الفنون التشكيلية ج9

 

نتائج وخلاصة البحث:
بعد مخاض من البحث عبر مراحله المتعددة منذ القدم الذي تزامن مع الحياة البشرية، وفي أماكن متعدة من المساحات الأرضية تتغير مفاهيم التبدلات في الرؤى وصياغة مفردات التشكيل تبعاً الى المفاهيم المتعددة منها العاطفية والوجدانية التي تستجيب الى جماليات مصادرها الطبيعية الجمالية (الأستطيقيا) وتحويل مفرداتها الى بناءات تتوافق مع الرؤى الوجدانية، ومنها عوامل مرتبطة بحاجة الأنسان الى استخدام وسائل للدفاع عن نفسه من الكائنات المختلفة البشرية والحيوانية. فاقترنت تلك الوسائل مع تصميم وتحسين صياغتها الشكلية، ومنها مرتبط بالوسائل الصناعية من المواد المجسدة بأبعادها المدورة أو الثلاثية الأبعاد، اما المضامين الفكرية التي خلقت حالة المتغيرات في الأساليب فأنها مرتبطة بالأحداث أولاً وخاصة في المدارس الحديثة منها الدادائية أو الوحشية، ابان الحرب العالمية، ومنها مرتبط بالعقائد.. أديان، أفكار، ايدلوجيات، والعادات والتقاليد الفلكلورية، وكذلك مع الميثلوجيا (الأساطير) على سبيل المثال (شهريار وشهرزاد) وتمثال (كهرمانة) والأمر المهم تتجسد صياغة تلك التبدلات والمتغيرات بعامل الأتجاه الذاتي للفنان ذاته، كما أشرنا لذلك عندما قام “كاندنسكي” بتغيير أسلوبه من الواقعية الى التجريدية..عندما دخل الى غرفته وشاهد لوحة أعجبته مختلفة عن أسلوبه الذي أوصله الى مرحلة الملل والأكتفاء الذاتي، العمل اعتقد ليس له، ولكن اتضح بأن احدى أعماله كانت مقلوبة بالعكس، عند ذلك خرج من منحى نقل المصادر كما هي مشخصة.. وتحويلها الى أعمال تسودها المرموزات والحرية في حركة اليد.. لقد كانت مجالات الفنون متمازجة ومتلاحمة ومترابطة ببعضها حتى تم تمييزها في القرن السادس عشر الميلادي في فلورنسا بإيطاليا، حيث تم تمييز الرسم والتصوير بالألوان والنحت وغيرها، وإبعادها عن الحرف اليدوية والصناعات مثل صناعة الأواني والأثاث والتطريز وغيرها. وقد حدث هذا التمييز بعد أن أخذ مفهوم الفن عند الأوروبيين يتبدل ليصبح مفهوماً متأصلاً فكرياً. بمعنى أنه قد صارت له من النظريات العلمية والأدبيات المتداولة بين الفنانين ما يميز بين ما هو حرفي ويدوي وبين الفن الذي صار مجالاً ثانياً مختلفاً يعتمد فيه في إنتاجه على الفكر والجهد الذهني. فأصبح الفن بمثابة العلم البحثي أي انه اصبح نوعاً من العلم قائم على دراسة مبادئ تصاميم الظاهر الطبيعي أو المرئي المحسوس للأشياء..نتيجة للدراسات العميقة والنظريات الراقية التي خلفها فنانو عصر النهضة الأوروبية مثل ليوناردو دافنشي ورفائيل ومايكل أنجلو. مما سبق نستخلص أن الفن التشكيلي بكافة فروعه وباجتماع عناصره هو الاسم الجامع لما يمارسه الإنسان من تجميع للعناصر والخامات التي يعبر بها عن فكره وعن رسائله الموجهة وعن رؤاه مستخدماً في ذلك الأدوات التي تمكنه من توصيل ما أراده من خلالها ضمن إطار جمالي. وهذا العمل في المقام الأول نابع من عواطفه ومشاعره الإنسانية وردود الفعل الناتجة من باطن تفكيره..معتمداً في نفس الوقت على منهج البحث العلمي والرؤية الفكرية المدروسة بشكل موازٍ لهذا التعبير. ويبقى الفن التشكيلي محتفظاً بأهميته التاريخية والفكرية النابعة من استمراريته وغزارته وقدرته دائماً على تزويد الحضارات الإنسانية المختلفة بالطاقة اللازمة لإنشائها وصناعتها وتطويرها. ومن خلال متابعتنا الى بقية الأمم فأن هنالك شعوب لم تتغير أنماط اساليبها التشكيلية المرتبطة بالتراث ومنها الصين التي توظف وحداتها الزخرفية والمنمنمات والوجوه والأجساد في علب سيراميكية وزجاجية متعددة، بينما في الدول الغربية حصل لديها تبدلات عنيفة وكبيرة وصلت الى مرحلة مابعد الحداثة، ولازالت هنالك مساحة وأفق واسع من المتغيرات وصل بعضها الى البساطة جداً.. بحيث يرسم عمل مؤطر أبيض اللون فقط.. وهنالك أعمال لونين فقط فضاء وأرضية، وهنالك عمل لفنان فرنسي “بول غوغان” وصل سعرها الى أكثر من 300 مليون دولار بسبب عوامل مثيرة في حياتهم كالأنتحار، مثلما حصل لفان كوخ وغيرهم، أما بالنسبة الى الفنون العربية ومنها العراقية، فأنها خضعت الى حركة المدارس الأوربية بسبب جمود الرسم والنحت خصوصاً بعد مضي سنوات مغادرة حضارة وادي الرافدين أبان السومريين والآشوريين والبابليين، وتتلمذهم على يد فنانون بولونيون عند دخلولهم الى العراق أبان الحرب العالمية، وكذلك دراسة رواد الحركة التشكيلية في فرنسا وأيطاليا وغيرها من الدول الأوربية. برغم استخدام مفردات وعناصر تراثية وفلكلورية لدى البعض بطريقة معاصرة كما بدء بها جواد سليم وأجيال لاحقة.

المقال السابق(ميناء الفاو الكبير الحلم العراقي)
المقال التالىعاد الدب إلى الغابة
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد