مأساة بسيطة


 

المآسي الكبيرة كلها حدثت منذ زمن بعيد. نستطيع القراءة عنها في الكتب و نشاهدها على خشبات المسارح. في أيامنا هذه تحدث مآسي بسيطة فقط مثل أن ينجب الناس أطفالاً على الرغم من أن قدراتهم المادية لا تسمح لهم بالزواج أو أن ساعي بريد متزوج يقع في غرام إمرأة أثناء جولته الثالثة وهي واقفة على عتبات درج منظّف للتو و لكنه لا يستطيع أن يشتري لها قبعةً لأن لديه إبن غير شرعي يصرف عليه.

كان ذلك في الخريف و كان المطر يتساقط على وتيرة شبه متواصلة ،حذاء ساعي البريد كان مبتلاً دائماً. و حين يصل إلى مداخل البيوت كان عليه أن ينظف قطرات الماء من على عينيه لكي يتمكن من رؤية فتحة الرسائل في الباب و يحدث أحياناً أن تتساقط قطرة من المطر على العنوان و أن يفتح أحدهم الباب و يحتج على أن ساعي البريد يجب ألّا يعبث برسائل الآخرين .كان شخصاً مرهفاً و كان يشعر بالإستياء لأن لم يكن في مقدوره إرضاء الجميع و حين يعود إلى البيت كانت زوجته تشاجره لأن المطر يهطل أو لأن لديه طفلاً أما هي فليس لها أطفال، أو أنه لا يزال مرتدياً حذاءه أو لأنه لا يترقى أبداً ليصبح مشرفاً على سعاة البريد. لم يكن يرد عليها بشي و لكنه كان يحس بأن حبه لها قد انتهى . ليس كما كان من ذي قبل على أية حال.

عندما في المساء في جولته الثالثة رأى “لينا” على الدرج لم يفكر كثيراً فيها بداية الأمر. لم يكن سوى أنها أعاقته بعض الشيء عن أداء عمله. كان يصعد و هي كانت جاثية على ركبتيها على الدرج و تقوم بتنظيفه. و لأنه عادة يمشي بهدوء شديد فانها لم تنتبه إلى قدومه و استمرت في التنظيف و لأنه كذلك خجول جداً بطبيعته فلم يجرؤ على قول شيء بل تقهقر إلى الوراء ووقف منتظراً خلفها على الدرج. أربع عتبات كانت متبقية لكن الوقت كان كافياً ليتمكن من أن ينظر إليها و طبعاً حين نمعن النظر وقتاً طويلاً نوعاً ما إلى إمرأة فقد يحدث بأننا نبدأ بحبها، على الأقل بعض الشيء.

ساعي البريد رأى ظهرها كانت شابة بريئة و بدت عجولة حين كانت تنحني. أعجبه ذلك كثيراً و أحب شعرها أيضاً لقد كان أشقراً طبيعياً و كان دائماً ينزل من على جبينها و كذلك راق له يديها و ذراعيها و هما تداعبان عتبات الدرج بقماشة التنظيف.

تمنيت لو أنني عتبة درج عال و أنتِ تنظفيه قال محدثاً نفسه , لقد عرف بأنه سوف يغرم بها لو أنها أيضاً جميلة عندما تلتفت إليه بوجهها .
حينها التفتت إليه لقد كانت جميلة جداً ، بدأ يتلعثم.
أريد أن أنن ن أصعد الددددرج فقط قال.
هل معك رسائل ل بروبيرغ؟ قالت متسائلة.

في الوقت الذي كان يفكر فيما إذا كان هناك بريد بالإسم المذكور قام أيضاً بمساعدتها في رفع دلو التنظيف إلى بابها.ثم بدأ يبحث في حقيبته . لم تكن هناك رسالة لهم و لكن كانت هناك جريدة للصيادين.

-“يوليوس بروبيرغ “قال ، و كان يتمنى في قرارة نفسه طوال الوقت أن يكون ذلك هو اسم أخاها.

لكنه كان زوجها و كان صياداً في أيام الأحد و أحياناً في الليالي أيضاً, أما في الأحوال العادية فهو يعمل جزاراً .

ناولها الجريدة و بدا عليه مهموماً لدرجة أنها سألته إذا كان قد ألمّ به شيئاً ما.أحبّ أيضاً عذوبة صوتها ,لأننا عندما نحبّ أحدأ نحبّ كل شيئ فيه.

نعم كان هذذذا كل شيء قال . أحياناً تكون المغلفات كبيرة لايمكن ادخالها من فتحة الرسائل و نضطر حينها إلى طرق الباب .
سُمعَ قدوم أحدهم من على الدرج ربما كان شخصاً فضوليأ او أطفالاً يثرثرون فدخلت إلى بيتها.
اسمي لينا همست من خلال ثقب الباب و لكن لا تأتينا أبداً تلك الرسائل الكبيرة . الساعة الخامسة عادة يكون زوجي في البيت.
كان الصقيع على الأرض و حين خرج سقط على ركبتيه على لكنه كان عاشقاً فلم يحس بالألم.

