ظمأ الإنسان الأبديّ إلى الحبّ


 

“وَكانَ جَميعُ ٱلَّذينَ يَلمِسونَهُ يُشفَون” (مرقس 56:6)

غالباً ما ينظر الإنسان إلى نِعمِ السّماء كخوارق تزلزل الكيان الإنسانيّ وتبعث فيه الدّهشة وربّما الحيرة. إلّا أنّ هذه النّعم ما هي إلّا فعل الحبّ الخارق. وإذا تماهى الإنسان مع الفكر الإلهيّ، فَهِم أنّ ما يسمّيه خوارق ليس إلّا فيض الحبّ الإلهيّ. وإذا بلغ هذا الفهم توغّل في قلب الله وتعامل معها بكثير من الخشوع والبساطة.

لا تهدف الآية في إنجيل مرقس إلى عرض عجائبيّ، أو تبشير بقوى المسيح الخارقة، أو استفزاز الدّهشة اليهوديّة. خاصّة أنّ اليهود متخمون بالخوارق والعجائب الإلهيّة ويدركون جيّداً أنّ الله قادر على كلّ شيء. لكنّ مرقس يشير بدقّة إلى العطش الإنسانيّ من جهة، ومن جهة أخرى يرسم شكل العلاقة الإلهيّة الإنسانيّة ببساطتها وعمقها. “وحيثما دخل إلى قرى أو مدن أو ضياع، وضعوا المرضى في السّاحات، وطلبوا إليه أن يلمسوا ولو هدب ثوبه. وكان جميع الّذين يلمسونه يشفون.”

العطش الإنسانيّ إلى الله ليس روحيّاً وحسب وإنّما كيانيّ. بالمقابل فالفيض الإلهيّ هو المبادر (وحيثما دخل…). يحضر الإله بحبّه فيتقدّم الإنسان نحوه (وضعوا المرضى في السّاحات…) ثمّ يطلب إليه، ثمّ يلمسه، ثمّ يشفى. هذا التّدرّج العلائقيّ يتمدّد في الوجود كلّه، وهو غير محصور بزمان ومكان، لأنّ الاتّصال الإلهيّ الإنسانيّ يخرج من ناحية الله عن الزّمان والمكان. وفي كلّ وقت، وفي كلّ حين يحضر الله بفيضه العشقيّ. وهو في غزارة مستمرّة، من العسير على الإنسان أن يستوعبها بالكامل، أو أن يدرك عظمة الفعل الإلهيّ. لكنّ الإنسان ظامئ أبداً إلى هذا الحبّ ويبحث عنه حتّى وإن اختلف شكل البحث، أو هدف البحث. في نهاية الأمر الكلّ مجذوب إليه. فأنواره الجاذبة تظلّل الجميع “إنّه يشرق شمسه على الأشرار والصّالحين، ويمطر على الأبرار والظّالمين” (متى 45:5) وإلى هذه النّور يصبو الجميع، مهما كانوا، وإليه غايتهم. إنّه فعل تلقائيّ نتيجة فيض النّور. فأين يهرب الإنسان من نور الله؟ قد يحجب النّور عنه ويلوذ الظّلمة لكنّ النّور حاضر. وكلّ من يلمس هذا النّور يشفى من الظّمأ إلى الحبّ ويطلب المزيد.

إن كان الإنسان يبحث عن شفاء جسديّ فالأمر لا يحتاج إلى خوارق سماويّة في ظلّ التّقدّم العلميّ والأبحاث المستمرّة في سبيل معالجة الأمراض. لكنّ الإنسان يبحث عن شفاء كيانيّ. يبحث عن الوِرْدِ الإلهيّ ليشرب منه الحبّ فلا يعطش أبداً. فالّذي خلقه، أوجده من فيض حبّه ونفخ فيه نسمة حياة. وهذه النّسمة تعصف في الإنسان وتستفز عطشه إلى أصله الّذي في الله. الوجود كلّه مريض حبّ شاء أم أبى، وظامئ إليه أراد أم لم يرد. ومهما عاند وعصى وتمرّد سينجذب حتماً إلى الأنوار الإلهيّة. فحيثما تسرّبت ارتمى الإنسان في أحضانها وتوسّل أن يلمس لهيبها ليُشفى. “ما دام لكم النّور آمنوا بالنّور لتصيروا أبناء النّور” (يوحنّا 36:12)

لا تعليقات

اترك رد