كَشِهابٍ في ضَبابٍ


 

الحَرائقُ تَتْرى
وَتُفْضِي إلى جَبَلٍ مِنْ رَمادْ
مَنْ تَسَلَّقَهُ غاصَ فِيهِ
وَمَنْ أدْرَكَ الفَخَّ عادْ
زَلِقٌ مُرتَقانا إلَيْنا
حُفاةً نَسِيرُ الهُوَيْنى
إلى شَجَرٍ مُثْمِرٍ يَتَراءى
يُقاوِمُ أقْدَامَنا :
عقرَبٌ في الرِّمالِ وَهاوِيَةٌ وَقَتادْ
فَما أنْ نَدُوسَ الظِّلالَ وَنَنظُرَ أغصانَه
وَ نمدَّ يَداً قاطِفَهْ،
فجأةً رَعْشةٌ خاطِفَهْ
لا ثِمارَ ولا شَجَرَ
وَنُحَدِّقُ لكنّنا لا نَرى
فَنَعَضُّ الشَّفَهْ
………….
خَرابٌ عَمِيمُ
وَالظّلامُ كَضَبْعٍ على جثَّةٍ
وانْتِظارٌ عَقِيمُ
على هذهِ الأرْضِ جِيناتُ قابِيلَ
تأكلُ مِنّا الخَلايا
تُكَذِّبُ نِيتْشَهْ
أو صَداهُ الغِنائيَّ
في زَبَدِ المَعْرِفَهْ
…………….
على هذهِ الأرْضِ ذُلٌّ مُقِيمُ
أنطرُدُهُ بالشِّعاراتِ مِن دَمِنا
وَالشِّعارُ يقودُ إلى مِعْلَفٍ مِن شَعيرٍ
والنَّهِيقُ ذَميمُ؟
مُنْذُ سبعينَ عاماً
وَأرْضٌ على هذه الأرْضِ
مُحْتَلّة باليَباسِ ولا مَطَرَاً في الأفُقْ
لا إلهَ يَبُوسَ رَؤوفٌ بِها
ولا جَيْشَ يَعْرُبَ
شَقَّ إليها الطُّرُقْ
فإنْ حَنَّ عُضْوٌ إلى غائِبٍ
غابَ في غابَةٍ ، كأخيهِ
وَلَم يُفْتَقَدْ
فاكتَفَيْنا بِما قَد تَبَقّى
وَنُمْنا
بِلا قَلَقٍ أوْ أرَقْ
والشُّهُودُ
مُنْذُ هَبَّتْ مِنَ الغَرْبِ تلكَ الرّياحُ السَّمُومُ
أنْكَرُوا أنَّ في بَحْرِ يافا
غُزاةً وَعاصِفَةً وَغَرَقْ
وَأنَّ على هذهِ الأرْضِ مَحْرَقَةً
وَأنَّ الذي يَحْتَرِقْ
فَراشاتِ نارٍ تُبادُ
عُشْبَها، شَعْبَ كَنْعانَ
وأنّ الجُّناةَ صهايَنَةٌ وَيَهُودُ
………
يَبابٌ وَبُومُ
وَالذِّئابُ على كُلِّ مُفْتَرَقٍ
والزَّمانُ سَقيمُ
…………….
جاءَ هذا الفَتى عارِياً مِن جَميعِ الشِّعارات
مُخْتَزِناً ضَوْءَ تلكَ العُيُونِ التي أسْبَلَتْ
في هزيعِ الشّهادَةِ أجْفانَها
جاءَ وَعْياً جَديداً تَخَلَّقَ في الذاكِرَهْ
جاءَ مِن وَجَعِ الأرْضِ تَحْتَ جنازيرِ دَبّابَةٍ فاجِرَهْ
وَمِنْ صَمْتِ أمِّ الأسيرِ
وطِفْلٍ صَغيرٍ يَضمُّ إليهِ دفاتِرَهُ المَدرسيّةَ
مِن بَيْنِ أنقاضِ مَنْزِلِهِ العائلِيّ
وَتَصْرُخُ عيناهُ : هَيّا اذهَبي واترُكينا
ولم تذهَب الطّائرَهْ
…………….
جَاءَ بَرْقاً
فِكْرَةً وَمَضَتْ
لُقِّحَتْ في هَواءِ البِلادِ
بِطَلْعٍ يُحاوِرُ أزْهارَ “سَلْفِيتْ”
كانَ لا وَعْيُهُ حائراً :
كَيْفَ أحيا كَمَيْتْ؟
فاسْتَقامَ السُّؤالُ الوُجُودِيُّ في عَقْلِهِ
طَازجاً وَبسيطاً كأسئلةِ الفلسَفاتِ القديمةِ
مُنْذ طُفُولَتِها في دفاترِ طاليسْ
لم يكُنْ قلبُهُ واجِفاً أو حَرُونْ
قالَ في سرِّهِ:
سأكُونْ
وَمَضى قافِزاً كَغَزَالٍ يُداعِبُ وَجْهَ الحياةِ
التي أطْرَقَتْ خَجَلاً،
جَفَّفَ الدَّمْعَتَيْنِ على خَدِّها
وَمَشَى هادِئاً كَحَكيمْ
…………….
كانَ يَرْثي الصّباحَ الذي يَتَمَدَّدُ في الطُّرُقاتِ
مُداساً بأحذيَةِ الجُّنْدِ ،
يَهمزُهُ أن : تَمَاسَكْ وَقُمْ
فلا يَستَجيبُ
فَتأبَّطَ سكِّينَهُ
في العُرُوقِ جِمارٌ تَذُوبُ
وَبَيْنَ العُيُونِ فلسطينُهُ النَّضِرَهْ
لَمْ يَحُلْ دُونَها فُقَهاءُ الظّلامِ
يُحِيلونَ غَزَّةَ كَهْفاً على البَحْرِ
هذا الفَتى لَمْ يَجِئْ مِن فَتاوٍ تُحيلُ البِلادَ إلى مَقْبَرَهْ
ولا مِن مَكاتِبِ سُلطَتِنا العَطِرَهْ
جاءَ مِنْ إرْثِ عاصِفَةٍ
حاصَرَتْها العَواصِمُ عَقْدَيْنِ
حَتّى اسْتَكانَتْ مُمَزَّقَةً في مَوانِئِ بَيْروتَ
تَحْمِلُها دُونَ بُوصَلَةٍ باخِرَهْ
ولكنّ هذا الفَتى لم يَكُنْ قاطِرَهْ:
…………….
كانَ فيفالدي يُراقِصُهُ على عَزْفِ الفًصُولِ الأرْبَعَهْ
كانَ لوركا مُطْلِقاً مَوّالَهَ الغَجَرِيَّ يَرْثِي مَصْرَعَهْ
كانَ بيكاسُو يُريهِ صُراخَ جُورنيكا
على جدرانِ كُلِّ مَدينَةٍ عربيّةٍ لَمْ تَخْدَعَهْ
كانَ غَسّانُ الجميلُ عَلى سَماءِ البُرْتُقالِ
بَنَفْسَجاً مُتَوَهِّجاً يَذوي مَعَهْ
كانَ جيفارا على خِنْجَرِ فَلّاحٍ
يُجَفِّفُ أدْمُعَهْ
……………….
كانَ قَلْبُ فِلَسطينَ لا مَسَ في لَهْفَةٍ أضْلُعَهْ
عِنْدَما وَحْدَهُ كَسَرَ الدّائرَهْ
وألقى بصاعِقَةٍ في المِياهِ التي رَكَدَتْ مِن عُقُودٍ
عَسَانا نَشمّ رَوائحَنا القَذِرَهْ
هكذا وَحْدَهُ
مثلَما شَعبُهُ وَحْدَهُ كانَ سَبعينَ عاماً يُقاتِلُ
والآخَرُونَ (البريئين مِن دَمِهِ؟) ، يُغَنُّونَهِ مِن مَقاعِدِهِم،
وَهُوَ يُطْعَنُ في الصَّدْر وَالظَّهْرِ و الخاصِرَهْ
…..
كانَ أبو ليلى شِهاباً وانْطَفأْ
فأرانا ذُلّنا في لَحْظَةٍ
يَعْلُو بِها عَنّا
تَفَرَّجْنا عليهِ بِنَشْوَةِ النّوستالجيا
ثُمَّ غَفونا
وَحَلُمْنا أنّنا
قُمْنَا إليهِ
ثُمَّ نُمْنا
لَمْ يَفُتْ شَيءٌ مِنَ الليلِ
وَلا شيءَ مِنَ الصُّبْحِ بَدَأْ!.

المقال السابقسقوط الصنم ام سقوط افكاره ؟!
المقال التالىشيعة الدِّين وشيعة الدولة
هادي دانيال *وُلِدَ في قرية كفرية مِن ريفِ اللاذقيّة على الساحل السوري بتاريخ 02/04/1956. *التَحَقَ سنة 1973 بالثورة الفلسطينيّة في بيروت وعَمِلَ في عدد مِن مؤسساتها الإعلاميّة كمجلة "الهدف"(مسؤول القسم الثقافي وسكرتير التحرير حتى سنة1979) و"إذاعة فلسطين"(مدير البرامج الثقافية). ثمّ انتقل مع ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد