قراءة نقدية لنص أحلام ورق للكاتب المصري محمد البنّا

 
لوحة للفنان كامل حسين

عندما أقرأ للأستاذ محمد البنّا أدرك مسبّقاً أن وراء الأكمة ما ورائها ، فأتحضّر وأغوص باحثة وراء كل الأعمدة الرمزية التي تظهر أمامي متحديَة ومستفزّة ، و/أحلام من ورق /كان نصّاً هو من ذاك النوع الذي ينتصب منادياً فسّروني إن استطعتم ، الواضح من النص أن هناك صراع على مكسب ، نظرت في ماهيته رأيته ( سلطة المتصارعون ثلاثة ، شككت أنهم أشخاص ، لأن الواضح أن السلطة مكتسبة ، وفي بلادنا لا يحوز السلطة إلا شخص واحد بلا منافس ، والصراع الذي يجري قبل الاستحواذ عليها هو صراع شكلي لا اعتبار له إلا في بعض الأنظمة الملكية وأيضا لا يكون عميقاً كعمقه في هذا النص ، فإذاً الصراع داخل شخص واحد نال سلطة ، تذكرت /سيغموند فرويد /أبو علم النفس ,وتقسيمه للشخصية إلى ثلاثة أنظمة ، ال هو، وال أنا ، والأنا العليا ، أسقطت هذه الأنظمة على النص فانتظمت معي أركانه ومن هنا سأنطلق في تفكيك النص ، بداية سأعرض لقول سيغموند فرويد في هذه الأنظمة

الشخصية مكونة من ثلاثة أنظمة
هي الهو، والأنا، والأنا الأعلى، وأن الشخصية هي محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاثة.

الهو:
• الهو هو الجزء الأساسي الذي ينشأ عنه فيما بعد الأنا والأنا الأعلى. • يتضمن الهو جزئين: o جزء فطري: الغرائز الموروثة التي تمد الشخصية بالطاقة بما فيها الأنا والأنا الأعلى. o جزء مكتسب: وهي العمليات العقلية المكبوتة التي منعها الأنا (الشعور) من الظهور. • ويعمل الهو وفق مبدأ اللذة وتجنب الألم. • ولا يراعي المنطق والأخلاق والواقع. • وهو لا شعوري كلية.

الأنا:
• الأنا كما وصفها فرويد هي شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالاً بين الهو والأنا العليا، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك، وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، حيث من الممكن للأنا ان تقوم باشباع بعض الغرائز التي تطلبها الهو ولكن في صورة متحضرة يتقبلها المجتمع ولا ترفضها الأنا العليا. • مثال: عندما يشعر شخص بالجوع، فان ما تفرضه عليه غريزة البقاء (الهو) هو أن يأكل حتى لو كان الطعام نيئاً أو برياً، بينما ترفض قيم المجتمع والأخلاق (الأنا العليا) مثل هذا التصرف، بينما تقبل الأنا اشباع تلك الحاجة ولكن بطريقة متحضرة فيكون الأكل نظيفاً ومطهواً ومعد للاستهلاك الآدمي ولا يؤثر على صحة الفرد أو يؤذي المتعاملين مع من يشبع تلك الحاجة. • يعمل الأنا كوسيط بين الهو والعالم الخارجي فيتحكم في إشباع مطالب الهو وفقا للواقع والظروف الاجتماعية. • وهو يعمل وفق مبدأ الواقع. • ويمثل الأنا الإدراك والتفكير والحكمة والملاءمة العقلية. • ويشرف الأنا على النشاط الإرادي للفرد. • ويعتبر الأنا مركز الشعور إلا أن كثيرا من عملياته توجد في ما قبل الشعور ،وتظهر للشعور إذا اقتضى التفكير ذلك. • ويوازن الأنا بين رغبات الهو والمعارضة من الأنا الأعلى والعالم الخارجي، وإذا فشل في ذلك أصابه القلق ولجأ إلى تخفيفه عن طريق الحيل الدفاعية.

الأنا الأعلى
• الأنا العليا كما وصفها فرويد هي شخصية المرء في صورتها الأكثر تحفظاً وعقلانية، حيث لا تتحكم في أفعاله سوى القيم الأخلاقية والمجتمعية والمبادئ، مع البعد الكامل عن جميع الأفعال الشهوانية أو الغرائزية • يمثل الأنا الأعلى الضمير، وهو يتكون مما يتعلمه الطفل من والديه ومدرسته والمجتمع من معايير أخلاقية. • والأنا الأعلى مثالي وليس واقعي، ويتجه للكمال لا إلى اللذة – أي أنه يعارض الهو والأنا.

• إذا استطاع الأنا أن يوازن بين الهو والأنا الأعلى والواقع عاش الفرد متوافقاً ،أما إذا تغلب الهو أو الأنا الأعلى على الشخصية أدى ذلك إلى اضطرابها. • أنظمة الشخصية ليست مستقلة عن بعضها ،ويمكن وصف الهو بأنه الجانب البيولوجي للشخصية، والأنا بالجانب السيكولوجي للشخصية، والأنا الأعلى بالجانب السسيولوجى للشخصية

لعلنا بعد هذه المقدمة نلج إلى النص بطريقة سلسة .
1-الميزات الجمالية للنص /الإغناء
النص قصة قصيرة يتبع المدرسة الرمزية برواية واقعية ، منطوٍ تحت نظرية الفن للمجتمع ، يمكن إدراجه تحت بند صراع إنساني.
وقد فاض بالصور البيانية على الرغم من قصره ، وهذا أبرز مقدرة الكاتب على توظيف أدواته البلاغية بصورة لافتة ليجعل من نصه نصاً أدبياً محققاً لمعظم الميزات السبعة للنص من ربط وتماسك وقصدية ومقبولية وإخبارية وموقفية، دافعاًبه إلى الأمام ليكون نصاً قابلاً للنقد والتفكيك

2-الحبكة
بدأت مع العنوان أحلام ورق ، عنوان لافت يجعلك تتساءل عن هذه الأحلام ولمَ هي من ورق ، رأيتها تشبه لعبة الورق التي يتصارع فيها الأصدقاء على الفوز وسلاحهم ورق لعب يأخذهم إما إلى فوز أو إلى خسارة ، الفائز لا يرحم ، والخاسر يبتلع مرارة خسارته وسط ضحكات الأصدقاء ،
ثم يروي الكاتب قصته لحظة الفوز ، /كان للحظة بريقها الساحر ، وغموضها غموض البحر في ليل بهيم ، تعصف بهم كأمواجه عندما تشتد الرياح ،/
وأستأذنكم بالمرور هنا على الصور البيانية وأذكرها لاحقا بالسرد والأسلوب ،لحظة الفوز تأتي ساحرة بالفعل ، يتشتت أمامها الفكر وبعوم في بحر متلاطم الأمواج ، وكان هذا حال شخصياتنا الثلاث الأنا والأنا العليا وال هو،
لا يفوت الكاتب أن يعرّفنا على شخصيات قصته ، ثلاث من المؤكد أنهم لم يجتمعوا صدفة بل جمعهم القدير في عبده زعيم هذه القصة فتلازمهم قَدَري، لا يتساوَون أبداً فلابد لأحدهم أن يسود الإثنين بفوزه بالصراع القائم دوماً بينهم /لم يكن لقاء مصادفة، فثلاثتهم تلازموا تلازم شمس النهار وقمر المساء، تناوبوا أدوارهم ليس عن اتفاق، وإنما عن غلبة/
وتصنيفي للأخوة هو كالتالي :
1-الأخ الصغير =هو
2-الأخ الأوسط=الأنا
3-الأخ الكبير =الأنا العليا

يخبرنا الكاتب عن المرحلة السابقة للحظة الفوز بالسلطة ، وبالأحرى هو يخبرنا عن الكاريزما التي فازت بالسلطة ، /هو وحسب فرويد هو اللاشعور الذي لا يراعي المنطق والأخلاق، ويعمل وفق مبدأ اللذة وتجنّب الألم والذي نشأ أصلاً من الأنا والأنا العليا / في الآونة الأخيرة تمكن صغيرهم بمكره وخفة ظله من إحكام سيطرته، فأمسك بالدفّة وهوى بهم إلى الحضيض، مستنقع بدا لهما أن لا قرار له /
ثم كانت المفاجأة !في لعبة الانتخابات العجيبة جاءتهم السلطة طاغية ، لا أدري ما مدى عفويتها لكن الكاتب أتى على ذكر العفوية ربما تهكّماً، ، جاءت مباغتة كَبركانِ كان خامداً ثم ثار قاذفاً إياهم بالحمم، ولنرى هنا مواقف الثلاثة ، هو سكت عن الكلام ، فالموقف لا يحتمل كلامه ، لكنه أحكم التفكير
وبقي مراقباً نائياً بنفسه عن جحيم السلطة ، فالسلطة جنة ونار ، وعليه أن يتقي نارها لينعم بجنّتها ، ترك الصراع لأخويه الأنا والأنا العليا فهما أوجه وأليَق ، وهو عليه التخفي الآن فالحكمة تقتضي ذلك ،الأنا العليا الآن محلّقة فهذامكانها ،وفضاؤها وهي الوجاهة المجتمعية والمبادئ المكتسبة من التربية الأبوية ، مثالية غير واقعية تتجه للكمال لا للذة، متعارضة مع الأنا وال هو
أما الأنا ، الأوسط فرغم فرحه باندحار هو إلا أنه ما زال ينظر إليه بحذر وحيطة ، هو العقل الذي لم تخدعه لحظة الانتصار ،واستطاع أن يخترق ببصيرته ما خبّأته السحب وراءها ، رأى هو يكيد كيده صامتاً ، التفت إلى الأنا العليا ينصحها بالهبوط إلى أرض الواقع ، كفاها تحليقاً، ونذكّر أن الأنا هي الإدراك والتفكير والحكمة والملاءمة العقلية ، توازن بين هو والأنا العليا وبما أن هو نأى بنفسه فالصراع سيكون مع الأنا العليا وهنا ستكون العقدة
/آثر الصغير الصمت ،أمسك عن الكلام لكنه لم يغفل عن التفكير، يتابع عن كثب جريان الحمم، نائيا بنفسه عن التعرض لها، تاركاً ظاهر الصراع لأخويه ،حلّق كبيرهم بأحلامه في فضاء شاسع، يسبح بين نجومه المتلألئة في سماء خياله ، أوسطهم … رغم فرحته بزوال تحكم أخيه واضمحلال سيطرته حد التلاشي ، إلا أنه توجّس خيفة ، لم يخدعه بريق اللحظة ، لمح بين السحب نذر خطر داهم ،حاول تحجيم زهو أخيه وجذبه إلى أرض الواقع /
العقدة في النص هي في الصراع بين الأنا والأنا العليا ، لنرى الزهو والمباهاة تتحدث بغرور، ونشوة ستكون مردية ، تعمي عن كل الحقيقة ، الفرصة جاءت من غير ميعاد فكيف لا تستغلها الأنا العليا وتحقق من خلالها كل أحلامها المؤجلة ؟ هذا جنون وغباء من وجهة نظرها ، الفرصة تأتي مرة واحدة والغبي من لا يستغلها …والعقل ينصح بالتروّي ويوضّح الحقيقة، البناء يكون على الأرض الصلبة ، يحتاج أساسات عميقة ، والسماء لا تصلح للبناء ، البناء فيها هباء إن أردت أن تحكم الأرض فانظر إلى جنسها ، الطين ، الإنسان ، لا السحب والطيور ، وهو لن يتركك لأحلامِك ….
وبدأ الصراع وكانت العقدة
/-تمهل يا أخي ، ولا تدع فرحتك تذهب بعقلك .
رمقه محتدا ومستنكراً
– أتمهل ؟!!… كيف وقد أتت؟!.. أتطلب مني أن أتمهّل ولا أعبر عن فرحتي ؟ … ولا أسارع بتحقيق أحلامي ؟!
– يا أخي … السماء لا تصلح لبناء بيوت كن طين ، تمعن بما يدور حولك ، أخوك ليس سهلاً .
– تجادلا ، احتدا، تخاصما
لتبدأ العقدة بالانفراج ، لكن أي انفراج ؟ انفراج مردي إلى هاوية هو الذي يبرز عند صراع أخويه جاء حاكماً على أخويه فارضاً سطوته عليهما ، وبأدواته الهدّامة بدأ يبني قصور الترف على الرمال له ولحاشيته، وسجون بقضبان حديدية للرعية تليق بالعبيد.
/ انتهز الأصغر الفرصة ليفرض سطوته من جديد ، فأمسك معوله وبدأ يشيد قصوراً من رمال ، وأقفاصاً من حديد .
أظن أن فكرة النص وصلت ، من يملك السلطة بالواقع الحالي هو شخص مريض تغلّب فيه هو على كل من الأنا العليا والأنا ، لننتهي إلى قول فرويد في تشخيص مرض هذا الشخص كما جاء آتياً

توصل فرويد أن الكبت هو صراع بين رغبتين متضادتين، وهناك نوعين من الصراع، واحد في دائرة الشعور تحكم النفس فيه لإحدى الرغبتين وترك الثانية ، وهو الطريق الطبيعى للرغبات المتضادة دون إضرار النفس. بينما النوع الآخر هو المرضى حيث تلجأ النفس بمجرد حدوث الصراع إلى صد وكبت إحدى الرغبتين عن الشعور دون التفكير واصدار حكم فيها، لتستقر في اللاشعور بكامل قوتها منتظرة مخرجاً لإنطلاق طاقتها المحبوسة، ويكون عن طريق الأعراض المرضية التي تنتاب العصابيين.

3- السرد :

جاء مباشراً إخبارياً كان فيه الكاتب مؤرخاً يسرد من الخارج ، الأسلوب رمزي بامتياز، الأعمدة الرمزية فيه قائمة تتحدى ، والانزياح الأدبي تفوق نسبته ال 80% على أقل تقدير ، زخر النص بالعديد من الصور البيانية والتشبيهات ، يمكننا ملاحظة غزارتها رغم قصر النص ، حوى السرد حوار أدى دوره في الكشف عن أبعاد الشخصيات وإظهار النفس الغامضة ، والتطور بالحدث لإيضاح الفكرة .
الصراع بالمجمل داخلي تصادم بسبب اختلاف الطبيعة البسيكولوجية لكل شخصية ،
لو حدّدنا الزمان والمكان ، الزمان لحظة الاستيلاء على السلطة
المكان ، داخل النفس البشرية .

4- القفلة :

جاءت بفكرة أن الشر الآن ينتصر بلا جهد أو تعب ،ليبني قصوراً من ترف للأشرار ، وسجوناً من حديد لباقي الرعية ، الخير إذاً مسجون ينتظر فك أسره بصراع جديد بين الأنا وال هو، ، فهل يحدث ؟! لا أظن …
الصراع يجب أن يبدأ من أقفاص الحديد ….
لا أدري إن كنت استطعت الإحاطة بهذا النص التحدّي ، تحياتي إلى الكاتب القدير الأستاذ محمد البنّا

النص الأصلي
أحــــلام ورق
كان للحظة بريقها الساحر ، وغموضها غموض البحر في ليلٍ بهيم ، تعصف بهم كأمواجه عندما تشتد الرياح .
لم تكن لقاء مصادفة ، فثلاثتهم تلازموا تلازم شمس النهار وقمر المساء ، تناوبوا أدوارهم ليس عن إتفاق ، وإنما عن غلبة .
في الآونة الأخيرة تمكن أصغرهم بمكره وخفة ظله من إحكام سيطرته ، فأمسك الدفة وهوى بهم إلى الحضيض ، مستنقعٍ بدا لهما أن لا قرار له ‘ إلى أن باغتتهم بقوتها العفوية المدهشة ، كانت كبركانٍ خامد استيقظ فجأةً فغمرهم بحممه .
آثر الصغير الصمت ، أمسك عن الكلام لكنه لم يغفل عن التفكير ، يتابع عن كثب جريان الحمم ، نائيًا بنفسه عن التعرض لها ، تاركًا ظاهر الصراع لأخويه ، حلّق كبيرهم بأحلامه في فضاءٍ شاسع ، يسبح بين نجومه المتلألئة في سماء خياله ، أوسطهم …رغم فرحته بزوال تحكم اخيه وإضمحلال سيطرته حد التلاشي ، إلا إنه توجس خيفة ، لم يخدعه بريق اللحظة ، لمح بين السحب نُذر خطرٍ داهم ، حاول تحجيم زهو أخيه ، وجذبه إلى أرض الواقع
– تمهل يا أخي ، لا تدع فرحتك تذهب بعقلك
رمقه محتدًا ومستنكرا
= أتمهل ؟!! …كيف وقد أتت ؟!..أتطلب مني أن أتمهل ولا أعبر عن فرحتي ؟ …ولا أسارع بتحقيق أحلامي ؟!
– يا أخي …السماء لا تصلح لبناء بيوت من طين ، تمعن يما يدور حولك ، اخوك ليس سهلًا
تجادلا ، احتدا ، تخاصما ، انتهز الأصغر الفرصة ليفرض سطوته من جديد ، فأمسك معوله وبدأ يُشيد قصورًا من رمال ، وأقفاصًا من حديد .

لا تعليقات

اترك رد