الذكرى الـ 16 لغزو بغداد


 

ستة عشر عاماَ مضت على غزو الاحتلال الأجنبي للعراق، وما وصل إليه هذا البلد اليوم من ترد في الأوضاع على جميع الصعد، يجعلنا نعود بالذاكرة العراقية الى احتلال آخر بالدموية والبشاعة والتخريب ذاتها ويشبه هذا الاحتلال المعاصر للعراق، واعيد التذكير بذلك الاجتياح المَغُولِيُّ الرهيب لِبَغْدَاد بقيادة هولاكو خان، الذي أدى إلى سُقُوطُ حاضرة الدولة العبَّاسيَّة بغداد، وعاصمة الخلافة الإسلاميَّة يوم 9 صفر 656 هجرية ــ 10 شباط (فبراير) 1258 م، إذْ قام هولاكو باستكمال فُتُوحات المغول في جنوب غرب آسيا، والتي بدأها جده جنكيز خان، واستطاع جيش هولاكو اقتحام بغداد بعد محاصرة دامت 12 يوماً، فدمَّرها وأباد مُعظم سُكَّانها.

كانت بغداد وقتها بأوج عطائها الحضاري على جميع الصعد، حتى لقب عصرها بالعصر الذهبي.

وأدى غزو المغول لبغداد إلى كارثة حقيقية في تاريخ العرب والمسلمين، إذ احترقت العديد من الكتب والمؤلفات الثمينة في شتى المجالات العلمية، الأدبية، الفلسفيَّة، الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وغيرها من المجالات، بعد أن أمر هولاكو، جيشه بإضرام النار في بيت الحكمة، وهي إحدى أعظم مكتبات العالم القديم آنذاك.

وألقوا بجزء كبير من كتبها الثمينة في نهري دجلة والفرات، حتى أن المؤرخين ذكروا، أن ماء دجلة والفرات تغير لونهما الى اللون الأسود بفعل مداد الكتب الكثيرة، التي ألقيت فيه. ناهيك عن تدميرهم لكل معالم الحضارة الإسلامية آنذاك، من مساجد، قُصور، حدائق، مدارس، ومُستشفيات.

الغزو المغولي لبغداد أبقاها لخمسة قرون تتخبط في الفوضى، ويديرها وبقية العراق حكام بالنيابة عن المحتلين، توليهم في العادة دول الجوار كالدولة الفارسية في إيران والقبائل التركمانية الرعوية التي تسيطر على العراق بين فترة، وأخرى بانتزاعها من سيطرة الدولة الفارسية، كقبيلة الخروف الأسودـــــ قراقويونلوـــــ التي اشنئت دولة الخروف الأسود في العام 1411 م وتلتها قبيلة أخرى تركمانية طردت حكام الدولة السابقة بعد عقود قليلة، وأنشئت دولة الخروف الأبيض في العام 1478 م حتى مجيء العثمانيين ليحكموا العراق إلى العام 1917م وسقوط بغداد تحت الاحتلال البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى 1914 ــ 1918م.

أما الغزو الجديد في العام 2003م بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة من الدول المتحالفة فقد حلَّ الجيش العراقي وقوى الآمن الداخلي، وابعد جميع من كانوا يديرون إدارات الدولة، وشكل مجلساً للحكم يديره حاكم أمريكي، واتاح بذلك الفرصة للفساد والمحسوبيّة والمنسوبيّة وسرقة موارد البلاد، مما فجر الكثير من الانتفاضات الشعبية، والحرب الطائفية.

وتسبب في صعود الإرهاب وسقوط العديد من المحافظات العراقية بيد ما يسمى الدولة الإسلامية. وهو أحد نتائج استفحال الفساد في مفاصل الدولة الجديدة التي أقيمتْ وفق رؤى المحتل وتوجهاته، لتجربة النظام الديمقراطي في بلد، نسبة الأمية فيه مرتفعة، ويعاني المواطن فيه من بُنى تحتية مدمرة، وأحوال معاشية متردية، ومؤسسات مدمرة ناهيك عن ملايين النازحين عن بيوتهم وقراهم واللاجئين في دول أخرى.

بلد غارق بدماء أبنائه
تطلُّ علينا الذكرى الـ16 لسقوط العراق مهد الحضارات تحت الاحتلال العسكري من قبل تحالف دولي قادته أمريكا وبريطانيا، ولا يزال هذا البلد الجريح غارقاً بدماء أبنائه الذي شارف عددهم على المليوني قتيل وجريح، “ها هو العراق بعد هذه السنين الطوال مازال غارقًا في دماء أبنائه الذين قاربت أعدادهم تصل إلى مليوني قتيل ومصاب، ومعاناة مئات الآلاف من الأرامل والأيتام، ومن كثرة مآسيه، لاسيما تلك التي يعيشها ملايين المشردين والنازحين في الخيام داخل العراق، فضلًا عن الدمار الشامل، الذي طال أغلب بنيته التحتية، واستنفد ثرواته ورهن مقدراته للغرباء”. حسب ما جاء في بيان أصدرته هيئة علماء المسلمين في العراق بذكرى مرور 16 سنة على سقوط بغداد.

ذكريات يوم 19 مارس/آذار 2003 أليمة جداً في قلوب الملايين من العراقيين الذين بكوا دماءً بدل الدموع منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم الحالي، وذاق سنوات مغمسة بالقهر والفوضى والموت المجاني، المتمثل بالجثث المجهولة التي كانت تُلقى بالعشرات في الشوارع المهجورة والمزابل والتفجيرات العشوائية التي تقتل العشرات وتجرح الكثيرين في الأسواق والدور والجوامع وفي كل مكان تصل إليه أيدي المخربين، ولا يزال بلد الرافدين يئن من جراحات الماضي يوماً بعد آخر، وسنة تلو أخرى.

والسبب في كل هذا وذاك، تقارير أمريكية وبريطانية زائفة، حيكت قبل سنوات من غزو العراق، بدعوى امتلاك هذا البلد أسلحة دمار شامل، وهي أكبر أكذوبة عرفها التاريخ الحديث، وروّج إعلام هذه الدول الكبرى لها مفادها:” أن العراق أصبح مصدر تهديد للعالم بأسره، ولا بد من التصدي لهذا الخطر الفتاك بضربة استباقية توقفه عند حده، وتعيده للعصور الوسطى. ”

وروَّج الإعلام الغربي بقوة لهذه الحجج الواهنة طيلة سنوات الحصار المفروضة على العراق من عام 1991 إلى عام 2003، ليضطر الاحتلال فيما بعد الى الاعتراف بعدم صدقيتها بعد أن حاصرته الحقائق على الأرض، ولم يعثر بعد احتلال العراق على أسلحة الدمار الشامل، التي اتهم العراق بحيازتها.

غزو العراق
تاريخ 19 مارس 2003، بداية تنفيذ الغزو على العراق عن طريق قصف أماكن محددة في البلاد. واستمرّ الحال ليومين كاملين، وفي تمام اليوم الثاني على الساعة 17:00 مساء حسب التوقيت العالمي، بدأت ما يقارب من 1700 طلعة جوية عسكرية، قامت بإلقاء 504 من صواريخ كروز، حسب تصريحات واشنطن، وتم احتلال بغداد نزولاً من مطارها الدولي.

“العلوج الأمريكان يروجون الأكاذيب، بغداد لن تسقط أبدا”، كلمات رددها محمد سعيد الصحاف، وزير الإعلام العراقي، قبل 16سنة، ولا يزال المواطن يسمع وقع صداها الى يومنا هذا في ذاكرته، ولكن بعد 3 أيام من معركة المطار مباشرة، دخلت الدبابات الأمريكية بغداد !!.

21 آذار/مارس، أسفرت الغارات الجوية عن انفجارات ضخمة هزت المناطق الإدارية للعاصمة بغداد. وفي اليوم الموالي، شنت طائرات الاحتلال غارات أخرى عنيفة على مدن

البصرة، وكركوك والموصل وضواحي بغداد، لتدمير البنى التحتية في البلاد كمنشآت الطاقة الكهربائية ومجمعات الماء الصالح للشرب، ومحطات المياه العادمة والجسور المهمة، ومخازن الغذاء وصوامع الحبوب، كالحنطة والشعير، والعديد من المستشفيات في مدن عراقية مختلفة، وتدمير معدات الميناء العراقي الوحيد في البصرة ومنصات نقل البترول في جنوب العراق وأغرقت ناقلات نفطية عراقية في شط العرب، وبذلك أوقفت أي تجارة في هذا النهر الحيوي المطلّ على الخليج العربي، ويمثل المنفذ البحري الوحيد للعراق.

25 آذار/مارس، عبر قرابة أربعة آلاف من مشاة البحرية (المارينز) الناصرية، مفصل الطرق المهم باتجاه بغداد، هذا العبور لم يكن بالهين، إذ استخدمت القوات العراقية النار بكثافة لصد العدو. وفي الأيام التالية، أصبحت بغداد ومحيطها هدفاً لحملة قصف شرسة، استهدفت مجمع القصر الجمهوري والأحياء السكنية وكذا الحرس الجمهوري، والذي يعتبر مركز القوة والنواة الصلبة للجيش العراقي.

31 آذار/مارس، بدأت القوات الأمريكية أول معركة لها ضد وحدات الحرس الجمهوري قرب مدينة كربلاء على بعد 110 كلم جنوب بغداد.

سقوط مطار صدام
2 من نيسان/أبريل، شقت الفرقة الأمريكية الثالثة طريقها إلى بغداد متجاوزة بذلك مفصل الطرق في كربلاء.

4 من نيسان/أبريل، سيطرت القوات الأمريكية على مطار صدام الدولي في بغداد، بينما عرض التلفزيون الحكومي، أنذاك لقطات لصدام حسين، أثناء تجوله في إحدى المناطق السكنية، بلباسه العسكري ويرافقه عدد من حرسه الجمهوري في العاصمة وسط ترحيب شعبي بحضوره.

خسرت الولايات المتحدة 139 جنديا وحليفتها بريطانيا 33 جنديا خلال عملية الغزو على العراق، وفقا لوزارتي الدفاع في البلدين. كما قتل أكثر من 7300 مدني عراقي خلال هذه الفترة، وفقا لمنظمة “إيراكبادي كاونت”غير الحكومية.

البلاد في قبضة الاحتلال
قبل 16 عاما وبالتحديد في التاسع من أبريل/نيسان 2003، سقطت الدولة العراقية في قبضة الاحتلال الأجنبي بسقوط تمثال من البرونز لصدام حسين، برافعة دبابة أميركية في ساحة الفردوس بمركز العاصمة العراقية بغداد، وسط زغاريد وفرح شعبي مثله عشرات من العراقيين ازدحموا في ساحة الفردوس.

ولم تكتف القوات الأمريكية بهذا وحسب، بل تجاوزته الى أبعد من ذلك، إذ قامت بلف رأس التمثال بالعلم الأمريكي، لإيصال رسالة الى الشعب العراقي للخضوع الى الاحتلال وعدم المقاومة، حسب ما استنتجه محللون.

تحقيق طال انتظاره
يوم 15 يونيو/حزيران 2009، أعلن رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون في ذلك الوقت، أن جون تشيلكوت سيرأس لجنة التحقيق في الحرب على العراق، وهذه اللجنة مؤلفة من خمسة أعضاء مهمتها التحقيق في كل جوانب الحرب، بدءا من القرارات التي اتخذت قبل بدايتها مروراً بإستراتيجية ما بعد الغزو ووصولا إلى الانسحاب النهائي للقوات البريطانية.

وتعهد تشيلكوت بأن “التحقيق لن يحابي أحداً على حساب الحقيقة”، وأعرب عن ثقته بالوصول إلى “تفسير شامل وعميق”. وانطلقت أولى جلسات التحقيق بشأن الحرب على بلاد ما وراء النهرين يوم 30 يوليو/ تموز 2009 بقيادة تشيلكوت، الذي شدد بدوره على ضرورة أن يبقى التحقيق في مساره المنشود ولا يتيه عنه، مؤكداً أنه سينتهي قبل نهاية عام 2010 “على أبعد تقدير”.

ولكن التحقيق استغرق أكثر من سبع سنوات من تشكيل اللجنة، وتعرض تشيلكوت لانتقادات لاذعة من الحكومة البريطانية والعالم بإسره، الذي كان ينتظر بفارغ الصبر ما سيأتي به التحقيق في حرب العراق.

وأعلن جون تشيلكوت في يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، أن لجنة التحقيق التي يرأسها ستقوم بنشر تقريرها في يونيو/حزيران أو يوليو/تموز 2016.

ولم يخلف الرجل وعده هذه المرة، ففي يوم 6 يوليو/تموز 2016 صدر التقرير المنتظر، وجاء فيه أن بريطانيا فشلت في تحقيق أهدافها باختيار خيار الحرب، ولم تستنفد وقتها جميع الخيارات السلمية، وأن لندن شاركت في الغزو، الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية عام 2003 على الرغم من أن الرئيس العراقي السابق صدام حسين لم يكن يشكل أي تهديد للمصالح البريطانية، مضيفاً أن “سياسة لندن في هذا الإطار قامت على معلومات استخباراتية ناقصة وأخطاء في التقدير”. وذكر تشيلكوت أن تقريره والاعترافات التي وردت فيه تضع امريكا وبريطانيا في قفص الاتّهام.

” استغرق التقرير سبع سنوات، وكلف نحو 13.5 مليون دولار أميركي، وبلغ عدد كلماته 2.6 مليون كلمة”.

ولم يأت التقرير بجديد في أوساط الشارع العراقي، الذي ذاق أهله أشد أنواع العذاب من ويلات الحرب، والتي خلفت خسائر بشرية هي الأكبر في تاريخ العراق، وآثاراً كارثية على العراق والمنطقة ما زالت تداعياتها الصحية والاجتماعية مستمرة حتى يومنا هذا.

ومن جهته حاول الرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش، فى مذكراته «قرارات مصيرية»، إيجاد اعذار مناسبة ليكسب بها تأييد الرأى العام العالمى وتعاطفه، وكذا بحثه عن مبرر مقنع لاحتلال العراق، والإطاحة بنظام صدام حسين. وعندما ظهرت نتيجة الحرب للعيان، وتم تكذيب ادعاءات بوش، اعترف الرجل فى مذكراته، بأن هناك أخطاء كثيرة شابت صحة التقارير الاستخباراتية التي حصلوا عليها.

أي مستقبل غامض ينتظر أطفال العراق؟
كانت فترة الثلاثة أسابيع التي استمر فيها القصف الجوي على الشعب العراقي، كافياً لإسقاط دول أكبر من العراق بمرات، هذا القصف الذي بدأت فصوله في 20 آذار/مارس سيبقى تأثيره طويلاً على العراقيين، كخسائر بشرية، وعلى البنى التحتية والخدمية للعراقيين، وعلى مستقبل الأجيال القادمة، لما حملته المقذوفات من معادن سامة، كاليورانيوم المنضب، والذي صار سبباً لمرض الآلاف من العراقيين، وأطفالهم وللولادات الجديدة بالسرطان والتشوه الخلقي.

وأصدر الدكتور كاظم المقدادي، متخصصّ في طب الأطفال وطب المجتمع وفي الصحة والبيئة وفي التلوث الإشعاعي، كتاباً تحت عنوان “التلوث الإشعاعي والمضاعفات الصحية لحروب الخليج.. ما هو عمق المأساة؟! “، يؤكد فيه على استعمال الاحتلال الأجنبي “اليورانيوم المنضب” الذي يساوي في ذريته ما يعادل 250 قنبلة ذرية.

ويذكر المقدادي، وهو الباحث والمتخصص في الأضرار الصحية والبيئية لاستخدام أسلحة اليورانيوم، في كتابه، أن العراق تعرض خلال الحربين 1991 و2003 الى كمية هائلة من ذخائر اليورانيوم، خلفت أكثر من 2200 طنا متريا من اليورانيوم المنضب، وهذا اليورانيوم الذي استعمل في بلاد الرافدين يساوي في سميته الذرية ما يعادل 250 قنبلة ذرية، وهذا وفقاً لما قدره البروفسور ياغازاكي Yagasaki Katsuma من الهيئة العلمية في جامعة ريوكيوس في أوكيناوا في اليابان.

وساهمت في بحوث الكتاب المديرة العامة لمنظمة المجتمع العلمي العربي، الدكتورة موزه بنت محمد الربان، ذكرت فيه، أن علماء البيئة تمكنوا من قياس مستويات عالية من اليورانيوم في عينات من التربة من عدة محافظات في العراق، وقد تبين من خلال النتائج، التي توصلوا إليها إلى وجود زيادة كبيرة في أعداد المصابين بأمراض السرطان المسجلة في السجلات الوطنية للسرطان في العراق.

كما استنتجوا أن الحربين الدوليتين بقيادة الاحتلال الأجنبي على العراق في عامي 1991 و2003، واللتين استخدمت فيهما قذائف اليورانيوم المنضب، قد تركتا إرثاً وخيماً على صحة المدنيين العراقيين بشكل عام، وزيادة في السرطانات والتشوهات الخلقية لدى المواليد بشكل خاص، ولفترة طويلة قادمة.

المقال السابقبقعة ضوء لتنوير في القضية العراقية بين فيضان وطوفان؟
المقال التالىعيد …
عمر فيصل صحافي عراقي مقيم في استوكهولم تخرج من المعهد العالي للإعلام والإتصال بدرجة امتياز 2015 يواصل دراسته العليا في الإعلام في السويد عمل في صحيفة العلم المغربية، ونشر مقالاته في الزمان الدولية والعرب الدولية وغيرها . " برينتون تارنت الاسترالي: القتل بنيوزلندا على طريقة ألعاب الفيديو الحر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد