إشكالية مجالس المحافظات

 

من الحقائق التي أصبحت ثابتة في قناعات المواطن العراقي منذ ما بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 إلى يومنا هذا إننا لا يمكن أن نتجنب استمرار الأزمات التي تتعاقب دائما وهي لغير صالح المواطن وناتجة عن خلافات السياسيين المشتركين في الحكم القسم منها مدبر يبدو عفوي وهو في علم الله واللجنة التحقيقية لكنه مؤلم كما حصل في حادثة عبارة الموصل فاستثمره أصحاب السياسة للإيقاع ببعضهم وخلقوا منه ساحة للصراع والتنابز والقفز على آلام الناس الأبرياء الذين ذهبوا ضحيته رغم انه موضوع عادي ليس بالنسبة للضحايا فهم محل أسف واحترام وتقدير لأرواحهم ودمائهم البريئة لكنه كحادث لا يختلف عن غيره من الحوادث التي ذهبت فيها العشرات أو ربما المئات ولا نستهونه أو نقلل من شانه أو شأن ضحاياه ولكننا نستعيب أن تكون المتاجرة به بهذه الطريقة وستذهب نتيجة التحقيق به كما ذهبت نتائج التحقيق في موضوع جسر الأئمة أو في التفجيرات التي غطت كل أيام الأسبوع وكما ذهبت ضحايا مجزرة سبايكر والأكثر أهمية من هذا وذاك لا احد اهتم بنتائج التحقيق في هروب عشرات المئات من سجن أبو غريب أو حتى التحقيق في دخول الأوباش المجرمين الدواعش وتدنيسهم لثلث مساحة العراق وغيرها التي صارت تختلط على المتتبع ولم نسمع يوما بنتائج إحداها ولا الإجراءات التي اتخذت بحق فاعليها.

أما الأزمات المفتعلة فهي كثيرة مثلا في هذه الفترة أزمة تشكيل الحكومة العراقية فها نحن نقف على أعتاب العام الجديد ونهاية عام على إجراء الانتخابات ولم يكتمل تشكيل الحكومة فلازالت أهم الوزارات شاغرة وهذه ظاهرة غريبة في تاريخ الحكومات في المجتمعات الديمقراطية فلا نستطيع أن نعتبر أنفسنا نسير على الخطى الديمقراطية فنسلك طرقها المعروفة ولا نحن نتبع نظام حكم دكتاتوري فتشكل الحكومة وفق مزاج دكتاتورها فالجهة التي تتحكم في إكمال نصاب الحكومة تمارس في أسلوبها هذا دكتاتورية الجماعة الأقلية بالتأكيد لأنها تفرض رأيها على الأغلبية التي تمثل المجموع وان تفرقوا في كتل فلا هي أنظمت إليها وتوحدت الأصوات البرلمانية لتتفق معها على أشخاص بذاتهم ولا هي تمتلك القدرة في تعيين ممثل منها كوزير والشعب يبقى تحت تأثير نتائج هذا الصراع على أهم الوزارات السيادية.

وإذا كنا نعاني من أزمة الحكومة وتشكيلها وأزمة الموصل لم تنتهي بعد لاحت في الأفق أزمة جديدة بدأ الحديث عنها بصوت مرتفع فكانت أزمة إقالة محافظها ثم الحديث عن إقالة مجلس محافظة نينوى وسبب في ظهورها إلى السطح هي طبيعة وجود باقي مجالس المحافظات التي انتهت مدتها الدستورية ودخلت في الوقت الإضافي فالدستور لم يحدد إمكانية تمديد فترة بقائها من عدمه ولم يلتفت إلى هذه النقطة بشكل واضح وهل سيشكل إنهاء عملها فراغ تشريعيا في المحافظات على اعتبار أهمية دورها الرقابي لإدارة المحافظات ولا زالت الأصوات تحت قبة البرلمان بين من يطالب بإلغاء وجودها لأنها تمثل حلقة إضافية لا تتناسب مع ما ينتج عن وجودها من مشاكل ونفقات مالية وبين معارض لهذه الفكرة لما أناط بها الدستور من مهام.

لا بد لنا أن نشير إن طريقة انتحاب مجالس المحافظات لا تختلف عن طريقة انتخاب مجلس النواب وتقسيم عملها كلجان تقريبا متشابه لكنها لا تشرع القوانين بل تساهم في مراقبة عمل دوائر الدولة في المحافظة كما تراقب مجالس ألأقضية والنواحي وتنتخب من بين أعضائها المحافظ كما تختار مدراء الدوائر وطبعا يختلف عدد أعضائها ويزداد كلما زاد عدد سكان المحافظة وهي الأخرى تخضع للتقسيم الحزبي والكتلة الأكبر مع العلم لا يوجد تعداد دقيق لسكان العراق إلا من خلال ما يسوق من خلال بطاقة المواد التموينية وما يشوبها من عمليات خرق وسرقة بأسماء وهمية.

بمعادلة حسابية بسيطة لو اعتبرنا إن في كل محافظة كمعدل خمسة عشر عضو في مجلسها وان في العراق ثمانية عشر محافظة فإننا نحتاج إلى (270) مائتان وسبعون عضو مجلس محافظة ضرب معدل راتبه مع حمايته ومخصصاته خمسة ملايين دينار شهريا سيكلفون الدولة (1350) مليار وثلاثمائة وخمسون مليون دينار شهريا ضرب عدد أشهر السنة يساوي (16,200) ستة عشر ومائتي مليون دينار سنويا في اقل تقدير على إننا يجب أن نضع في حساباتنا إن أعضاء مجلس محافظة بغداد وحدها (56) ست وخمسون عضو وتستطيع أن تلاحظ ما يمكن أن ينجز من مشاريع من خلال استثمار هذا المبلغ بشكل صحيح.

مجالس المحافظات في وضع كالوضع العراقي أصبحت حلقة إضافية في سلسلة البطالة المقنعة وتشكل عبئا إضافيا على كاهل المواطن من خلال الإنفاق عليها واستنزاف وإرهاق لميزانية الدولة وهي حلقة إضافية للصراعات بين الأحزاب والكتل السياسية وقياداتها في بغداد وهي امتداد لصراعاتها في مجلس النواب وإذا كان انتخاب المحافظ على أسس وطنية صحيحة وإعداده الإعداد المناسب حتى لو كان الأمر يتطلب إدخاله إلى دورة تأهيلية فيمكن الاستغناء عن هذه المجالس ببساطة ويمكن الاستعاضة عنهم بخبرات أساتذة جامعيين يتطوعون مجانا أو بأجور رمزية لتقديم النصيحة والمشورة والمراقبة في مختلف المجالات وتقديم الخدمات الفكرية والعملية والبلدية وإمكانية تمثيل الأحزاب والكتل السياسية في مجالس لأعمار المحافظات أو شيء من هذا القبيل دون مقابل على أن يتم اختيار لجان النزاهة بدقة وأمانة وتفعيل دورها الحسابي والرقابي كما يتم تعديل دور المدعي العام ومنحه صلاحيات اكبر لتجنب ما يحصل من عمليات بيع وشراء المناصب في الدوائر الحكومية في المحافظات.

لا تعليقات

اترك رد