حوار مع أركيولوجيا الزمن ـ 3 ـ


 

حوار مع أركيولوجيا الزمن ـ3ـ
“غنائم حرب”٭

كتبت طوني ماريني، معتمدة على صحيفة (La Vigie, March 1954)! :” في عهد الحماية الفرنسية، انتظرت مصلحة الشباب والرياضة سنة 1954 لتنظم، بالرباط، “حصصا تحسيسية في الرسم الفني والصباغة، والتي استفاد منها أيضا الشباب المسلمون من كلا الجنسين”.(Maraini p.78).

إذا رجعنا إلى الصحف التي كانت تصدر في عهد الحماية، نكتشف أن أبناء المغاربة كانوا يستفيدون من دروس الرسم، قبل التاريخ الذي ذكرته طوني ماريني. فهذا بروسبير ريكار يكتب متحدثا عن رسم أحد التلاميذ المغاربة:

” شهادة لا جدال فيها ولطيفة للغاية. إنه رسم بريشة أحد أبناء المدارس الفرنسية العربية بفاس. يُدعى هذا الطفل بناني عبد الهادي ، وهو في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره. وضع معلمه أمامه باقة من الزهور في إناء ، وقال له: “ارسم لي هذه الباقة”. إنه تلميذ ذكي ؛ يتقدم ويريد أن يفعل ما هو جيد … وهو يعيد إنتاج ما يراه … لكن كيف يمكنني وصف ما رآه ، الطفل الفاسي، بعينيه الرائعتين؟ لقد تحولت الباقة، بأربعة أقلام ملونة (بنية ، خضراء ، صفراء ، برتقالية)، إلى تكوين تزييني كبير. إنه شيء فخم ومعقد ، حيث لا يمكن إلا لعقل فنان أن يبدع مثل ذلك!” (France Maroc, Janvier 1917، ص. 35)

حقا إن المستعمر “عمل على حرمان المغاربة من مدارس أو أكاديميات فنية بدعوى المحافظة على التوجه الفطري لفن الجيل الأول من الفنانين، تبعا لتقسيم المغرب في الفترة الاستعمارية إلى شمال وجنوب”. (نزار شقرون ص.127)

ويؤكد ذلك ما جاء في مقال إخباري للصحافي Rémy Beaurieux عام 1930، بمجلة Maroc illustré عن معرض الفنانين المحليين الذي أقيم بمتحف الأوداية عام 1930: “إن المسألة الجديرة بالاعتبار تتعلق بالدور العظيم الذي تلعبه “مصلحة الفنون المحلية” Services des Arts Indigènes ، في ظل التوجيه الدقيق للسيد ريكارد، [ويقصد بروسبير ريكار Prosper Ricard الذي كان مديرا لمصلحة الفنون المحلية في المغرب ما بين سنتي 1920 و1935]، والذي يتجلى على وجه التحديد في حظر كل تعليم وكل توجيه. نحن نترك المغاربة الشباب يعبرون عن أمنياتهم، في مواجهة إلهامهم وأذواقهم، ونمدهم بالوسائل ونحرص على عدم تدريبهم على طرقنا وتقنياتنا. فصفات العِرْق تتجلي واضحة وتمنح استلذاذ أكثر(…) فأنا الذي كان لي مغاربة تلاميذ، أعرف جيدا أنهم لا يفتقرون إلى فكر معين يكون أحياناً قريبا جداً من فكرنا”.

يتضح من هذا الكلام أن إدارة المستعمر لم يكن يهمها بناء مؤسسات فنية لصالح أبناء المغاربة بقدر ما كانت تهتم بتشجيع الفنانين العصاميين ومدهم بما يحتاجونه من أدوات الاشتغال حتى لا يتجاوز فكر المستعمَر le colonisé فكر المستعمِر le colonisant.

ورغم ذلك اخترق بعض المعمرين الأوروبيين القاعدة التي كانت عملة رائجة لدى كل من مصلحة الفنون المحلية Service des arts indigènes ومصلحة الفنون الجميلة والآثار والمعالم التاريخية Le Service des beaux-arts, antiquités et monuments historiques بتشجيعهم لفنانين شباب ومساعدتهم على تخطي الحدود الجغرافية لإقامة معارض فردية خارج المغرب. وهكذا سينتقل محمد بن علي الرباطي (1861ـ1939) إلى لندن عام 1916 بدعم من الرسام الإيرلندي جون لافور ليقيم معرضه الأول. وسيتلقى الرسام مولاي أحمد الإدريسي (1924ـ1973) تشجيعات من لدن فنانين سويسريين، تمكنه من العرض بمدينة لوزان السوسرية عام 1948. وسيتمكن الرسام محمد بن علال (1928 ـ 1995) من العرض بالعاصمة الأمريكية واشنطن عام 1953، وبدعم من مشغليه الرسام الفرنسي جاك أزيما. وسيعرض الرسام حسن لكلاوي (1924ـ2018) لوحاته بباريس ثم نيويورك عام 1951. المدينة التي ستحتضن بعد سنة، أعمال الرسام احمد بن ادريس اليعقوبي (1928ـ1985) عام 1952.

إن فناني الجيل الأول العصاميين لقوا التشجيعات من طرف الفنانين الأوروبيين الذين تعرفوا عليهم وعايشوهم واحتضنوهم، وأن الاستعمار كإدارة، مصلحة الفنون المحلية Service des arts indigènes أو قسم الفنون الجميلة والآثار والمعالم التاريخية Le Service des beaux-arts, antiquités et monuments historiques، لم تعمل على تشجيع سوى عدد قليل جدا من الفنانين العصاميين المغاربة، خصوصا أولئك الذين برزوا في فن Enluminure،

كالحاج عبد الكريم الوزاني (1912ـ2002)، الذين كانوا أشد ارتباط بالتقاليد الفنية المغربية، مفهوما وتقنية، وكانت إدارة الحماية ترى فيهم امتدادا جماليا للصناعات التقليدية المحلية، فتم تشجيعهم وإدراج أعمالهم في معارض جماعية نظمتها إدارة الحماية داخل المغرب وخارجه. والادعاء السائد بأن تلك الإدارة كانت تشجع الفن الفطري، في نظرنا، لا أساس له من الصحة، لأن أصحاب هذا الاتجاه لم يكونوا نشطين آنذاك كتنظيم فني يثير اهتمام المشرفين على الشأن الفني المحلي. كانت تنظم معارض متفرقة هنا وهناك، شملت نزعات فنية مختلفة وأسماء متنوعة: الجيلالي بن سلام (وليس ابن شلان كما راج عند البعض)، والسيدة كنزة من فاس، (في نظرنا هي أول فنانة تشكيلية مغربية، شاركت في معرض الأوداية عام 1930)، بن علال والطيب لحلو والسرغيني وعمر مشمشة والمكي مورسيا والحمري وحسن لكلاوي واليعقوبي وبلكاهية والحاج وزنينو، ومشاركات في صالونات الشتاء خصوصا التي نظمت بمراكش ما بين 1949 و1954، ولم تكن مقتصرة أساسا على الفن الفطري وحده، كما يبدو ذلك من الأسماء المشاركة.

نذكر أيضا بأن الحماية الإسبانية كانت مهتمة أكثر بالتعليم الفني مقارنة مع جارتها الفرنسية، رغم أن الحركة الفنية تحت الحماية الفرنسية كانت أكثر انتعاشا، وأشير هنا إلى ثلاثة أمثلة: الأول، المعرض التشكيلي الجماعي الذي نظم بفندق إكسلسيور بالدار البيضاء عام 1915. والثاني، أنشطة جمعية رسامي ونحاتي المغرب L’Association des peintres et sculpteurs du Maroc، التي تأسست عام 1922. وهي أول جمعية فنية تأسست بالمغرب، وضمت فنانين فرنسيين استشراقيين، ولم ينتم إليها أي مغربي أو عربي عدا الرسام أزواو ماميري، من الأصل الجزائري.

الثالث: مجموعة المعارض الخاصة بالمنتوجات المغربية التقليدية، والجوائز الفنية التي عرفتها بعض مدن فرنسا كباريس ومارسيليا وغيرها…

رغم ذلك كلكه، فقد فتحت إسبانيا عام 1923 مدرسة الفنون الأهلية ـ Ecole des Arts Indigènes مكنت أبناء المغاربة من متابعة تكوينهم في الرسم الهندسي والفني الذي يكمل مبادئ التعليم في محترفات هذه المدرسة.

“لم تبدأ إسبانيا فعليا نشاطها الثقافي في المغرب إلا انطلاقا من عام 1927. وكان يقتصر هذا الإجراء بشكل رئيسي على مدينة تطوان التي تبدو معقل إسبانيا. وكان الإسبان ينظرون بإعجاب إلى “المنجز الفرنسي”، فبالإضافة إلى الجوائز السنوية، تزايد عدد المعارض، ليس فقط في الرباط والدار البيضاء، ولكن في مدن أخرى مثل فاس ومكناس و وجدة… يأتي اختلاف بين هاتين المنطقتين من كون الشمال، يفتقر إلى توجه رسمي فيما يتعلق بعمل الفنانين الإسبان في المغرب، وكذلك غياب الدعاية ونشر أعمالهم … وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن إسبانيا بدأت أنشطتها الثقافية فقط في 1927، إلا أنها تداركت تأخرها بسرعة بفضل نشاط بيرتوتشي وعمله … الذي كان يهيمن على مدرسة تطوان من خلال شخصيته وأسلوبه”. (خليل لمرابط ص. 30-31)

هوامش ومراجع:
ـ موليم العروسي ـ التشكيل المغربي في المملكة المغربية، المنظمة العربية للثقافة والعلوم، الطبعة الأولى 2016

* Théliol Mylène. Le Service des beaux-arts, antiquités et monuments historiques, clef de voûte de la politique patrimoniale française au Maroc sous la résidence de Lyautey (1912-1925). In : Outre-mer, tome 98, n°370-371, 1er semestre 2011. Le contact colonial dans l’empire français : XIXe-XXe siècles. pp. 185-193/doc/outre_1631-
* Mohamed Sijilmassi – L’art cotemporain au Maroc, Ed. ACR, Paris 1989
* Pierre Aubree, l’œuvre de la France au Maroc de 1912 à 1950, Ed. Africaines perceval, Rabat
* Rémy Beaurieux- l’exposition des artistes indigènes au musée des Oudayas, Maroc illustré, 1ère année, N° 3, 20 février 1930.
* France – Maroc, Janvier 1917.
* Toni Marain, Ecrits sur l’art, Ed. Le Fennec, Casablanca 2014 *t111-le-maroc-artistique
* Réginald Kann – le protectorat marocain, Berger- Levreaux éditions, Paris 1921
* Khalil M’rabet- Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed/ L’Harmattan, Paris 1987

المقال السابقتحية النخيل
المقال التالىاللّغة سلّطة !
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد