اساطير ملونة تحتضن تراتيل تجريدية في اعمال عبد الجبار العتاب


 

تساهم النتاجات الفنية في العراق على تطوير الحركة التشكيلية في الوطن العربي والعالم ، وهذا ناتج من رؤية جديدة للفنان العراقي المعاصر الذي ينتمي الى بيئة ثقافية ومعرفية لها هويتها الخاصة بذاتها ، اذ ان الفنان العراقي يشتغل وفق منظومته المعرفية التي تقترب من عالمه التعبيري الذاتي من جهة وعالم موضوعي يحاكي الارث الحضاري المرموز بصيغ جمالية لها دلالاتها التي تستوقف المتلقي من خلال قدرة الفنان على تشكيل نتاج اسلوبي وفق بنائية ورؤية معالجاتية معاصرة ، فضلا عن موضوعات ترتبط بعالم الواقع والبيئة وما لها من تراكمات تعبوية اتجاه عالم السياسة والاجتماع والثقافة وهي بشكل واخر لها تلاقحات بعالم ما بعد الاستهلاك والعولمة .. لذا الفنان المعاصر يسعى ضمن بيئة سطوحه التصويرية ونتاجاته التشكيلية يتلاعب عبر المنظومة التخيلية والعقلية بعناصر التشكيل ، الامر الذي يجعل منه ينفتح نحو افق الجمال اللامحدود المعنى ؛ باعتبار ان النتاج المعاصر لا يقف عند المعنى الاحادي ، بل يتعدى ذلك الى تعددية القراءة لدى المتلقي ..

من هنا نلحظ الفنان (عبد الجبار العتاب) في رؤيته الذاتية التي اسماها (اساطير ملونة) ان يجعل من المتلقي يحاول فك شفرات النصوص البصرية التي تعانق السطح التصويري ، فالفنان جعل من ارثه الحضاري وتراثه البيئي موسيقى تناغم الروح وتلامس جسد المتأمل لهذه النصوص .. لقد منح (العتاب) سطوحاً تجريدية باعتبارها خطاباً يتشكّل عبر لغة اللاتواصل مع حيثيات الوجود الخارجي ، فهو بالرغم من انتشال عناصر حسية تدخل ضمن فضاءات التشكيل لديه ، إلا أنه جعل منها تغاير الفعل الحسي الى ما ورائه .. انه يعمل على اقامة ممارسة جمالية عبر بناءات تتسم بتماسك العناصر ووحدة تكوينية لا تبتعد عن المعطى المضاميني للتعبير الداخلي والرؤيوي للخطاب البصري ..

لقد استطاع الفنان ان يقرن خطاباته التشكيلية بروح التراث والبيئة المحلية ، فهناك الريف واجوائه النقية ذات البساطة التي امتزجت برمزية الحضارة من خلال ترسيم اشكال مختزلة عانقت اشكال الريف ، كما هو الحال في ثيمة المرأة التي منحها بعداً حضارياً وتأريخياً لا ينفصل استطيقا الفكر الثقافي المعاصر ، كما نلحظ اجواء الاهوار وما ينتج من ولادات استطيقية لا تحاكي الواقع محاكاة سردية بقدر ما يمنح السطح التصويري رؤية جمالية تغاير المألوف عبر منظومة الفنان التخيلية التي ذهبت في افقها نحو انفتاح الخطوط والاشكال والالوان بصيغ ترتبط بالموضوعي المكثف للوصول الى اللاموضوعي في التشكيل .. ان الفنان (العتاب) يسعى الى بث استطيقا لا تشتغل مع المركزية بل يتعدى ذلك الى اللامركزية عبر التماهي مع الشيئية والفيزيقية بشكل يثير الدهشة لدى المتلقي .. وهذا لا ينفصل عن طروحات عقلية تُعلي من شأن المثالي من جهة والمادي من جهة اخرى ، الامر الذي يجعل ذلك يرتبط بممارسات الخلق البيئي لتحقيق رؤية تكافؤية مع معطيات البيئة وتحرير الفعل الحسي .

إن اشتغالات تشكيلية كهذه تؤكد على تفعيل البعد الذاتي الذي يمنح المنظومة الحدسية جزءاً آخر من الخلق وتحقيق لغة خطاب ذو منحى استاطيقي حر ؛ باعتبار ان المنظومة الحدسية لها القدرة على تفعيل كل ماهو رمزي ولا شعوري ودلالي يجعل من بنائية التشكيل لها جمالياتها الخاصة بذاتها ، والفنان هنا له القدرة على اشتراك رؤيته الذاتية مع متطلبات التشكيل المعاصر من جهة والبيئة الزمكانية من جهة اخرى ، الامر الذي يجعله يشكّل هوية خاصة له في عملية خلق النتاج الفني ، وهذا ما لمسناه في اساطيره الملونة ..

إن خطابات الفنان البصرية تخضع لانساق تكوينية مفتوحة تارة ومغلقة تارة اخرى ، اذ ثمة استقرار واستمرار في السياحة الذهنية داخل الذات ، من خلال التراكمات الوجودية والمثالية .. لذا فهو يحاول أن يعبر عن الدينامية ذات الطاقة الشعرية التي سبرت غور الفنان وذاكرته ومخياله الواسع ، وبذلك فهو لا يقترب من التسجيل المباشر والكلاسيكي ، بغية الكشف عن اللامألوف والمختفي وراء تمظهرات الحس ..

إن لغة الخطاب البصري لدى الفنان (عبد الجبار العتاب) تجعل المتأمل لها يشتغل وفق رؤية تأويلية لكل عناصر الخطاب ؛ باعتباره تشكيل لرؤية تعبيرية وذاتية مركبة تحمل ارتباطات علائقية ومخرجات ترميزية لها خصوصية في التركيب . ذلك التأويل محمول على ثقافة معرفية ممتزج مع المعطى المضاميني المتعدد ، فهو يجمع بين النسقي والاستبطاني ومن ثم يُصعّد من دلالات الترميز لهيكلية الاشكال ليمنحها استطيقا بذاتها ..

لقد اخذ الفنان يؤسس ابستمولوجيا مع طبيعة العلاقة بينه وبين العالم المحيط لبث رؤى تشكيلية ملونة تكون فيها الخطوط والاشكال الناطق بأسم الهوية الذاتية والحضارية معاً .. انه منح خطابات تشكيلية واضحة في طبيعة العلاقة بين الانسان والارض والفضاء ، وهو انتاج جمالي واقعي تجريدي ميثولوجي انطولوجي ، انها الرؤية الفنية التي اعتمدت على اختراق الحسي وخلق شفرات جمالية ذات غنائية وتعبيرية لها مضامينها الماورائية ..

إن استنطاق الاشكال ضمن السطوح البصرية لدى الفنان (المرأة ، النخلة ، الطفولة ، السمك ، الاشكال الهندسية ….وغيرها) منحت كسر الحجاب وراء النص الحسي ؛ بغية جعل الخطاب التشكيلي يخضع ضمن مخاضات انطولوجية ووجودية على مستوى التأمل والتصور ، لذا ترك الفنان حرية التلقي والاستمتاع والغور في فضاءات وثنايا منجزاته الجمالية ، وهذا ما يجعلها تزايد من توليدية المعاني بعيدا عن القسرية والسلطة الاحادية ..

اخذ الفنان وفق خبرته المتراكمة على تشييد عناصر سطوحه التصويرية لتتشكّل وفق معالجات اسلوبية وتقنية رؤيوية انتقائية ، سعياً لإعادة انتاج تمظهرات العالم الخارجي بطريقة جديدة مغايرة يبث فيها روح التغريب واللامألوف ، ليتفرد الفنان في تشكيلها المرسوم بجمالية ذات ديمومة من خلال الموضوع وتكويناته الاسلوبية ؛ ليكون التأسيس في تلك الخطابات على مستوى التقنية والادلجة والمعنى ..

إن خطابات الفنان (العتاب) لا تأخذ معنى التفرد او الذاتية النكوصية ، بل لا تنفصل عن مكنونات العصر وقضايا المجتمع .. انه يشتغل طبقاً وممارسات التواصل والديمومة والمغايرة والاختراق .. فهو يجعل من نتاجاته حواراً شيقاً يتفاعل مع منظومة البناء الاجتماعي والثقافي والجمالي ..

لقد استمتعنا بالرؤى اللونية للفنان ، فكل خطاب بصري يحمل مكنونات التعبير امتزجت بين عناصره البعد الجمالي ، اذ ان الخطوط لا تنفك عن الاشكال المركبة ، بل ان الخطوط هي الرصين الذي يزخر بحركة الشكل وجماليته ، وهي لا تنفصل ايضاً عن الفضاء الذي تسبح به .. انها حكايا تتوزع بين السطوح التصويرية لينتج عنها مجتمعاً استطيقياً له ذائقته الجمالية .. انه يشتغل بقرب الاسلوب التعبيري المحمّل بالطاقة الداخلية ، ليكون اللون لديه منفعل ، فالتنوع اللوني الثائر والمتصارع على الاشكال (النساء) ، انما هي تمرحل نحو الذاتي لتكون اسطورة اللون ضرب من الاحتفال القدسي لدى الفنان بصوره اللامتناهية ..

المقال السابقترنيمة من الشتات
المقال التالىيا رئيس الوزراء لا تسترخص دماء الشهداء !
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد