إقليم أم خطوة للتقسيم

 

يعني في احد معانية مصطلح المؤامرة أن تقوم مجموعة من الناس بفعل مشين ضد مجموعة أخرى أو ضد شعب أو ضد دولة لذلك هي من ناحية العرف الدولي العالمي السائدة مرفوضة في كل الأحوال لان نتائجها كارثية ومدمرة وإذا نبتعد عن التاريخ القديم فلنا في التاريخ المعاصر الكثير من نماذج المؤامرات التي حصلت ضد شعوب كانت قوية وصامدة ومرهوبة الجانب فدمرتها المؤامرات وإحالتها إلى حطام وفي الغالب تقوم بها دولة قوية بمساندة من داخل الدولة الهدف ذاتها وتفعل بها الأفاعيل وقد تعرضت بالأمس القريب عددا من دول المنطقة إلى مؤامرات أودت بحياة مئات الآلاف من أبنائها ومنها ما تعرض له العراق على يد قوات الاحتلال الأمريكي وما تلاه من أحداث في منطقتنا يسمونها الربيع العربي لا تستطيع إلا أن تقول عنها أنها مرعبة لم تعرف لها الإنسانية مثيل إلا نوادر فبعد عام 2003 كانت المؤامرة الكبرى هي الاحتلال ولكنها لم تقف عند إسقاط نظام الحكم وتبديل رموزه برموز وأحزاب جديدة اختلفت في تبعيتها وفي نظرياتها في الحكم وفي طريقة إدارتها للبلاد فصار العراق مرتعا خصبا وهدفا سهلا لكل دول العالم تفعل به ما تشاء فمنها من يدعي الإسلام ومنها العلمانية ومنها من يدعي القومية ومنها من جمعها كلها وأشدها مرارة تلك المؤامرات التي تأتي من الصديق وابن العم والأخ وما يفطر القلب أن يتعرض العراق إلى شتى أنواع المؤامرات على يدي أبنائه في تنفيذها وبشرعية لا احد يصدق مصدرها فاختلاف قيادات الأحزاب يأتي خرابا على البلد واختلاف إرادات الدول المؤثرة في قرارنا البعيدة والقريبة يصبح جحيما على بلادنا حتى أصبحنا نحن في الداخل نتفنن في اختلاق الفتن وصياغة المؤامرات على بعضنا لننال من بعضنا البعض بلا رحمة يطعن بعضنا البعض لأتفه الأسباب وضاعت وطنيتنا وتمزقت هويتنا وأصبح بلدنا ذا التاريخ العريق من أكثر الدول المتخلفة وبعد أن كانت بغداد حاضرة الدنيا ومنارتها ومنبع علومها أصبحت تعد من أسوء عواصم العالم ولا تصلح للعيش وما يبكي المتتبع أصبحت مدارسنا غير معترف بها في كل العالم وربما حتى الصومال لا تعترف بمن يتخرج من مدارسنا لا من جامعاتنا التي خرجت عن تصنيف الجامعات العالمي.

نحن من اغني دول العالم وأكثرها ثراء والكثير من المواطنين عندنا يبحث عن غذائه بين أكوام القمامة علمائنا هاجروا أو تم تصفيتهم وشبابنا عجزوا عن إيجاد فرصة عمل فغرق من غرق منهم في بحار العالم أثناء تسلله إلى بلدان يبحث فيها عن لجوء يوفر الأمان له ولعائلته أو مساعدة بذلة من تلك الدولة أو هذه لا لسبب إلا لأنه عراقي وبلاده عاجزة عن احتضانه .

إذا كانت هذه الديمقراطية الموعودة التي جاء لنا بها الأمريكان بقيادة آل بوش الأب والابن وجيشهم الأقذر من هولاكو والتتار فتعسا لهم ولديمقراطيته اللعينة ونحن نملك في كتاب الله ما يجعلنا اسعد بلدان العالم.

إن ديمقراطية الأمريكان ودستورهم الذي يدعون إننا صوتنا عليه بالموافقة جعلت الشارع العراقي يئن وهو يتضور من الجوع وإذا علا صوته كانت له التهمة الجاهزة بالمرصاد ومصيدة المادة الرابعة (الإرهاب) جاهزة لاقتناصه تأديبا له ولغيره كما يعتقد من وضع الدستور.

لكي لا نبتعد كثيرا عن محور حديثنا فان من أقسى المؤامرات التي يتعرض لها بلدنا الغالي تتابع محاولات التقسيم وبذرائع شتى لضمان انهياره وتفتيت قوته بشكل يتصور من يخطط له انه نهائي إلى الأبد لا يظهر في صورتها الأجنبي صاحب الفكرة بل ينادي بها أخوك وابن بلدك ومن شرب من نفس الإناء واكل من نفس خير بلدك كانت بدايتها في إثارة الفتنة الطائفية بعد تفجير المرقدين الشريفين للائمة الأطهار في سامراء وصار على أثرها القتل على الهوية وامتلأت الشوارع بالدماء وبعد أن أدرك العراقي مغزاها قاومها وأفشلها بعون الله والعقلاء من أهل الحكمة وهذا الأسلوب يتكرر بين فترة وأخرى ويرتدي كل مرة ثوب جديد وتعمق حتى صار بعضنا يقتل بعضنا من نفس الطائفة وكلما أوقدوا نارا للفتنة أطفأها الله ويمكرون ويبقى مكر الله أقوى لينصر ويحفظ الأبرياء.

إن دستور البلاد الذي تعمل به اليوم وتحت عنوان الديمقراطية والحكومة اللامركزية ترك الباب مفتوحا لتأسيس الأقاليم بضغط من إخواننا الكرد الذين يحاولون الحفاظ على مكتسباتهم التي وفرتها لهم الأمم المتحدة في فترة الحصار الأمريكي الظالم لبلادنا وهو أولى خطوات التقسيم ولكي يبدو الدستور عادلا في توزيع الحقوق على المواطنين العراقيين بالتساوي أقرت لهذا مواد ثابتة وربما مبهمة تحتمل أكثر من تأويل شرعنت هذا النهج وهو وبدعم من بعض من يسعى لتقسيم العراق ما ساعد على إجراء استفتاء انفصال كردستان عن العراق سيء الصيت ولولا إرادة الله وحكمة العقلاء من أبناء البلد لفقدنا أخوة لنا لا سامح الله هم جزء لا يتجزأ من مكوناتنا كشعب متآخي على محبة الله كما عرفناه.

اليوم تعاد نفس المحاولة التي فشلت لعدة مرات ولكن في الجنوب وبأسلوب ناعم تصرخ الأصوات النشاز إلى الشروع بتأسيس إقليم البصرة وتبعه صوت في محافظة ذي قار تشجيعا لهم ولضمان اكبر لنجاحه يطالب بالانضمام لإقليم يسمونه الجنوب وربما ينطق نفس الجملة من ينطقها في محافظة ميسان أو واسط أو ربما محافظة المثنى وكثر من يذر الرماد في عيون البسطاء ويخلط الأوراق فالحجة منطقية لكن الهدف مسموم.

بحيادية تامة ساعدت بل دفعت الحكومة المركزية هذا الصوت ليعلو من خلال إجراءاتها مع سكان الجنوب وكل العراق عموما والبصرة خصوصا وهم يعانون من ظلم لحق بهم أمام مرآي ومسمع الجميع فمفتاح خير العراق الأوفر والأكبر ومنجم نفطه وبوابته إلى بحار العالم هي البصرة ويعاني أهلها من نقص في كل شيء فلا صحة ولا تعليم ولا بناء وحتى بلا ماء صالح للشرب ونقص أو انعدام في كل الخدمات وفساد ونهب للأموال في وضح النهار مقابل شباب مل من البطالة والتسكع في تجمعات العمل الخالية من فرصة عمل فتظاهروا وقمعت تظاهراتهم وطالبوا وسدت الآذان من مطالباتهم واشتكوا فلا احد يشكيهم ويستمع إليهم وطرقوا كل الأبواب وخالفت بغداد قوانين الموازنة التي أعطتهم حصة يسمونها البترو دولار واخيرا لجأ المتربص والمتحين إلى الفرصة التي وفرها لهم الدستور المشبوه في مادة الإقليم وبذلك فان الحكومة المركزية هي من دفعتهم إلى هذا.

من مفارقات هذا الموضوع إن ما يمكن أن تحصل عليه المحافظة لو أصبحت إقليم سيتم إنفاقها رواتب ومخصصات وحمايات وكماليات ومظاهر تعظيم لرئيس ونواب وحكومة الإقليم والحديث في هذا يطول ويتشعب.

طيب إذا كنتم تنادون بالدستور فلماذا لا يحاجج نواب البصرة بالدستور أليس الهدف من وجودهم هو تمثيل المحافظة وإذا كانت تحكم المحافظة أحزاب أليست مشتركة في الحكومة والبرلمان ومقراتها الرئيسية في بغداد؟ إذا كانوا غير قادرين على تحقيق مصالح من يمثلون إذن ما جدوى تمثيل المحافظات في البرلمان ؟

يبقى أن نشير إلى إن وجود مجالس المحافظات هو أصلا مخالفة للدستور لانتهاء مدتهم وواجبهم الحالي هو لتصريف أعمال المحافظة ولا يحق لهم اتخاذ هكذا قرار خطير وليحمي الله العراق وشعبه ويجنبنا شر الكائدين والمتآمرين.

لا تعليقات

اترك رد