اللّغة سلّطة !


 

سياسة
غيث التميمي

اللّغة سلّطة!
عرفت عراقيين كثر يتكلمون الإنكليزية بنطق سليم على اللسان الإنكليزي، أو الأمريكي مع الأمريكان، ولكني لم أشاهد حتى الآن أمريكياً أو إنكليزياً ينطق العربية كما ينطق بها أهلها، وقد دعاني هذا الأمر إلى التساؤل عن أسبابه السسيوانثروبولوجية، وذلك لشحّة الأسباب العضوية، لأن عضلة اللّسان لدى العربي لا تختلف عنها لدى الإنكلوسكسوني مثلاً.
وبرز أمامي للوهلة الأولى سؤال الحضارة المنتصرة والمهزومة، ومدى تأثيرها في إتقان النطق، ووجدت الأمر مقنعاً لكن بصورة غير مباشرة، فلو أخذنا بنظر الاعتبار المهاجرين إلى أمريكا وبريطانيا، سوف نلاحظ أنهم ذهبوا لا يملكون شيئاً يقدمونه إلى تلك المجتمعات، درسوا وتعلموا فأبدع بعضهم ونبغ آخرون، ولكن بفضل مراكز التعليم ومناهج المعرفة التي قنن قواعدها الغرب.
المهاجر العراقي يجتهد في إتقان الإنكليزية لأنه يريد التقرّب من أهلها المنتصرين، وليميّز نفسه عن جذوره المهزومة، بينما يتكلّم الإنكليزي اللّغة العربية بلكنة أعجمية، ليؤكد حضوره المنتصر في مجالنا اللّغوي، وكونه ليس منا معاشر المهزومين.
ذكرتني هذه المقاربة بمقاربة غريبة مماثلة، كنت أجالس مراجع الدين الشيعة في حوزات النجف الدينية، عندما كنت طالب علم فيها، وكنت أستغرب عدم إتقانهم اللّفظ العربي، حتى في قراءة القرآن الكريم في أثناء الصلاة، بينما يتقن مراجع عرب اللّغة الفارسية بصورة كاملة، ولقد زاد استغرابي حين سمعت قارئاً إيرانياً يتلو القرآن بإتقان يفوق بعض العرب في المخارج، والتلاوة، لأني كنت أتصور اللفظ العربي عسير على كل الأعاجم، لصعوبة في أصوات لغتنا، الأكثر غرابة أن بعض أبناء المراجع العجم هؤلاء ولِدَ في النجف، ونشأ فيها، ولكنه لا يتقن لسان أهلها!
فتبين لي بعد حين أن لذلك أسباباً أخرى تتعلق بشعور التفوق، حتى أن المعممين العرب والعراقيين أنفسهم يتصورون أن بلوغ مقام المرجعية العليا عسير على العرب، والعراقيين، لأنهم منشغلون بدنياهم إلى جانب طلب العلم، بينما الأعجمي منصرّف لطلب العلم عن غيره، مع إشارات بشأن صبر الأعجمي وعجزع العربي.
وقد يكون للموضوع صلة بالأموال التي تدفقت مع تطور حركة التجارة في خراسان، وتفكك الخلافة العربية الإسلامية بعد العصر العباسي الثاني، حيث صار لأموال الخمس والزكاة والصدقات والتبرعات والهبات الغزيرة، التي تجبى إلى مقام المرجعية الشيعية من خراسان، تأثيراً واضحاً في ضمور مرجعيات الحليّين والبغداديين والنجفيين، والأمر ذاته في الحجازيين والبحارنة والعامليين، وإن تقدُم مراجع العجم على العرب عند الشيعة، جاء في توقيت واحد مع تقدم الموالي على العرب في إمرة المسلمين، سواء كانوا ولاة أم سلاطين أم خلفاء عند السنّة.
ولو أخذنا إصدارات رجال الدين السنّة في الحكم العثماني نموذجاً، لوجدنا تمجيد الأعاجم العثمانيين، وتعظيم أصولهم ظاهراً، بينما نجد العكس تماماً لدى رجال الدين السنّة في عصر الخلافة الأموية والعباسية في عهدها الأول، على الرغم من أن أغلب رجال الدين السنّة حينها كان من الأعاجم، في الخلافة العربية الإسلامية اجتهد علماء المسلمين السنّة في إتقان العربية، وقوعدّة نحوها وصرفها وعروضها، ويُلاحظ العكس في الحكم العثماني، حيث يتباهى رجال الدين العرب المسلمين السنّة، فضلا عن الأعاجم، بإحاطتهم في اللّغة التركية والفارسية، تقرباً من السلطات، وترفعاً عن العرب المهزومين.
قراءة سلوك الأفراد والجماعات عن طريق حياتهم اللّغوية، يفتح آفاقاً على أخاديد غائرة في التعرف على التمايز والصراع بين الجماعات، كما يمنحنا فرصة الاطلاع على بُعد جديد في متوالية الاحتمالات المفتوحة، لمعرفة أُحجّية هذا الوجود الغامض.

لا تعليقات

اترك رد