النخيب .. سراييفو الحرب العالمية القادمة


 
النخيب .. سراييفو الحرب العالمية القادمة

في كل الحروب الكبيرة .. والصغيرة أيضا تكون الأسباب و المبررات و الأدوات جاهزة لدى الأطراف التي أعدت مسبقا ما استطاعت من قوة ، لتنفجر الحرب من شرارة توضع قرب مستودع للبنزين فتضيع خلف أعمدة الدخان كثير من الأسباب و الأسماء و المواقف و لا يذكر الناس غير الشرارة و مستودع البنزين و هكذا فباستثناء طلبة و أساتذة التاريخ لا يعرف اليوم كل الناس عن الحرب العالمية الأولى غير أن الشاب الصربي غافرييلو برنتسيب أطلق رصاصتين على الأرشيدوق فرانس فرديناند ولي عهد النمسا في مدينة سراييفو لتندلع الحرب العالمية الأولى ، ولو فتح ملف هذه الحرب التي حصدت أرواح تسعة ملايين إنسان من مختلف الجنسيات لما وجد متهم غيرالطالب الصربي غافرييلو برنتسيب و لا ضحية غير فرانس فرديناند

هل بات العالم على شفا حرب كونية جديدة و هل قدر لمنطقتنا المنكوبة أن تكون ساحة لانطلاق شرارتها وهل سيتذكر العالم بعد مئة عام أسبابها الحقيقية أم سيكتفي بطلقتي برنتسيب و صدر فرديناند ؟

يضع المحاضر في العلاقات الدبلوماسية والتجارة الدولية في جامعة كينتكي روبرت فارلي في مقالة نشرتها مجلة ذي ناشنال انترست الأمريكية خمسة سيناريوهات للحرب الكونية القادمة بحسب مسرح حدوثها ، إحداها تتعلق بما يصطلح عليه بمكافحة الإرهاب حيث أن لدى دول التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب وجهات نظر مختلفة من سوريا التي يرجح الكاتب أن تكون ساحة الصراع الأمر الذي قد يقود الى صراع بين هذه الدول ، لكن التعمق في جيوبوليتيكا المنطقة لا يعزو الأمر لاختلافات في وجهات النظر بين هذه الدول بقدر ما يعزوه لاصطدام مصالحها ، ففي الحقيقة لا توجد حرب ضد الإرهاب بقدر وجود مصالح للدول التي تدعي مكافحة الإرهاب في هذه المنطقة ، تقترب حينا فتأتلف هذه الدول و تفترق حينا آخر فتصطدم . سوريا و العراق بقدر ما كان لعوامل الاتحاد بينهما لو أنهما حظيا بقيادات تحرص على مصالح شعوبها أو على الأقل التقارب انطلاقا من المشتركات العديدة بينهما تهديد لمصالح تلك الدول في المنطقة بقدرماكان لعوامل الفرقة و النفور من دفع لمصالح و أطماع تلك الدول و هذا هو السبب الرئيس الذي حدا بهم لتطوير أفكار التطرف الديني و المذهبي و إدامة زخمه من أجل تفتيت دول المنطقة و جعلها لقمة سائغة و جائزة كبيرة بلا مقابل ، فالإرهاب يستخدم سلاحا صنعته تلك الدول و يسيطر على منابع النفط الذي يسيل له لعاب هذه الدول .

وجهة النظر التي ترشح سوريا لتكون مسرحا لانطلاقة هذه الحرب لها ما يدعمها انطلاقا من المعطيات المتوفرة على الارض و طبيعة القوى المتصارعة و شدة المعارك الدائرة فيها و هي بقعة يكثر الإعلام على اختلاف مشاربه تسليط الضوء عليها على حساب مناطق أخرى قد تبدو هادئة نسبيا ليس من الحكمة تجاهلها . النخيب قرية صغيرة تختبئ خلف ستار الدخان المتصاعد في مناطق القتال في سوريا و ايضا في مناطق أخرى في العراق جعلها موقعها الجغرافي المهم عرضة لصراع من نوع آخر ، بين محافظتي كربلاء و الأنبار تحسبا لتقسيم محتمل على أساس طائفي تسعى الدول (التي تكافح الإرهاب) الترويج له ، السيطرة على هذه المنطقة يعني التحكم الى حد ما بمجرى الصراع بين المملكة العربية السعودية و دول الخليج من جهة و ايران من جهة اخرى اذ لا تبعد النخيب الا سبعين كيلومترا تقريبا عن معبر عرعر الحدودي بين العراق و المملكة العربية السعودية وهي قريبة أيضا من حدود المملكة الأردنية الهاشمية . هذا الموقع حفز ايران لتكثيف نشاطها في النخيب لفرض سيطرتها العسكرية في صراعها مع السعودية و دول الخليج الذي يبرز تارة في اليمن و تارة في سوريا و تارة في العراق و غيرها من المناطق العربية و آخر تطورات الموقف العسكري هناك ما نقلته وسائل الإعلام عن السفير الأمريكي في العراق من أن قاسم سليماني و عددا من خبراء الحرس الثوري الإيراني قد أنشأوا غرفة عمليات جديدة في النخيب لشن هجمات على السعودية و من المعروف أن الميليشيات العراقية التي تتبع سياسات ايران في العراق تتواجد هناك منذ مدة ليست بالقصيرة .

إذا كان للحرب العالمية القادمة أن تنشب من مكان ما في المنطقة العربية فلابد أن تكون أدواتها دول المنطقة التي تنساق وراء أوهامها بالسيطرة و الفوز في نهاية المطاف ناسية او متناسية أنها ليست الا حطبا لهذه الحرب و أن لا منتصر فيها من دول المنطقة مهما أغرته تحالفاته مع أمريكا و الغرب ، و ان برز منتصر منهم فلن ينال في نهاية المطاف غير ركلة من تلك الدول تحشره مع الخاسرين الآخرين .. و إذا كان لا بد من “سراييفو” لهذه الحرب فالنخيب هي من أكثر المناطق المرشحة لتكون شرارة الحرب بسبب موقعها فمتى يعي قادة دول المنطقة خطورة الموقف و متى يعي قادة العراق – اذا كان فيه ثمة من يقود – و يتداركو الأمر قبل فوات الأوان ؟

لا تعليقات

اترك رد