أسئلة العقل في المجتمع العربي المعاصر – ج٢


 
أسئلة العقل في المجتمع العربي المعاصر - ج٢

المشروع الذي يسمح بتشخيص مقومات العقل وحدوده وقدرته على قراءة الواقع وتشخيصه والتعامل مع الأحداث والوقائع الإجتماعية.

هذا المشروع سيسمح لنا بتأسيس عقلانية عربية جديدة تصوغ مفاهيمها وتنظمها وفق شروط الحاضر المنحط وأوليات الصراع الحضاري والعلاقة مع الثقافات والحضارات الأخرى والصراع من أجل مستقبل أفضل. من خلال قراءة واقعية لمعطيات المجتمع العربي وتناقضاته وتكويناته الهوياتية وطريقة إنتاجه السلبية والإيجابية للأفكار والمعتقدات والرؤى المستقبلية لجعلها تتساوق مع الأهداف المتوخاة للمشروع النهضوي العربي الجديد.

حين نصل بالعقل العربي إلى درجة تمكنه من تنظيم هته التساؤلات والإشكاليات ورؤية شاملة للواقع الإجتماعي العربي حينها ندرك جليا أن العقل العربي أثبت نجاعته العملية والعلمية وبرزت قوة آلياته وأدواته.

أكيد أن المسألة ليست بالسهولة بما كان، فهي مشروطة بظروف ومعطيات يجب أن تجتمع دون شروط أو إنتاجات أو أحكام أو خلفيات مسبقة تعرقل عمل العقل بالطريقة العقلانية الصحيحة.

هذا المشروع العقلاني العربي يتطلب ضرورة تمحيص الشروط التاريخية والإجتماعية وتشخيص أيضا اللحظة المعرفية الراهنة التي تشكل نظام العقل.

هذا النظام يجب أن يتبلور داخل فضاء من الحرية الكاملة (ولا أقول المطلقة) ، حرية تسمح بنظام معرفي متكامل يحدد الأولويات والمضامين الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والدينية والأخلاقية من أجل أرضية صالحة لعمل العقل وإعطائه فرصة النبوغ والإنتاج من جديد. إنتاج فكري وثقافي يساعد المجتمع على النهوض مرة أخرى ومسايرة ركب الشعوب الأخرى وتحقيق أهداف الفرد والجماعة.

ولكي لا يضل العقل ثابتا وجامدا ينظر إلى الواقع نظرة حسرة بائسة ويحن للماضي ولا ينظر بتاتا للمستقبل، فهو مطالب بأن يتماشى ويتغير بتغير المعطيات العامة التي تنتجه، حتى يسعه الحكم والفهم وعقلانية الوقائع، وكذا الكشف عن الحقائق واستخلاص نتائج حركة الطبيعة والمجتمع الإنساني والثقافة العامة.

كما أن هذا العقل الذي نعتبره ركيزة النهضة العربية لا يرقى وينمو ويسمو إلا إذا كان يواكبه نقدا بناءا يعيد دون كلل النظر في مقومات هذا العقل، حتى يستطيع تجاوز أخطاءه من الداخل وإنتاج ميكانيزمات لمراجعة مكونات المجتمع الثقافية، السياسية، الإجتماعية والإقتصادية باستمرار لمعرفة حدود وقدرة هذا العقل على الإستمرارية في التحليل والعطاء.

عاش الفكر العربي في القرن الماضي فترات ذهبية مهدت لميلاد مشروع عقلاني نهضوي لكنها أجهضت في كل مرة. فكانت فترة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ورواد هته المرحلة من أخصب مراحل الفكر العربي. أدت إلى إنتاجات أدبية وعلمية وسجالات فكرية بين مختلف تيارات تلك الحقبة. كما شكلت فترة طه حسين ومحمد صادق الرافعي وأخرون مرحلة أخرى من مراحل تشكل العقلانية المعاصرة في الفكر العربي، لكنها لم تستمر طويلا حتى عاد الإنحطاط من جديد ليخيم على الواقع الثقافي العربي.
برزت جماعة المجددون بعد الحرب العالمية الأولى بفترة وجيزة، لكن الإتجاه التحديثي كان قد لاح قبل الحرب، اعتنقت هذه الجماعة نمطا أوروبيا في التفكير استهدف تحرير العقل من الأسلوب التقليدي في النقد ووقفت في وجه جماعة القدماء التي دافعت عن الدين الإسلامي واعتبرته حلا لمشاكل الواقع العربي من كل الجوانب السياسية والخلقية والإجتماعية.

ومن هنا مثلت جدلية تداخل الديني والسياسي محور النسق الفكري المعاصر، في خضم هذا الصراع بين مختلف التيارات المشكلة آنذاك للفكر العربي، تركز الجدل حول إشكالية القديم والمعاصر. هته الإشكالية التي دفعت الكثيرين للمطالبة بتحديث العقل العربي ودهب آخرون إلى التراث لنبش عناصر العقلانية فيه، في حين ترى فئة ثالثة وهي النخبة المهووسة بالأخر ضرورة إتباع العقل الغربي والأخد به.
(يتبع الجزء الثالث والأخير)

لا تعليقات

اترك رد