم والفساد والاكاذيب الفجة المفضوحة فعلينا ان نعترف اننا عبيد صالحون طائعون، واننا جزء اساس من هذه الماكنة ، وقد اثبتنا بالفعل هذه الصورة، فحين ثار اهل البصرة مثلا صمتت باقي اجزاء العراق بانتظار الفرج من هناك، وحين ثار المدنيون في بغداد قبلهم صمت الاخرون بانتظار الغالب والمغلوب، حتى ركب الموجة من ركب لتنحرف الامور عن نصابها وتتحول الاحتجاجات الى سفرات سياحية بعد صلاة الجمع، أو الى صراعات بين اطراف سياسية او استعراض للقوة فيما بينها، لتفقد الجماهير بعد ذلك ثقتها بنفسها وبقدراتها.. فلا اهداف موحدة ولاقيادات ولانخب قادرة على الفعل والتاثير ، لقد اثبتت الجماهير حتى المنتفضة عفويا، انها جزء من شبكة ولعبة الفساد حين تناست دماء الذين ضحوا بانفسهم اثناء الاحتجاجات ، وحين تجاهلت حتى السؤال عن مصير اولئك النشطاء البارزين الذين تم اختطافهم ولم

يعرف شيئا عن مصيرهم الى اليوم، أما مايثير السخرية والدهشة والاستغراب هو ان يلتحف اليسار بكل تاريخه الفكري والنضالي بعباءة اليمين ..

يعتقد البعض ان هناك آمالا قائمة نحو الاصلاح، فتجربة الديمقراطية في العراق مازالت فتية وليدة، وكانها التجربة الفريدة الوحيدة الجديدة في هذا الكوكب، او انها منتج حصري لهم، ويرون ان الزمن كفيل بخلق قيادات جديدة يمكنها النهوض بهذا البلد، وهؤلاء باعتقادي هم الاكثر غباءا من كل من يرى ان هناك املا في الاصلاح والتغيير، فهم لم ينظروا الى طبيعة النظام الديني العشائري المافيوي الذي خلقته ايران من جهة واميركا من جهة، هذا النظام بكل الخبث والشيطنة حوّل الشعب نفسه الى جزء من عصابات ونظام الفساد بل جعله المحرك الاساسي له، فانتفعت طبقة واسعة من اللصوص والمعتوهين وتشابكت مصالحها، واصبحت مسالة القضاء عليها ومحاربتها ممن يدعي محاربة الفساد جزء من صراعات سياسية وليست عمليات اصلاح وتغيير حقيقية خاضعة لاليات وسلطة القانون ونظام العدالة الطبيعي، حتى ان جهاز القضاء نفسه تم تسخيره ليكون جزءا من هذا الصراع واداة طيعة بيد الاقوياء فيه..

لقد تم تفتيت السلطة وتوزيعها باكثر من اتجاه، وتنوعت مراكزها بين السلطات الدستورية والسلطات غير الدستورية المتمثلة بالميليشيات والاحزاب المتنفذة وزعماء القبائل والعصابات المارقة، حتى اصبح المواطن لايعرف بالضبط من هو الحاكم الحقيقي في البلاد مع تصاعد ونمو قوة ما يسمى بالدولة العميقة، فتم استنفاذ طاقة الشعب وتفتيت شخصيته وتغييب وعيه بواسطة الدين والعشيرة ومن ثم الميليشيات وسلاحها واساليب تعاملها المتسمة بالعنف المفرط ..

لقد توقف التاريخ في العراق عند لحظة سقوط الصنم، والى اليوم وبعد عقد ونصف مازلنا مرتبكين بين تمجيد ماض بكل سيئاته وبين رفض حاضر اسوا بكل المقاييس، ولم ولن نتمكن مطلقا من القفز الى ساحة الحياة، والامال بالاصلاح والتغيير مجرد اوهام واحلام نتائجها مآسي جديدة، اذ ان النظام السياسي والاجتماعي اتخذ منحى اخطبوطيا غريبا خرج فيه عن كل الاطر التي يمكن للعقل التعامل معها، ولم تعد حتى ثورة الجماهير المتوقعة في كل لحظة بسبب سوء الاحوال وترديها ووصولها الى قاع الكارثةكفيلة بتغيير ركن واحد او اكثر منه..

لم يعد ثمة تاريخ يمكن ان نكتبه مثلما فعلنا قديما، وسجل الكوارث والمآسي قد امتلأ ايضا، وغاصت اقدام النظام بالزيف والكذب والازمات، فلا يخرج من ازمة الا وقع في اخرى، واي حل لازمة يمثل ازمة جديدة، وبالمجمل فان حيا تنا منذ التاسع من نيسان عام 2003 والى اليوم لم تتعد ولن تتعدى ايضا عملية تدوير نفايات طفت لخفتها على السطح..

لا تعليقات

اترك رد