سمر دريعي بتجلياتها البصرية تعيد بناء تجربة داخل تجربة


 

يكفي أن نعرف أن سمر دريعي (1977) هي إبنة الفنان الأشهر عبدالرحمن دريعي أمير الناي و أحد أهم رواد التأسيس للفن التشكيلي في الجزيرة السورية ، حتى ندرك أن غصنها الباسق لم ينبت من فراغ ، فهي التي رضعت الفن من بيت يضج باللون و العزف ، و كان لا بد لهكذا جو أن يؤثر فيها و في توجهاتها و على نحو أخص حين أحست أن دمها ليس أحمراً ، بل يحمل من كل الألوان ، و أن الطريق الذي سيرسم لها ستكون من هذا الينبوع العذب ، فكان لا بد أيضاً أن يكون لتدفقها طعماً آخر تشكل فيما بعد مسارها الذي ستلخص مجمل حياتها و تطلعاتها و طموحاتها .

سمر دريعي إبنة عامودا و بساطتها ، إبنة شرمولا و وجعها ، إبنة اللحظة الحساسة و بياضها ، تلك اللحظة التي ستقودها نحو عالم الإبداع و تراكماته ، العالم الذي سيجعل إرتباطها بالحياة ليست حركة في فراغ ، بل إستغراق في المرئي و اللامرئي مما يجعل تجلياتها البصرية تبدو و كأنها تعيد بناء تجربة داخل تجربة ، تجربة مرتبطة بإدراكاتها الفنية إلى حد كبير ، و تجربة قائمة على سن عناصر مميزة و فاعلة في برمجة نمط من الإشتغال الذي يقوم على خلق المشهد البصري وفق وقائعها الخاصة و وفق حصيلة من المثيرات البصرية ذي سمات قد تجعل كياناتها الجمالية وجود بذاته ، حتى أنك تشعر أن الكون يسكن داخلها

فالمخزون الجمالي عندها هو إمتداد لزوايا الذاكرة و ما تحمله من إنتماء للمكان حيث الحضارة المادية تجعلها في نقاء مع الذات ، و تجعل عيونها القلقة تتقن لغة الموسيقا و اللون ، لغة القطعة الموسيقية و الصورة البصرية ، لغة ستضعها أمام إكتشاف نفسها و سر تمازج دوائرها بالنسيج الشرقي و بتلك النبضات الملحمية من الرؤية الإنسانية ، فكل شيء عندها يرقد بهدوء و يحكي حضورها المستمد من خطوطها و ألوانها و لمساتها ، من فضاءاتها المبهرة ، و المدهشة بتفاصيلها المواكبة لتأملها عمقاً لوجوهها المتعبة جداً ،

فمجمل ما رسمته دريعي من تلك الوجوه ترتدي القدر بكل قساوته ، ترتدي سريراً من موت محتقن و لو إلى حين ، قد تكون دعوة لرفض الظلم و القلق و الخوف ، فالتمرد هنا طاغ و الخطوة القادمة مساحة للخروج من مجرة الفراغ نحو مجرة الحركة ، فممارسة اللعبة الفنية هي مواجهة مع الذات أولاً و مع الجمال أينما وجد ثانياً ، و ما المقولات الخصبة بالزغاريد الضوئية و بالقيم الجمالية إلا مجاراة لتلك الصرخات في تحولاتها الموجعة

فبالمقارنة بين أهمية ما تبدعه دريعي من تكوينات تعبيرية تجريدية ممزوجة بالحلم و الوجع و على نحو أخص تلك الأعمال اللاهثة في إتجاهاتها و صداها و القادرة في تقديم نفسها و تعريفها ضمن إشارات مميزة تؤكد حميمية اللحظات التي تلد فيها اللوحة ، و بين موضوعاتها كمسألة غير معقدة ، و ليس أمامها سوى ملاحقة ما ترغب اللوحة أن تقولها ذاتياً دون تدخلاتها ، نجد أن دريعي تحمل قدرات إستثنائية في توضيح مشروعها مع حتمية السير فيه نحو الإنجاز و إن ضمن وجهة نظر قابلة للجدل الطويل ، تسير فيه بلغة لا تعبث بجذور الروح ، بل تسقيه من طيور أحلامها و من بقايا مزامير والدها الذي يجري في نسغها كندى على أوراق التوت في صباحاتها و تحترم زحام الوصول ، مما يدفعها نحو عدم المراهنة بزمن الضوء الهارب بإنحناءة خجولة نحو أشرعة الغياب كشرط للإمساك بالحالة و وساائطها ، بل تدعه يتسلل إلى مفاصل وجوهها بكل لحظاتها ، بل بكل عناصرها الدائرة في فلكها

و بكل أمواجها الهائجة منها و الهادئة ، و القادرة على بث إنفعالاتها بالشكل الذي يصور تعاملها مع الحيز الجمالي دون أي تغيير في دلالاتها ، فحساسيتها كتعبير تشكيلي هو نتاج مولدات مرتبطة باللون داخل سياق ثقافي مرتبط بدوره بالممكن من خطابها المتحول لا الثابت وفق نمط من الوجود فيه ينظم الآثار المعنوية دفعة واحدة رغم الصعوبات في إستيعاب وحداتها و إن كانت ضمن أنساق هي الدعامة الأهم في إنتاج الصيغ التعبيرية لديها .

فدريعي و دون أن تسقط فرضيات شيئية من البعد الإيحائي للعوالم الجمالية الذي قد تساهم في إغناء تغيير أو ترسيخ لسلسلة إنزياحاتها في ملفوظاتها المنجزة ، ترصد مشاهدها البصرية بتحديد وقائعها لإدراجها كوحدات تعبيرية و كمحفزات للذاكرة البعيدة بإمكانها أن تحقق عمليات لا مرئيّة تقودها نحو التمايز .

دريعي في عام 2012 أختيرت كواحدة من 30 فناناً من بين 400 فناناً لعرض أعمالهم في جميع متاحف رومانيا ، و هذا يسجل لها و لنا أيضاً ، رغم عدم غرابة ذلك ، فهي غصن من شجرة عبدالرحمن دريعي ، بل ثمرة من ثمراته و إمتداداً لنايه و ريشته ، و لهذا كانت موفقة إلى حد كبير في خطواتها و بالتالي في إختياراتها التي ستحدد فيما بعد طبيعة إنجازاتها من خلال المحور الدلالي الذي تشتغل عليه ، المحور الذي سيكون المادة الأهم لحصيلة حيزها في التحققات الممكنة ، و الذي سيفعل ( بضم الياء و تشديد العين ) تلك الوقائع التي تخترقه دريعي بجرأتها غير المحدودة ،

فهي تعد بحق من الفنانات التشكيليات القلائل اللواتي إشتغلن على الجسد بطريقة تنظم قيمه الدلالية ، و تحدد مقولتها الحاملة لرؤيتها و هي تتدافع في الكثير من أعمالها لتعلن عن نفسها ككيان يستحق أن يكون الحياة و نبضها ، فهي و بصيغ تعبيرية تخرج التفاصيل المحسوسة البالغة الغنى و الأهمية من معطيات فيها تتنوع الممارسة الإنسانية لآليات تكشف خبايا الظاهر و الباطن معاً دون أية زحزحة في البعد الإجتماعي أو الأخلاقي ، إنطلاقاً من جملة مسارات تأويلية عليها تفرش هلوساتها الإنفعالية ، فالجسد الذي يعد بحق كما قيل خزان للدلالات ، فدريعي خير من تحمل مفاتيح هذا الخزان لتنثر محتوياته على أعمالها بألوان أقرب إلى رومانسية مبطنة ( موف مثلاً ) .

وأخيراً نتساءل معها ، مع دريعي هل ” مازالت تبحث عن روح لذلك الجسد الصامت الذي أوجدته ريشتها ” حسب تعبيرها ، نتركها في بحثها لنقترب لاحقاً من أعمالها و نحن نبحث عن تلك الروح .

لا تعليقات

اترك رد