مؤتمر المعارضة العراقية المنتظر في باريس ،، أهدافه ، توقيته !!


 
مؤتمر المعارضة العراقية المنتظر في باريس ،، أهدافه ، توقيته !!

وفقا لما تيسر من اخبار حتى الان ، بات من شبه المؤكد ان مؤتمرا لأطياف مهمة ممن يصفون أنفسهم بالمعارضين للعملية السياسية في العراق سيعقد في الثامن والعشرين من هذا الشهر في العاصمة الفرنسية باريس.

يتحدث الراعون لهذا المؤتمر عن تشكيل جبهة وطنية معارضة واسعة التمثيل وعابرة للطائفية والعرقية وان الكيان الجديد يتشكل من خارج العملية السياسية القائمة في العراق منذ الاحتلال الامريكي عام ٢٠٠٣ .

يسعى منظموا المؤتمرالى تكريس نوع من الشرعية للكيان المعارض الجديد من خلال الإعلان عن ان المؤتمر سيشهد مشاركة و حظورا دوليا حيث سيحضر ممثل للامين العام للأمم المتحدة وممثل للجامعة العربية فضلا عن وزيرالخارجية الفرنسي وممثلين عن دول عربية واجنبية وذلك تعبيرا عن ادراك المجتمع الدولي ، وفقا لمصادر المؤتمر ، لضرورة وضع حد لنظام سياسي لم تفلح كل الجهود المبذولة لإصلاحه من اجل تأمين انشاء نظام سياسي مدني في العراق بعيدا عن المحاصصات الطائفية والعرقية التي فشلت في تأمين الاستقرار في البلاد وكانت سببا في انتاج الاٍرهاب واشكال العنف التي يعيش في ظلها العراق بما يشكل خطرا على الامن العالمي والاقليمي .

يؤكد الداعون للمؤتمر ايضا ان المشروع السياسي الجديد يسعى لتأمين شرعية وطنية واسعة من خلال مشاركة كافة القوى والشخصيات الرافضة للعملية السياسية الحالية في العراق ، من العراقيين من داخل العراق وخارجه على اختلاف مكوناتهم الدينية والطائفية والقومية من دون محاصصة او تمييز وانه يهدف لإعادة العراق الى انتماءه العربي ، كما يضع قضية محاربة الاٍرهاب ورفضه في قائمة أولياته .

سينجم عن المؤتمر ، وفقا لمنظميه ، ولادة كيان سياسي جديد يمثل مشروعا مستمرا ومنظما سيبقى قائما ” حتى يتم تحرير العراق من النفوذ الايراني والأجنبي وبناء نظام سياسي سليم ونزيه ومدني ، يعيد الوحدة بين مكونات المجتمع وينهي تماما كل اثر للتفريق بينها على اي أساس كان ” .

سيكون على راس جدول اعمال المؤتمر، الذي سيضم حوالى ٣٠٠ شخصية عراقية ، اعلان ميثاق وطني يكون بمثابة مرجعية فكرية للكيان الجديد بغض النظر عن الانتماء الفكري لأعضائه ونوع التنظيمات المنضوية تحته . كما سيتم انتخاب أمين عام ومتحدثين رسميين للكيان الجديد الذي سياخذ شكل واسم ” جبهة معارضة ” تكون بمثابة ” الكيان المعارض الأساسي للعملية السياسية الراهنة ، بمباركة الشعب وثقته ، وبشرعية اقليمية ودولية ” .

وتأكيدا لرفض المؤتمر اي نوع من التعامل مع العملية السياسية القائمة في العراق او اي من اطرافها فقد ذُكر انه رفضت فكرة دعوة بعض المعارضين الحاليين الذين انشقوا على العملية السياسية لما بعد الاحتلال مثل رافع العيساوي وطارق الهاشمي باعتبارهم كانوا من أطرافا في العملية وقبلوا المشاركة فيها بصفتهم الطائفية قبل تنحيتهم عنها .

لايتوفر الكثير من المعلومات عن المؤتمر رغم ان احاديث كثيرة تور حوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام وتنسب الكثير من التصريحات لمصادر منسوبة له او متحدثين باسمه الامر الذي دفع منظميه لاصدار بيان يحذر من ان الحكومة العراقية تحاول التشويش على المؤتمر وبث بعض الأخبار غير الصحيحة عنه بهدف إجهاضه وأشار الى ان الجهة الوحيدة المخولة حاليا بالحديث باسمه هي ” منظمة سفراء السلام من اجل العراق ” باعتبارها الجهة المنظمة الرئيسية .كما نفى البيان ما رددته بعض الأوساط من انه سيناقش قضية اعلان تشكيل اقليم سني مؤكدا ان ذلك يخالف توجهات المؤتمر الرافضة لأية مشاريع طائفية في العراق .

منظمة سفراء السلام من اجل العراق الراعي الرئيسي للمؤتمر هي منظمة إنسانية غير حكومية يرأسها الشيخ جمال الضاري وكانت قد عقدت في “ريغا” عاصمة جمهورية لاتفيا مؤتمرادوليا في اوائل شهر آذار / مارس ٢٠١٥ يهدف الى خلق “منصة عالمية تتبنى فكرة انهاء الأزمة العراقية بطريقة سلمية خالية من رهانات السلاح والدماء ، الى جانب تحديد اليات التعامل مع تنظيم الدولة الاسلامية المستحوذ على مساحات شاسعة من البلاد ، وتصحيح السياسة الداخلية الخاطئة في العراق ” وفقا لبيان صدر في حينها عن الاجتماع . لقد شارك في المؤتمر المذكور في حينها عدد من الأكاديميين العراقيين والاوربيين اضافة الى خبراء عراقيين وعرب وبرلمانيين وسفراء وقادة سياسيين من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الامريكية( النائب روبرت توريسيلي والسناتور بيتر هويكسترا ) والامم المتحدة ( السيد مختار لماني ) . لذا يبدو ، قياسا على ماتم في المؤتمر المذكور ووفقا لما نعرفه عن بعض ناشطيها ، ان لديها مايكفي من الخبرة والإمكانية لعقد مثل هذا المؤتمر وقد تتمكن من تأمين حضور دولي رسمي وغير رسمي له أهميته .

بعد بدء تداول الحديث عن اجتماع باريس بشكل واسع منذ شهر نيسان الماضي صدرت ردود فعل عديدة من الحكومة العراقية جاءت في البداية من مقربين وعلى المستوى الإعلامي . ذكر من يصف نفسه ” بالخبير الستراتيجي ” ان المؤتمر سيستمر ثلاثة ايام تسلط عليه خلالها الاضواء ثم يُنسى ، ويضيف ان هدف المؤتمر هو كسب شرعية وان هنالك دول في الإقليم تهتم به للتشويش على العملية السياسية العراقية {وكأنه ينقصها التشويش } . ويعلق اخر بانه مؤتمر طائفي ويشكل سابقة وهي ” تشكيل معارضة بالضد من الدولة ” ؟! كما ان الحكومة العراقية حكومة منتخبة وديمقراطية وان الهدف النهائي هو ” إظهار النظام السياسي العراقي – بالخصوص الشيعة ، بأنهم اصحاب نظام ديكتاتوري يستوجب معارضة ديمقراطية على مقاسات معينة خليجية طائفية معينة ” وتساءل عما يمكن ان تفعله ٣٠٠ شخصية سنية ؟ ، مضيفا انه لاقيمة لمعارضة في بلد تجري فيه انتخابات !!{ يعني لا لزوم لحزب العمال في بريطانيا مثلا }.اما جماعة علماء العراق المرتبطة بالحكومة فقد وصفت المؤتمر بانه ” داعشي ” وانه لايمثل أهل السنة وقال رئيس الحركة ان العراق “بلد ديمقراطي ويحق لكل جهة تبني المعارضة داخل العراق وفي خارجه ” واعتبر ان الممثل الوحيد للسنة هو اتحاد القوى وبعض الحركات المستقلة في الوقت الذي لم يقدم احد من القائمين على شؤون المؤتمر مايوحي بكونه مؤتمرا يمثل أهل السنة او غيرهم من طوائف العراق الدينية ، فيما اتهمت جهات اخرى المؤتمر بان تجمع للبعثيين واتباع النظام السابق وهو ما لايتناسب مع ما نعرفه عن كون بعضهم قد عمل في صفوف المعارضة لنظام البعث لكنه رفض الاحتلال .

تطورت ردود الفعل الحكومية العراقية ووصلت حد توجيه مذكرات رسمية الى الحكومة الفرنسية ودعوتها لعدم استضافة المؤتمر في باريس باعتبار انه يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة الاٍرهاب وداعش ، كما أوفدت احد كبار مسؤوليها الامنيين – السياسيين وهو السيد فالح الفياض مستشار الامن القومي والمرشح لخلافة الجعفري كوزير للخارجية حيث التقى مسؤولين فرنسيين لذات الغرض وجاء الرد الفرنسي مخيبا لآمال الحكومة ، اذ أكدت الخارجية الفرنسية ان الحكومة الفرنسية لاعلاقة لها بعقد المؤتمر وان عقده يقع في إطار حرية التعبير عن الرأي ومذكّرةً الجانب العراقي بعقدهم العديد من المؤتمرات للمعارضة ايام نظام حكم الرئيس صدام حسين في العاصمة باريس .

وقد قامت وزارة الخارجية بإصدار بيان تؤكد فيه انها تلقت تأكيدا فرنسيا بان الحكومة الفرنسية لا علاقة لها بهذا المؤتمر مما يعني انه سيعقد ولكن دون رعاية فرنسية وهو امر لم يدَّعيه منظموا المؤتمر .

هذه في المجمل اهم المعلومات المتيسرة عن هذا المؤتمر العتيد ، وما يعنيني بالدرجة الأساس هو محاولة فهم القلق الواضح الذي تعاملت به الحكومة مع الحدث بلغ حد إرسال وفد عالي المستوى الى باريس لغرض احباط عقد المؤتمر وهو امر غير اعتيادي وله دلالاته خاصة اذا ماعلمنا ان الحكومة الإيرانية جربت ضغوطها ايضا على الحكومة الفرنسية لذات الغرض ويبدو انها حصلت على نفس الإجابة .

في تقديري ان حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة الحالية اصبح كبيرا جداران عوامل عديدة قد تظافرت على وضعها في هذا الموقف الحرج .

رئيس الوزراء العبادي وتحت ضغط المرجعية الدينية المعلن اولا وضغط المتظاهرين في الشارع اضطر لطرح قضية الفساد والإصلاح باعتبارهما اولوية مطلقة ، لكنه واجه جدارا صلبا تمثله الكتل السياسية التي قادت البلاد الى الحال الذي هي فيه ، بضمنها حزبه ، والتي افهمته وبشكل واضح حجمه الحقيقي باعتباره ” رئيس حكومة تسوية ” وانه لايملك لنفسه كتلة سياسية يستند اليها وقد دار حديث واضح حول إمكانية تنحيته لو اصر على المسير في سياسات الإصلاح التي تبناها على تواضعها وعدم ملامستها لجوهر القضايا الحقيقية التي تمثلها قضية الفساد ومترتباته على وضع البلاد ومعيشة مواطنيها . ورغم ان السيد بايدن قد زار بغداد وأعلن دعمه للعبادي وتركيبة الرئاسات الثلاث الحالية الا ان العبادي يعرف جيدا ان السياسة ابعد من كونها صناعة وعود قد يتنصل منها قاطعيها ازاء شارع ملتهب اكتوى بحر صيف جديد وتزداد سوءا معاناته مع قوت يومه ، ناهيك عن كونها وعودا أمريكية اخر صفاتها هي الصدق والالتزام ؛ كما ان لبايدن حين قدم بغداد قضيته الخاصة وهي رغبة رئيسه في تتويج عهده بانتصار في الموصل على الاٍرهاب اذ لم يعد متاحا له ميادين اخرى للنصر غيره ، خاصة وان ستراتيجيته المستندة للطائرات بدون طيار ماعادت تؤتي نتائجَ كبرى على غرار تصفية العولقي لان مثل هذه الأهداف صارت مكلفة بحساب الثمن في السمعة مقابل حجم واهمية الأهداف التي ماعادت متوفرة بالحجم المطلوب ؛ هذا على الأقل ماتوحي به اهم دراسة صدرت قبل وقت قصير في الولايات المتحدة تحت عنوان (The Assassination Complex ) حول عمليات الاغتيال كاستراتيجية في محاربة الاٍرهاب ، فالمطلوب نصر كبير على الارض بحجم الموصل يسجل في تاريخ الرئيس وبالتالي على العبادي ان يوظف كل طاقات البلاد لارضاء حليفه الوحيد في المعمعة الدائرة حاليا . امر قد يرضي كتل العملية السياسية لكنه لن يسكت الشارع الذي قد يستمع بعد اليوم لكل منادٍ بالإصلاح مع خيبة امله بالحكومة وبالقيادات التي تخلت عنه في لحظة الحقيقة بعيد اقتحام البرلمان .

لقد اوصلت عملية اقتحام البرلمان الأمور الى حافات جديدة الامر الذي بدا واضحا على موقف الحكومة الذي تغير باتجاه اكثر حدة وصلابة ، بل يمكن القول انها غادرت نهائيا موقف المداراة الذي اتخذته سابقا في التعامل مع المظاهرات فقد اعتبرت اقتحام البرلمان اعتداءاً على هيبة الدولة وانتهاكا لحرمة مقارها السيادية الرئيسية وجاء هذا التغيير واضحا عبر عنه رئيس الوزراء مباشرة بإعلانه اعتزام ملاحقة الفاعلين والمتسببين بالاضرار قضائيا ، وهذا يعني ، وقد تم التلميح اليه بشكل واضح ، ان التعامل مستقبلا مع مثل هذه الأفعال سياخذ منحى الشدة بألوانها المختلفة . لم تعد للمظاهرات حرمتها اذن وان الإصلاح ان تم فسيتم بشروط المفسدين وبالحدود التي يتوافقون عليها .

من هنا جاءت التلميحات والتصريحات بان المليشيات ستتعامل مع الموقف ان تجاوز حدوده كما تم سحب بعض وحدات الامن والجيش الى العاصمة لتأمين مقارها ، وإذا حصل المكروه فان دما واحدا ان سفك فهو يعني نهاية النظام برمنه والتجربة السورية في الجوار .

اضافة لذلك فان جبهة المواجهة مع الاٍرهاب صارت تقدم معطيات جديدة . كان لتفجيرات مدينة الصدر الاخيرة وقعا مؤلمًا في نفوس جميع العراقيين بدون استثناء ومرة جديدة نشهد روحا من التضامن والحزن العميق مع ضحايا الاٍرهاب في أوساط جميع العراقيين مع النداء الواضح بان العملية السياسية في المنطقة الخضراء صارت بوابة ينفذ منها الاٍرهاب . ان تصول وتجول سيارات غير مُعرّفة الا بشعار ملون تحمله على سياراتها والويل والثبور لمن يجرؤ على ايقافها او تدقيق هويات راكبيها هو البوابة الاوسع التي يتمناها الاٍرهاب وهي هدية مجانية تقدم له ممن يزعمون مواجهته . هذه ظواهر لم تكن مألوفة في العراق سابقا لانه لم تكن هنالك من حصانة لأحد في الشارع امام متطلبات الامن ، وهذا ما تفرز عكسه العملية السياسية الحالية بشكل يومي .

والسؤال الان : مالذي يحول بين الشارع وبين الانتقال الى جبهة اي منقذ ، صدقا او زورا ، يقدم نفسه بشكل يعلو فوق كل الخطايا التي تزخر بها العملية السياسية الحالية ، بل ان شعار ” الشعب يريد …… ” بدأ يسمع بوضوح في تظاهرات الشارع التي خفت نسبيا تحت هول صدمة التفجيرات الإرهابية الاخيرة لكن مسبباتها ودوافعها تشتد وتكبر يوما بعد يوم وهي عائدة بكل تاكيد وهذه المرة تحت هاجس انها قد تقمع وبدون رحمة .

لقد طرحت مبادرات إصلاح جديدة مؤخرا ومنها مبادرة ” موطني ” لكن عيبها انها تقع ضمن دائرة الإصلاح التي تبناها العبادي ، لكن هذه نفسها لم تعد ترضي احدا فضلا عن ان بعض اسماء روادها قد ارتبطت بالاحتلال وما تلاه ومن هنا ماعادت تجذب احدا في الشارع اللهم الا في أوساط بعض النخب التي يتيه في هذه الأيام صوتها في صخب الشارع الغاضب الذي يريد خلاصا أكيدا ونهائيا من الوضع الشاذ الذي يعيش فيه منذ ٢٠٠٣ وحتى اليوم ، واجزم انه حتى المذهب والدين ماعادا قادرين على إطفاء حر الصيف او إشباع معدة ينهشها الجوع او توفير أمن صار الحصول عليه من المستحيلات في ظل التسيب الأمني الذي ينشره أمراء المليشيات والطوائف في شوارع البلاد .

من هنا يمكن فهم قلق الحكومة فيما لم يكن يستحق منها القلق في ظروف مختلفة ….

لا تعليقات

اترك رد