شيعة الدِّين وشيعة الدولة


 

يختزّل شيعة الدِّين وجودهم في الجزّع على أهل البيت النبوي، يتداعى بعضهم لبعض بالثأر لمظلومية علي وبنوه، يقيمون العزاء حزناً على الحسين وأهل بيته في كربلاء، تنتظم سنينهم بالولادات والوفيات والمناسبات الدينية الخاصة بأهل البيت، الغديرية والشعبانية والأربعينية، ورجب وشعبان ورمضان ومحرم وصفر وذي الحجة وهكذا، وكأن خطوات عمر الشيعي أنامل درويش تتنقل بين خرزات مسبحته، هكذا يتنقل الشيعي من مناسبة دينية متعلقة بآل البيت الى أخرى، حتى تنقضي حياته فتحمل رفاته إلى مقبرة وادي السلام، طلباً لجوار علي في نهاية درامية لقصة الحياة المثالية في الفكر الشيعي الدِّيني.

أن يولد الشيعي في عوالم علي بن أبي طالب، ويدفن على ولايته وفي جواره، فإن هذا غاية الكمال، وليس في التشيع الديني رؤية حياتية للحياة، الحياة في الفكر الديني الشيعي اختبار في الولاء لعلي وبنيه، لذلك لن ينجح الشيعة في تجربة دولة، لأن الدولة الناجحة في الوعي الديني الشيعي حصراً لوريث علي الخارق للطبيعة المهدي الغائب، وكل راية إلى ضلال قبل راية المهدي من آل محمد، والراية كناية عن الحكم.

قوام التشيع الديني الإمامة، والإمامة تعني السلطة الشاملة المتفردة المقدسة العليا، فالإمام يتمتع بالسطات الثلاث منفرداً، تشريعية وتنفيذية وقضائية، ومن أجل تبرير هذه الشمولية المتفردة اعتبروا العصمة شرط الإمامة، وهي مخصوصة في أشخاص بعينهم، موقوفة عليهم، يتوارثونها بالنسب المباشر، لذلك لا يتنافس الشيعة على الإمامة مع أئمتهم، وكل ما يصدر عن الأئمة حق مطلق لا نقاش فيه سواء في الشأن الديني أو الدنيوي.

الطقوس تمثل روح التشيع الديني، زيارة المراقد والقبور والممارسات الفجائعية مثل العزاء والتباكي واللطم وضرب الجسم بالسلاسل والرؤوس بالسيوف، جلد الذات والإدماء المقدس أشد اللحظات الطهورية في الشخصية الشيعية، مجالس الندب والنياحة والتباكي على الحسين وأهل بيته أهم تأكيد على الانتماء للجماعة الشيعية، والتبرع بالمال في الطقوس أعلى مراتب الشرف الشيعي، وهو أقدس أنواع الزكاة، وأكثرها ثواباً.

التشيع الديني حياة كاملة، وليس جانباً مقدساً في حياة الشيعي، لا يوجد في التشيع الديني فراغات يجد الشيعي فيها سعة لحضوره الدنيوي على المستوى الفردي أو المجموعاتي، مثل جماعة الأسرة الشيعية، أو الجماعة الجندرية، أو الشريحة الاجتماعية، وفي التشيع الديني تصنيف لطبقات الجماعة الشيعية، فهم سادة وعوام، والسادة طبقة سامية، يتمتعون بامتيازات لا تجوز للعامي، والعامي هو كل إنسان لا ينتسب عن طريق الأب لعلي بن أبي طالب، وهناك تصنيفات كهنوتية لرجال الدين، هذا حجة، وذاك علامة، وهذا آية الله، وذاك آية عظمى، وآخر مجتهد، وهذا مرجع، وذاك مرجع أعلى، وإلى جوار التصنيف الكهنوتي هذا يوجد تصنيف طقوسي، يمنح رتبة شرفية للخدمة الحسينية، أعلاها من يملك حسينية ويموّل مواكب، وقراء التعازي الحسينية، ثم الشعراء والرواديد الحسينيين، وهكذا.

يحيط هذه المنظومة إطار من القدسية يصعّب مراجعته فضلاً عن نقدها، وتتفرد هذه المنظومة بصورة تكاملية في إحكام سلطتها على التشيع الرسمي، لكن تشيعاً آخر متعايش معها يحيا على هوامشها، ذلك هو تشيع الدولة.

وأقصد بتشيع الدولة هو المجتمع الشيعي الذي يتعاطى الحياة، ويتفاعل معها، ويغنيها إبداعاً، وهو تشيع كادح، طموح، حالم، تشيع الفلاحين، والعمال، والموظفين، والفنانين، والمبدعين، والعلماء الأكاديميين، واسميه تشيع الدولة، لأن أفراده مكوناته الأساسية.

يبقى أن نتعرف على نقاط التماهي والتباين بين التشيّعين، فهما يتماهيان في محبة آل البيت، والاحتفاء بالطقوس، لكنهما يفترقان في التعاطي مع الموروث الديني الفقهي والعقائدي، لأن تشيع الدولة حكاواتي في الغالب، بينما التشيع الديني نظري وفكرّي، يستند إلى التراث.

من الصعب تأسيس دولة بأيدي شيعة الدين، ومن الصعب تأسيس دولة بلا شيعة الدولة للأسباب التي بيّناها أعلاه، وهو ما يعطينا فرصة لتحليل أسباب فشل مشروع الدولة العراقية التي أبعدت شيعة الدولة، وفشل دولة شيعة الدين فيما بعد.

المقال السابقكَشِهابٍ في ضَبابٍ
المقال التالىتكنولوجيا … روج الضفادع
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد