التاريخ ماكر أحيانا

 
التاريخ ماكر أحيانا

في لحظات ماكرة يستغل التاريخ نفسه, فيتحرك بخلاف حقيقته ولكن وفق إرادته أو ينتهز فرصة التجربة , فيقلب ويتقلب , ويغلب ويتغلب , ويحرك موجات الزمن حركة استثنائية مفاجئة تضع الأشياء كلها , كل الأشياء , في حالة ترقب.. ثم في غير مكانها أو في غير ما تحسب , ربما على سبيل الاختبار ربما على سبيل المكر. ولكن التاريخ مع ذلك ينتظر حركة هذه الأشياء.. وينتظر تفاعلها وسطوة بعضها على بعض ثم وبعد حين وبلهفة وبصبر ينتظر ناتج هذا التفاعل.

لقد أثبتت تجارب التاريخ .. أو التجارب التي بدا التاريخ فيها ماكرا..انه ماكر بحق.. وان الشعوب التي منحها التاريخ فرصة , فوٌقف لصالحها حركة الموج أو حيٌد هذه الحركة لكي تستطيع هذه الشعوب التقاط أنفاسها من خضم ما يزحف عليها من قوى ..لكنها لم تنتهز هذه الفرصة بل انتهزتها الفرص. وان الحركات والمذاهب والطوائف والديانات وحتى الأشخاص الذين أعطاهم فسحة من التأثير.. وانتظر . انتظر تفاعلهم بوصفهم العامل المؤكسد لكنهم لم يؤدوا الدور واكتفوا بما ألفوه وتنازلوا أمام مكر التاريخ حتى يبدو ان التاريخ انما يضع كل شيء في مكانه الصحيح, وانه من باب التجني على حركة التاريخ المتسقة ان يبعد شعوب بأسرها أو ديانات بمعتقداتها أو مذاهب بأفكارها أو أشخاص بسيماهم عن حركته , لان التاريخ لا يتوقف مرتين , بل مرة واحدة وهي المرة الأخيرة في كل جيل , والتاريخ لا يطمر الحقائق في وقت مبكر بقدر ما يسترجعها ..فاذا ما توقف التاريخ حتى وان كان من باب المكر فلا مناص من تحرك من تو قف التاريخ لأجله بخلاف إرادة التاريخ نفسه , لا مناص ان تظهر هذه الشعوب والديانات والمذاهب والأشخاص وجهها الأخر وجهها الإنساني المتفاعل المشرق, فان عاود التاريخ ليطويها , وهو سيطويها حتما وليس رجما بالغيب, وفق قوانين حركة تمرد العصر على الأشياء والأشخاص , فانه سيتوقف عندها مرارا معلنا انها هزمته ..او بالأحرى هزمت مكره بإنسانيتها وانها عملت على العفو يوم الغلبة , وعلى السخاء يوم المنع , وعلى التسامح يوم المكنة , وعلى الصفح يوم الاستئثار.

اذا كان التاريخ ماكر , وهو كان ماكرا وسيظل , فان هذه هي الطريقة الوحيدة لهزيمته.

لا تعليقات

اترك رد