حفلة شواء

 

ضجيج الشمس ينهك عين الوقت .. يدفع الأشجار كي تميل صوب كل الجهات .. تلتمس ظلا تتدارى خلفه .. أشجار بدأت تخضر أطرافها وهي تعلن بذلك عن وجودها .. وأخرى قد أزهرت قبل أن تورق .. وهذه تنبئ الناظر بغرورها وثالثة مازالت عارية .. وتلك تشي ببؤسها ..
البحيرة تمتد صوب المدى .. تحتضن الكثير من النوارس والبط و أشرعة المراكب الصغيرة .. حتى ليخيل للناظر أنه يشهد عرض لبحيرة البجع ، الكل يرقص فيه ..
ومياه تحت الشمس تتماوج ، وكأنها قطع ماسية مجهدة على صدر راقصة فلامنكو إسبانية لاتجيد غير الرقص .. ولايكف من حولها عن العبث بها ..
على الشط واليابسة وجوه ملونة ومستبشرة ، وأجساد تفترش بساط سندسي أخضر يمتد بلا حدود .. يفوح منها مختلف أنواع العطور الفرنسية الآخاذة الجمال ..عطور اختلطت برائحة شواء اللحوم التي ملئت الفضاء حولنا ..
إنها حفلة شواء في ربوع الريف الفرنسي ..
لحظة واحدة أمام البحيرة .. كانت كفيلة بأن تضعني على متن إحدى تلك السفن الشراعية وتعود بي عشرات السنين للوراء .. إلى ربوع الوطن ، إلى أرض الرقة البهية السمراء .. إلى رائحة الحنطة وهي تتهيأ اليوم للحصاد .. إلى ضفائر الصبايا وإلى الضحكات .. إلى مواعيد الحب التي كانت تتم في زمننا على استحياء .. إلى نبع عين العروس .. إلى عين الرقة المكتحلة بالجمال ، تلك العين التي كانت كلما أغمضت جفنيها وأعادت فتحهما .. سبت بغمزتها هذه قلوب العشاق ، فيتهافتون عليها ، يخطبون ودها ، يلقون بذاتهم في عمقها ، يتسابقون في تقديم المهور لها بأرواحهم ، فتزداد هي دلالا عليهم ..
ولسان حالها يقول : مثلي عروس لم يخلق لها مهر بعد ..
إلى العين التي ألهمت كاتبة كبيرة مثل ( أجاثا كريستي ) فأغرتها .. لتقرر أن تقضي شهر عسلها مع زوجها المنقب الأثري السير مالون في ربوعها وبالقرب من موسيقى مياهها وغاباتها الجميلة وقد ورد ذكرها في إحدى رواياتها كما ورد في ( معجم البلدان للمؤرخ ياقوت الحموي ).. عادت روحي إلى نبع المياه الكبير الصافي الشفاف .. إلى منبع نهر البليخ .. إلى العين الكبيرة المستديرة التي تحيط بها الورود من كل الجهات وتطفو على سطحها ورود زهرية اللون وصفراء كأزهار اللوتس تماما .. تلك المياه النقية الصافية الشفافة .. التي تسبي القلوب بجمالها فتتغنى بها .. والتي تستطيع أن ترى أرض العين فيها عن بعد وهي تتدفق بالمياه وتمتلئ أرضيتها بصغار الحلزونات مختلف اللون وكميات الحصى الكثيرة الملونة والمتنوعة الأحجام .. كانت عالم من السحر والجمال .. لوحة انتزعها الخالق من الجنة ليزين بها الأرض .. يفتتح الناس الربيع عادة بزيارتها ولاتتوقف فيها الحركة أبدا على مدار الربيع والصيف .. تمتد البساتين بجوراها على طول النهر عالم من الأخضر ، عليك أن تسأل ذاتك وأنت تسير عليه :
أين التراب وأين الطين ؟
وكيف امتد كل هذا العشب ؟
عالم لايكدره سوى ألوان الورد وعطره الممتزج برائحة الشواء ..
نعم ..
هي رائحة حفلات الشواء تلك ، التي كان الناس يستمتعون بها ، ويتلذذون بطعمها .. ويتفننون بصنعها ، لحوم وأسماك .. دجاج وبطاطا وحتى حبات الكمأة .. هي حفلات الشواء تلك وحدها التي مازالت مستمرة ،
حتى يومنا هذا ..
رغم أن مياه العين قد جفت لأكثر من ٢٠ عاما ، نتيجة الهدر وسوء الإستخدام .. لتعود من جديد وتتدفق ، كي يُستكمل على ضفافها .. حفلات الشواء ،
شواء الإنسان السوري .. حفلات امتدت من عين عروس الرقة إلى حيث الجولان ودرعا .. على امتداد الأرض السورية يحتفل الطباخون بشواءنا بكافة أنواع التوابل والمنكهات الشرقية والغربية ونتلذذ نحن المتذوقين من السوريين ، بطعم لحوم بعضنا البعض .. وندلي بآرائنا بالإنحياز لبعض النكهات دون غيرها ..
أتعلمون ؟
تلك الدمعة السخية التي انحدرت على خد قلبي .. مسحتها أيدي الصبايا والشباب ممن كانوا برفقتي حين اشتبكت يدي بأيديهم وعقدنا الدبكة السورية على أنغام أغنية من فلكور الرقة صدحت بصوت عالٍ على شاطئ تلك البحيرة .. ولفتت أنظار الجميع إلينا ، رمقونا بإعجاب من المتنزهين فرنسيين وغير فرنسيين ..
قد نكون سكنّا المنافي ، لكن الوطن سيبقى نبتة ياسمين وصفصاف في قلوبنا ، سنغرسها في كل أرض نحط رحالنا فيها .. وستكبر يوما وستمتد عرائش تعيدنا لحضن الوطن ..

لا تعليقات

اترك رد