قبل أن يذهب إلى البيت كان في داخل محل لبيع السيجار في الشارع الذي يقيم فيه و اشترى مغلفاً كبيراً. احمرّت و جنتاه حين اشتراه ، تماماً و كأنه أقدم على عمل مشين و لكي لا يثير الشكوك اشترى أيضاً جريدة مسائية ثم دخل إلى بوابة كبيرة ، مزّقَ الجريدة ووضعها داخل المغلف. و بأياد مرتجفة و و أحرف ملتوية كتب اسم المرسل إليه : يوليوس بروبيرغ و عنوانه.

في المساء جلسا بعد العشاء كالعادة على طاولة غرفة الطعام و قرأت له زوجته بصوت عال من رواية عشق أيام حرب الثلاثون عاماً.

كان موزع البريد يعبركل الجبهات مهما كانت خطرة في سبيل الالتحاق بحبيبته. كانت صبية من أهالي “لوتزن”. استمع بانتباه غير مسبوق للقصة لأنه شعر و كأن الكتاب يتحدث عنه شخصياً.

و تأمل أن يسمع بعض النصائح من موزع البريد ذاك ، لكن ذلك لم يحدث لأن مصلحة البريد كانت مختلفة في تلك الأيام. بعض الفصل الخامس عشر توقفت الزوجة عن القراءة و قالت.

أليس ذلك رومانسياً؟ أخبرني ! انظر كم كان الناس في ذلك الزمان يحملون في صدورهم عواطفاً جياشة!
نعم قال ساعي البريد و هو يفكر في رسالته الضخمة و التي كانت حينها في طريقها إلى مكتب البريد على متن سيارة صفراء كبيرة.

في اليوم التالي كان واقفاً أمام بيت” بروبيرغ “لاهثاً متقطع الأنفاس لأنه ركض طوال الطريق. رنّ جرس الباب و لكن لم يأت أحد لفتحه. رنّ الجرس لمرات عديدة ولم يفتح أحداً الباب . في نهاية الأمر خرج رجل عجوز من الباب المجاور وقف و نظر إليه كان رجلاً هرماً من ذلك النوع الذي يعرف كل كل شيء و يريد للآخرين أيضاً أن يعرفوا ذلك.

لايوجد أحد في البيت قال . المرأة في الخارج فهي لها اشتراك في إحدى الجرائد و زوجها في المسلخ.

و لا ترن على الجرس هكذا بشدة فالبطاريات التي في البناء كافية فقط لثلاث ساعات وإعادة شحنها أمر صعب جداً . فيما مضى كنّا نحصل على البطاريات من ألمانيا و أخي كان لديه شركة في حي “كونكسهولمن”. لمعلوماتك في ذلك الوقت كان شكل “كونكسهولمن” مختلفاً عن الآن و في وقت من

الأوقات كانت هناك عربة لنقل الركاب خرجت عن طريقها و تدحرجت خارج”سيرافيرمن”. و لكن الآن تذهب كل الأحصنة إلى روسية و لا أعلم ماذا سيحدث بعد ذلك. قرأت في الجريدة بأننا الآن سوف نشتري كميات ضخمة من المكسرات لدرجة أننا لن نتمكن من عمل شي طوال حياتنا سوى تكسيرها.

فقط كنت أكسر دائما واحدة بأسناني و لكن ذلك انتهى . لقد حصلت على كل حال على طبيب أسنان طبيباً من النوع الحذق يجبرني على اخراج السعوط من فمي لديّ عنوانه ان شئت.

لا، شكراً أجاب ساعي البريد.
لماذا اذاً تأتي و تطرق الباب و تزعج الناس تابع الرجل المسن اذا كنت لا تريد العنوان؟
لأجل هذا المغلف فقط أجاب الساعي ، إنه لا يدخل في فتحة الرسائل لحجمه الكبير . و لذلك سوف أعيده معي للجولة القادمة.
يمكن ادخاله طبعاً قال العجوز و سحب الظرف من ساعي البريد و دسّه في فتحة الرسائل .
كانت هناك أساليب أخرى في عهدنا لو كنت معنا حينها.
طبعاً قال ساعي البريد و هو يركض خارجاً من هناك .

في الجولة الثانية لم يكن أيضاً أحداً في البيت .أما في الجولة الثالثة فقد كانت لينا في البيت. بدى عليها السرور حين وقع نظرها على ساعي البريد, كانت قد تشوقت لرؤيته و لكنها لم تكن تستطيع ان مصارحته بذلك ، فقط عندما لا نرتاح لشخص ما نستطيع قول ذلك في غيابه.

أريد فقط أن أعرف فيما إذا الرسالة تعرضت للضرر أم لا قال الساعي. لأن رجلاً عجوزاً خرج و سحب مني الرساله و دسّها في فتحة الباب .لكنني قرعت على الباب في الجولة الثانية و الثالثة.

يالسوء الحظ قالت , على فكرة لا أعرف محتوى الرسالة لأنها ليوليوس و يوليوس ليس في البيت بل إنه في ليلة صيد . و لكنني وضعت الرسالة على عداد الغاز و اذا شئت تستطيع الدخول لترى بنفسك إن كان مكانها مناسباً لأنني شخصياً لست معتادة على حفظ الرسائل.

حينها قال الساعي مع الأسف لأنني مستعجل بعض الشيء الآن و في الحقيقة غير مسموح لنا الدخول إلى البيوت أثناء تأدية عملنا .

لكن ، تابع قائلاً أحيانا عندما يكون هناك بريداً هاماً جداً حينها أقوم بجولة رابعة و حينها أيضاً أكون مضطراً للدخول و وضع الرسالة على طاولة المطبخ .

طيب أهلاً بك في الجولة الرابعة إذاً قالت ذلك و هي تغلق الباب.

حين عاد في المساء إلى البيت قال لزوجته بأنه مضطر ان يذهب الى محاضرة تعليمية حول تصنيف الرسائل و أن ذلك سوف يُسهل أمر ترقيته الى مشرفاً على سعاة البريد .

عندها جلست زوجته على ركبتيه و قالت لن تذهب طبعاً و بأن عليه ان يصبح موزعاً للبريد مثل الذي في القصة ، كونهم يتمتعون بعواطف جياشة.

ثم أحضرت الكتاب و بدأت تقرأ فيه. تعرّق و شعر بالحزن و لكن حين انتهت من قراءة الكتاب كان لايزال هناك متسعاً من الوقت للذهاب إلى السينما .و أمام دار السينما ومن بين الجمهور الحاشد أراد أن يختفي من هناك و لكنها بدأت تصيح منادية عليه بصوت عال لدرجة أنه خاف من الفضيحة.

كانت أحداث الفيلم تدور حول قصة حب ممنوع في القرن السابع عشر و زوجته كانت متأثرة جداً بالقصة و في طريق العودة إلى المنزل قالت بأنها تحب قصص المآسي الكبيرة.

عندها فرح ساعي البريد كثيراً و في منتصف الشارع صارحها بكل شي تحدث عن المطر في الصباحات الباكرة و عن الرسائل المبللة و عن تلك التي كانت تنظف الدرج و عن مشاعره نحوها و عن الرسالة الكبيرة و عن زوجها الجزارالذي يغيب للصيد في الليل و أخيراً عن موعدهما للالتقاء على طاولة المطبخ.

عندها أمسكت زوجته بذراعيه بقوة و لم تتركه حتى وصلت به إلى بهو الدار . هناك رفعت قبعتها عن رأسها و قالت:

و تجرؤ على قول ذلك بعد أن شاهدت مأساة كبيرة عن قصة حب عظيم في فيلم ضخم. و لا تستح ! و كيف ستتمكن من إعالة زوجتين و إبن غير شرعي بدخلك الضيئل و كيف تستطيع بعد ذلك من النظر إلى قردة متزوجة و هي تغازل كل ساعي بريد على عتبات كل درج و ماذا سيقول زوجها الجزار؟

في الليل غادر النوم عيون ساعي البريد و لم ينم حتى فهم بأن كل المآسي الكبيرة قد وقعت في الماضي و الآن فقط هناك المآسي الصغيرة جداً هي المتبقية. و لينا أيضاً لم تستطع النوم كانت وحيدة و تبكي. مصباح الليل الخافت كان مضيئاً و كانت تحتفظ بمرآة معها على الوسادة و حين نظرت إلى نفسها في المرآة لم ترى الا العجز و الترهل. لكن الجزار عاد إلى البيت , كان ثملاً , فرحاً و حين فتح الرسالة قال انهم يريدونني أن أشترك في الجريدة المسائية .

لكن إذا جاءني كل مرة جريدة ممزقة كهذه فهل أشترك إذاً؟ لكن لابد أن ذلك من فعل البريد و إذا التقيت مع ساعي البريد ذاك سوف يكون له التوبيخ , سوف يكون له!

ستيغ داغرمان
1923-1954
ترجمها عن السويدية
فرمز حسين

المقال السابقظاهرة التحرش
المقال التالىالله يخرج من البحر
تولد قامشلي سوريا 1959 عمل في سورية معلماً في مرحلة التعليم الابتدائي حتى 1989 هاجر إلى السويد 1990 عمل في السويد في وظائف حكومية مختلفة حتى عام 2006 منذ 2006 أعمال حرة. الأهتمام بالأدب بدات منذ مرحلة الدراسة الاعدادية مع بعض الكتابات في مجال القصة القصيرة. تلتها فترة طويلة من الانقطاع عن الكتا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد