الحراك الجزائري السلمية التاريخية ووعي الهوية

 

يستفيق الوعي الوطني كلّما تملّك الحنين رؤيا الشعوب للتاريخ الذي كان فيه صوت الأمل وصناعة الموقف يتصدّران الرّوح الجماعية في راهنها المتعدّد عبر فترات صحو الرّؤية للأشياء، والمسارات نحو التحقّق الفاضل لإنسانية الإنسان، ولهذا لا يكتمل معنى المسار سوى بوجود مادّي أو تحقّق كياني للوعي، على اعتبار أنّ الوعي هو وعي بشيء ما بتعبير هوسرل، ويتمثل هذا الوجود المادّي في الشارع الذي يتحرّك من أجل أن يكون واحدا من الرّموز الوجودية في حياة الإنسان المندفق من أعالي الوعي بتاريخه وروحه المعجونة بنضالات مريرة من أجل أن يكون الحراك منطلقا لوعي أكيد بالذات وانشغالاتها المتعلقة أساسا بالحرّية، حرّية المصير والقرار والوجهة والاختيار واستعادة الهوية المسلوبة.

لا يستهين التاريخ بالمُهمَل في حركته وهو يستعيد فوراته النّاجزة في الكمالات الممكنة للتحقّق الفعلي داخل أمكنة الواقع، ولهذا لا يمكن للوعي الوطني أن يشكل منجزاته الفاعلة خارج أطر الوطنية المترعة ببسمة “العربي بن مهيدي” التاريخية التي أفزعت الاستعمار وهو يحاول أن يكبّل اللحظة التاريخية للجزائري، ويحشره داخل أقبية التابعية المنفصلة عن كينونة التّجاوز الضّاحكة خارج خراب الاستدمار الذي رهن اللحظة الوطنية بكافّة أشكالالتكبيل، والغرق في الفراغ الاستعماري المشوب بأضحوكة الأمم التي تمتلك التاريخ والقادمة لكي تحرّر الأمم القابعة خارج منطق التاريخ.

لقد كانت الرّؤية للشّارع نابعة من منطلق الحرّية التي لا تجيز لأيّ كان أن يتكلّم باسمها إلا إذا كانت منتصرة تتحرّك في مسار الممارسة، ولذلك لا يشعر الإنسان بأنّه حرّ متحرّر إلا إذا مارس حرّيته، ومن هنا كانت العودة مبرّرة للشعوب في حالة أزماتها إلى رموزها كي تنطلق شرارة الوعي من شيء تَكرَّس التّمرين عليه من خلال الفرح الخيالي الكامن في العثور على معنى للوجود، أو الشعور الوجودي بالكينونة والتسامي، وهو ما تستمر به البسمة الخالدة على وجه الشهيد العربي بن مهيدي، ومنه فحراك الشارع الجزائري ليس أكثر من تلك الاستعادة الباهرة للغياب البشوش في رونق الحضور “المهيدي”، ولهذا هو متشبّث بسلميته التي لا تعتني سوى بيد تمتدّ بالزّهور لرجل الأمن وأخرى توزّع الماء على عطش مشترك لممارسة الحق في الكينونة والحرّية.

لم يكن التاريخ في يوم ما فوق الإرادة الإنسانية، لأنّه لا يملك أن يكون كذلك، فأهميّته تكمن في حفاظه السّحري على أدراج الذاكرة، ويكمن شرفه الوجودي في كون الإرادة الإنسانية هي صانعته، ومن هنا ندرك سرّ الابتهاج الوطني بالخروج إلى الشّارع مع التأكيد العميق والجوهري على معنى السّلمية، لأنّ التوهّج “المهيدي” كامن في تلافيف الدّماغ الوطني منذ ترسيمه الثوري للشّحنة العاطفية في كمالات الشّارع الواردة حتما في نضالات الشعب، “ارموا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب”.

ليس هناك معنى لحركة الإنسان خارج خطابات التاريخ، وفعالياته الثابتة في الوعي، “فالأشياء المقدّسة تفقد قداستها بتحريكها من أمكنتها ولو على مستوى الفكر” كما يرى لفي شتراوس، ففعالية الشّارع السّلمي لا تعدو كونها حلقة من حلقات التواصل التاريخي مع اللحظة المنتصرة في الوعي الجماهيري بقدسية البدء في الوعي بالكينونة والتاريخ والوطن، ولهذا لا يوجد معنى أو اتجاه خارج الشعب، le sens de l’histoire et dans le peuple » « “المعنى في التاريخ كامن في الشعب” كما قال الرّاحل محمد بوضياف، ولا معنى لكل هذا إذا تجاوز الوعي الوطن، لأنّ الخيار في النّهاية هو لصالح الوطن، كما تكلم ذات حين الرّاحل سليمان عميرات حين اختار الوطن عن الديمقراطية.

تتوهّج اللحظة الوطنية الحاضرة بين انقذافات تتعدّد لتكشف عن مسارات الاختلاف الحاضنة سواء لوعي التمديد أو المنتصرة لوعي التبعيد أو الفاعلة في خفايا وعي التبديد، لكن، يبدو أنّ وعي السّلمية والحراك المنتصر لمشيئة التاريخ، أفسد مسارات الانشطار وركّز على الانتصار خارج توازنات الانكسار الخادعة دون إهمال الوعي بوعورة الاستبصار في حالة الشّارع أو الحراك مهما كانت استقامته على مسار السّلمية، فالوطن أكبر من شعارات لا تلزم سوى مراحلها التاريخية، لأنّ الوطن شعار مستمر في الوعي، أو لعلّه الشّعار الوحيد الحائز على البراءة التاريخية المنجَزَة خلودا في أوعية الجسد الحاملة لجينات الانتماء للأرض والتراب وشساعة الفضاء، فالوطن والجسم استمراراتمستحيلة في فهوم البيولوجيا والانطولوجيا، الوطن والجسد لا ينقسمان ولا يتفكّكان، لأنّ الاحتضان التاريخي نشأ في البسمة التاريخية في حضن الوطن ونقاء الجسد العابر في الشهادة.

العودة إلى الرّمز، هي سرّ الإبقاء على المسافات العاقلة بين الدوائر الفاعلة في حراك الوطن في راهنه المشتبك مع وعي التضارب بين الثابت والمتغيّر، بين المسار والمدار، بين الحشود التواقة لإسماع صوتها والحشود الناجزة في الوعي كإعاقات.. العودة إلى الرّمز، إلى لحظة الاستقلال الوطني المحجوزة في وعي الاختطاف، تلك اللحظة الباهرة التي استطاعت ترميم فجوة الخلاف عن طريق الوحدة التاريخية تحت ظل الجبهة التاريخية، لكي يستمر نبض التعدّد في ما بعد لحظة الوحدة الوطنية المتوّجة برونق استقلال القرار والجغرافيا الوطنيين. العودة إلى الرّمز هي صمّام الأمان التاريخي والوطني لكي تلتزم أطراف الإشراف على اللحظة الوطنية المأزومة بكافة مسؤولياتها التاريخية في المساعدة على تحرير الوعي من ربقة التآكل التاريخي لأجهزة الدولة الوطنية التي ساسها الفعل الدراماتيكي لإشكالية الأحادية. العودة إلى الرّمز هي عودة الثقافة الوطنية إلى حضن تعدّديتها الكامنة في العطاء التاريخي للعقل المتحرّر من انزواء التاريخ في ركن التوغل الذاتوي، الذي لا يرى سوى ذاته في مرآة الذّوات المتعدّدة، ولهذا اعتُبر الاستقلال الوطني مصادرا كما رآه الراحلعباس فرحات.

الانفصال عن التاريخ يحمل مخاطر الوأد لمسار الحراك الاجتماعي والشعبي داخل الوطن، ولهذا لا يمكن أن تفكر السلطة في عزل نفسها عن الشارع في حركته نحو ذاته ونحو الأفق الواسع لنَفَس الحرّية الحالم إلا إذا تبيّنت الانفصال بين حركة الشارع والتاريخ، ولهذا نسمع النداء المتتالي لعدم التفريط في السلمية، لأنّها بطبيعتها تاريخية، وغير مرتبطة بمنصب أو مكسب، ارتباطها الوحيد بجمال الوطن، لطالما تساءلنا عن الطريقة التي نحبّ بهاالوطن، وفي فترات كثيرة تشابه على الوعي حب الوطن نتيجة للفظائع التي ارتكبت باسم الوطن في حق المواطن، فتحوّلت المواطنة إلى نغمة نشاز في سمفونية السلطة، فوقع الانفصال الرّهيب بين المواطن والوطن، لكن وعي السّلمية كان كاستفاقة جينية داخل خلية مهملة في بنية جسد هدّه السرطان، استفاقة استجابت معها الخلية المهملة لفعالية المصل، فبدت الحياة كأنّها وجه أنثوي جميل يطلّ من نافذة بعيدة لا يتحقّق الوصول إليها سوى بفعل سلام الذّات الذي يرتّب الخطى ويسدّد الاتجاه نحو الوجه الأنقى في بنية الوطن.

لا تعليقات

اترك رد