الظهور الموعود


 

أكبر العقبات بين الأمم هي العلامات والشروط التي يجب أن تظهر مع هذا الظهور المحمود واليوم الموعود، فجميع مظاهر الله ومؤسسي الأديان الذين جاءوا سابقا قد ذكروا علامات هذه الواقعة الكبرى في كتبهم وأكدوا عليها وسجلوها واضحة في أحاديثهم. ولكن كل نبي ظهر سجل العلامات ذات نفسها التى ذكرها سلفه و كرر نفس الكلمات، ومع ذلك فإنهم لم يقوموا بشرح معنى تلك العلامات وشروطها أو جعل الغاية منها فى وقتها معروفة. على سبيل المثال، أنظر كيف في ألف من السنين حضرة موسى وأنبياء بنى إسرائيل تكلموا و نطقوا بالبشارات للشعب بمجيء رب الجنود الذى سوف يوفق بين ويوحّد الجميع في عبادة إله واحد. فمن بين علامات يوم مجيئه التى أعلنوها:

أولاً: تُطوى السماوات.
ثانيا: سوف تظلم الشمس.
ثالثا: القمر لا يعطي ضوءه.
رابعا: النجوم تسقط من السماء.
خامسا: الموتى يقومون من مقابرهم.
سادسا: الحيوانات المفترسة تعيش فى سلام مع حيوانات المرعي.
سابعا: و سوف تشترك فى نفس المرعي والغذاء.
ثامنا: الأطفال سيلعبون مع الثعابين السامة.
تاسعا: شعب إسرائيل في ذلك اليوم والذي كان قد تشتت في جميع الأنحاء و أذلته جميع أمم الشرق والغرب سيتم جمعهم مرة أخرى من قِبل رب الجنود، و الذى سيوطدهم في أرضهم الموعودة ويضفي عليهم المجد الأبدي والسلطان الأبدى.

هذه هي باختصار بعض النبوءات التي أعلنها جميع أنبياء بنى إسرائيل لشعبهم و حفظوها في كتبهم. لكنهم لم يبينوا أن هذه الوعود يتعين إتخاذها بالمعنى الحرفي دون رمزية وتفسير، أو أن النصوص رمزية تخضع لتأويل.

ألف و خمسمائة سنة بعد حضرة موسى، نفس الوعود والعلامات صرح بها حضرة المسيح له المجد! أنظر في الآيات ( 29-31 ) من السفر الرابع والعشرين من إنجيل متىi والآيات (10 – 11) من السفر الثالث من رسالة بطرس الرسول الثانية،ii حتى تشاهد ذكر هذه الوعود و العلامات بكل وضوح. و بالمثل فإن حضرة المسيح و الحواريون اقتصروا أنفسهم على مجرد الإشارة الى هذه العلامات كما فعل أنبياء بنى إسرائيل، ولم يقوموا بشرح معناها. و بالتالي إختلف العلماء المسيحيين في تفسيرهم لتلك الكتب المقدسة. فقال البعض أن تلك الوعود كانت تصريحات حرفية وغير قابلة للتأويل ولذلك يجب الوفاء بها ظاهريا. غير أن بعضاً من المفسرين صرحوا أن هذه الوعود هى رمزية وأن بعض الكلمات تتطلب التأويل حتى يصبح معناها الحقيقي واضحاً، أي أنه ربما يفتح ختم رحيق الكتاب في اليوم الأخير.

ستمائة سنة بعد حضرة المسيح أعلن “خاتَم النبيين”iii [حضرة محمد (ص)] رسالته والذي كشف مرة أخرى عن نفس الوعود في القرآن. و تكررت بطريقة مماثلة نفس الشروط والعلامات. ولكن مرة أخرى لم يقم القرآن بإعطاء أي إشارة إلى المعنى المقصود من تلك النبوءات، كما أنه لم يذكر ما إذا كانت رمزية أو قابلة للتأويل. ونتيجة لذلك، إذا ما نظر المرء إلى ما ورد يجد بكل وضوح أن أكبر العقبات أمام توحيد الأمم كانت هذه النبوءات و البشارات و الأشراط والعلامات. فما منعالشعوب المختلفة من أن تتوحد مع بعضها البعض إلا لأن المعاني المقصودة من تلك النبوءات لم تكن واضحة.

على الرغم من أن الإقتباس والتوضيح يؤدي إلى الإطناب و الإطالة، ولكن سوف نلجأ لذلك لغرض التنوير وكذلك توضيح هذه المسألة للقارئ. على سبيل المثال لنفترض أن مبشراً مسيحياً عليه أن يقول لليهودي: “صديقي العزيز، لماذا أنت نائم وغافل؟ إن المسيح الموعود، و الذي مجيئه كان قد تنبأ به من قبل جميع الأنبياء، قد ظهر”. ثم تخيل إجابة اليهودي: “يا للروعة! يا للروعة! ما أجمل البشارات والأخبار السعيدة! نحن اليهود جعلنا كل أمانينا متعلقة بمجيء المسيح ونتضرع يوميا بالصلاة لمجيئه! والآن دعونا نرى هذا المسيح الموعود الذي أعلنتم أنه سبق أن ظهر”. فيجيب المبشر المسيحى: “المسيح الموعود هو ذلك الشاب المظلوم يسوع الناصري الذي ضحى بحياته من أجل تحرير وخلاص العالم.” يرد اليهودي: “أوه، يا أيها المعلم المحترم، هناك علامات واضحة سجلت في الكتب المقدسة فيما يتعلق بظهور المسيح، فلا أي منها قد تحقق. نحن اليهود لم نحصل على ديننا بسهولة حتى يمكن التخلي عنه بلا مبالاة. أنت تعتبر نفسك معلم للكتب المقدسة، أنظر في الكتب السماوية الى الكلمات التي في وقت مجيء المسيح الموعود، سوف تظلم الشمس والقمر سوف يتحول إلى دم، والسماء الجديدة والأرض الجديدة سوف تصبح واضحة، والنجوم تسقط و الموتى سوف يبعثون. أين ومتى تحققت هذه النبوءات أثناء يوم طلع نهار الناصري و من الذى رآها؟ وعلاوة على ذلك، اسمح لي أن أريك العديد من المقاطع فى هذه الكتب فقد كشفت بوضوح أن المسيح الموعود عندما يظهر سوف يجمع كل اليهود المنتشرين في جميع أنحاء العالم وأنه سوف ينقذهم من الذلة الكبرى و اللعن والطغيان الذى يعانون منه. ثم إنه سوف يمكّن لهم في الأرض المقدسة و يمنحهم السياده والمجد الأبدي. و الآن قل لي متى أنجز يسوع الناصري شيئاً من هذا القبيل؟ كلا، بظهوره حدث العكس، فنحن كنا موطدين في الأرض المقدسة ولكننا بتنا مبعثرين بمجيئه، كنا محترمين أصبحنا ذليلين، كنا مجتمعين فأصبحنا مشتتين، كنا مباركين أصبحنا نقاسى اللعنات. و كل هذا على النقيض من الوعود التى أعطيت للشعب الإسرائيلى. و بذلك فإن قبول يسوع يكون نكراناً لأولئك الأنبياء الأماجد”.

وباختصار، في هذه المرحلة من الحديث فإن المبشر المسيحى قد فشل فى الرد على اليهودي. لأنه هو نفسه لا يفهم المعاني الحقيقية لهذه البشارات. و من ثم كيف يمكن شرحها لليهود مما يؤدي إلى إقناعهم و طمأنتهم؟ و لذلك خلال هذه الفترة الطويلة فقد حاول المبشرون للديانة المسيحية إحباط و إفحام اليهود، ولكن دون السير فى درب المعرفة الحقيقية و البرهان الحقيقي. و بدلا من جذبهم الى القرب من الإنجيل تسببوا فى كدرهم و زادوا من بعدهم.

لقد تم تسجيل ذلك في تاريخ الكنيسة أنه خلال هذه الفترة الطويلة، أي منذ إهتداء قسطنطين الكبير وصولا الى عصرنا، سواء في أيام شارلمان وخلال الحروب الصليبية، فقد حاولوا مرارا وتكرارا إجبار اليهود على إعتناق النصرانية ولكنهم في النهاية فشلوا. و الآن لو كانوا قد عرفوا معاني هذه البشارات فإنه لن تكون هناك حاجة لإستخدام القوة والإكراه.

و مماثل لهذا هو موقف المسلم تجاه المسيحى. فعندما يرغب مسلم لإثبات حقيقة رسالة “خاتم الأنبياء” لمسيحي، فإنه يشير الى المسيحى الى العلامات المدونة في السفر الرابع والعشرين من إنجيل متى، و بما أن المسلم لا يفهم المعاني الواردة فيها فإنه مجبر على القول بإن هذا الإنجيل الذى في أيدي النصارى ليس الإنجيل الأصلي الذي نزل مع عيسى عليه السلام! و كما ترى بسهولة، سوف يثبت المسلمون بشكل واضح بالكلام والكتابة أن هذا الإنجيل محرف من قبل علماء المسيحية! و الذين نسبوه إلى حضرة المسيح.iv و في هذه الحالة فإن المسيحى الذي بالنسبة له حقيقة الإنجيل مثبته وواضحة والحب لهذا الكتاب المقدس راسخ في قلبه، سوف يعبر عن دهشته على إجابة المسلم غير الصحيحة. وبدلا من الزمالة والصداقة مع المسلم أصبح المسيحي عدواً للدين الإسلامي و مناوئاً للمسلمين.

وباختصار، واحدة من أكبر العقبات أمام وحدة الأمم هي هذه المعضلة التي تم شرحها من خلال ما سبق توضيحه. فجميع هذه المشاكل المبهمة هى المسؤولة و شُرحت في بيان نظرا لأن المبشرين المسيحيين لا يفهمون المعاني الحقيقية لكتب الأديان التي ظهرت قبل ظهور المسيح عليه السلام! و لذا فإنهم لا يستطيعون هداية الآخرين إلى دينهم. و أصبح ذلك واضحا وجليا.

وفيما يتعلق بالأديان التي ظهرت بعد حضرة المسيح، نظراً لأن التقهقر والتراجع فى إتجاه عكسى معارض للحركة الطبيعية و يتناقض مع التقدم والرقي الذي هو واضح وجلى في الحركات العالمية، وبالتالي، فإن المسيحين لا يمكنهم تحويل إتجاه التطور إلى الوراء و يجعلون الناس الآخرين لينزلوا من سلم التقدم لأجل أن ينضموا إليهم. و لقد أدرك الرجل العظيم اللورد كيرزون جزئيا هذه النقطة عندما كتب: “إن هداية الآسيويون إلى الدين المسيحي بلا مفعول و لا نتيجة.”

والآن بعد أن تم توضيح هذا الموضوع بشكل واضح فإننا سوف نقترح أن الحالة الراهنة للتقدم في العالم تتطلب ظهوراً إلهياً عظيماً. فبينما كان حضرة بهاءالله يقيم في بغداد كان أول كتاب ينزله هو “كتاب الإيقان” والذي هو المفتاح لفتح رحيق أختام الكتب السماوية. فإنه يشمل الحقائق المودعة في الأسفار و الكتب المقدسة. و به فُتحت أبواب فهم الكلمات النبوية على وجوه أهل البهاء، و كُشف المعنى الحقيقي للبشارات الإلهية المقدسة، والمقاصد الأصلية لمثل هذه التعابير، و التى كانت مستورة وغير معروفة فأصبحت متجلية. و هذه التعابير هي: “الموت”، “الحياة”، “السماء”، “الأرض”، “الشمس”، “القمر”، “النجوم”، “القيامة”، وغيرها.v وهكذا فإن وسائل الوحدة أصبحت سهلة والعوائق المؤدية لسوء الفهم الدولي تمت إزالتها. و أصبحت علامات وشعارات الوفاق والإتفاق بين الناس المتعادية و المتعارضة واضحة و ظاهرة.

و كما تلاحظون فإنه بينما الآن أن الدين البهائي فى بدايتة، لكن المسائل الصعبة و التعاليم أصبحت مشروحة واضحة وسهل تقبلها من الشعوب المختلفة بحيث أن العديد من النفوس بين الزرادشتيين واليهود و النصيرية وآخرون، و الذين لم يعتقدوا أبداً في حضرة المسيح ولا أن يستمعوا إلى آية واحدة من الإنجيل، أصبحوا الآن مؤمنين معترفين بحضرة بهاءالله من خلال تأثير كلامه المبارك. وعلاوة على ذلك، يعتبرون حضرة المسيح الرب الموعود و أن كتابه السماوي هو الكلمة الإلهية المقدسة. و أنهم يتعاشرون و ينسجمون مع المسيحيين في أعيادهم وتجمعاتهم باقصي درجات اللطف والزمالة.

إنطلاقا من روح الصداقة القصوى، فالسؤال مطروح على هذا المبشر المحترم ايستون ز بيتر الذى دون فهم لأقل مغزى لمملكة المسيح، يكيل لها المدح: فهل هذه العلامات الواضحة هى التى تتسبب في أن تكون مملكة المسيح في متناول اليد، أم البغض و اللعنات والكلمات غير اللائقة وكتابة المقالات المحقرة في المجلات، حيث التشهير والإفتراء ينسب إلى النفوس الطاهرة والمقدسة؟

فمما هو أكثر إثارة للدهشة! نحن لا نعرف ما فهمه السيد إيستون وحلفائه عن ماهية ملكوت المسيح و دلالته. فهل ملكوت المسيح هو للتصديق به و تنفيذ كلماته أم لإثبات عكس كلام المسيح و نشر صفات أعدائه؟

يصرح حضرة المسيح بوضوح: “بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ”،vi بينما السيد إيستون وزملاؤه يمارسون معنى “ألعنوا من يباركونكم”. فالنفس التى تسعى لتُمنح البركة و الرحمة يتم وصفها بأكثر الكلمات غير اللائقة و يُتمنى لها الشر و عذاب النار. و أن حضرة

بهاءالله يثبت للأمم غير المؤمنة بحضرة المسيح بأنه هو إبن الله وكلمة الله، في حين أن السيد إيستون وزملاؤه ينعتون بهاءالله بالمسيح الدجال.

غريب! أن يوحنا اللاهوتى محبوب المسيح، في رسالته الأولى يقول: ” مَنْ يَفْعَلُ الْبِرَّ فَهُوَ بَارٌّ”.vii ولكن هؤلاء (المعارضون) يقولولون: “إنه من يفعل البر، حقا إنه هو قاتل ومحتال”. وبالمثل في هذه الرسالة يقول: “مَنِ اعْتَرَفَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، فَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ وَهُوَ فِي اللهِ.”،viii ولكنهم يقولون أن الذى، وفقا لإعترافهم، قد أقنع ثلاثة ملايين نفساً وجعلهم يعتقدون أن يسوع هو ابن الله وكلمة الله، محروم من معرفة الله وليس له نصيب من الشذا الإلهى. أليس كذلك دائما قد ظهر بوضوح وثبت إيجابيا في هذا اليوم بأنه ينبغي لنا أن نفهم من عبارة: “من ثمرتها تعرف الشجرة”، في الموعظة على الجبل، و أن غرض حضرة المسيح هو أننا لا ينبغي لنا الإلتفات إلى إتهامات كاذبة أو الإستماع إلى ما يروّجه أهل الإجحاف بين الناس؟ كلا، ينبغي أن ننظر في أفعال كل شخص بأنها هى المعيار الصحيح، و بهذا الميزان نفرق بين الحق والباطل.(البرهان اللامع)

المراجع
” وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا.” (متى، 24: 92 – 31). ii ” وَلكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟” (2 بطرس، 3: 10 – 11). iii حضرة محمد (ص). iv رجال الدين المسلمين يدرسون ان الإنجيل الأصلي الذى نزل على يسوع المسيح قد ضاع وأن الكتب المقدشة التي يستخدمها المسيحيون اليوم قد تغيرت و تم إفسادها. بهاء الله يرفض هذا التعليم في كتاب الإيقان. (أنظر كتاب الإيقان). v أنظر كتاب الإيقان. vi متى، 5: 44؛ لوقا، 6: 28. vii 1 يوحنا، 3: 7. viii 1 يوحنا، 4: 15. ** [يرجى مراجعة أسماء هاتين الطائفتين اليهوديتين من النص الأصلى الفارسى – المترجم] *** [ترجمة تقريبية، تقتضى مراجعة الأصل الفارسى و كذلك الآية القرآنية].

لا تعليقات

اترك رد