الحراك الجزائري رنين الفرح الجماعي

 

يلامس الحراك الوطني الجزائري أسبوعه السادس، بعد أن انطلق بروعة الخطاب في فضاء الوطن حيث تنتقل الكلمات/الوصايا عبر ما يمكن تسميته بالناقل الأسطوري، لأنّ الكلمة/الخطاب من هذا النوع لا تعتبر مجرّد كلمة وفقط، هي فوق ذلك رنين مغناطيسي يجلب الذات إلى أختها، والوعي إلى نظيره، والعقل إلى العقل وبذلك تنفتح مساحات الإغلاق القسري التي عزلت الفعاليات المجتمعية ردحا من الدّهر عن رؤية ذاتها، ذلك أنّ الألم المجتمعي ينتج عن طريق سلطة لا ترى مصلحتها سوى في الاستفراد بوعي الشّعب وقولبته وفق معطيات التنويم التي تتيح لها الاستلاء على أكبر جزء ممكن من مقدّراته، وهي في ذلك لا تعبّر عن شيء قدر تعبيرها عن الجشع الكامن في الإنسان والذي يزيّن له كل ما يمكن أن يجعله بائنا على رؤوس الأشهاد معلناحاكميته فردا وحيدا مسيِّجا مجاله عن طريق زمرة تستفرد بالقرار وتلبَس فوق رؤوس النّاس أحذيتها وبهرجها، ولهذا توخى الحراك الحذر من منطقة إعلان القيادة بداية، كي لا تسكر الرّؤوس بطنين النّداء والتصفيق.

يمكن وصف حراك الشارع في الجزائر بدينامو اللحظة المارقة من سكون الوعي ومناهضة التغوّل، تغوّل السّلط العربية ما بعد ثورات “الرّبيع العربي”، حيث سكت الجسد العربي وهمدت أوصاله مستكينة لمجازر التجريف في الوعي القائم أساسا على الحرّية والكرامة والتسامح، وهو ما حاول الحراك أنيجسّده على الأرض بجماهير تزاحمت بمليونيات في شوارع مدن جزائرية فجّرت معنى السّلمية في أقوى تدافعات الأمواج البشرية، وبذلك يكون الشّارع الجزائري المبادر إلى ترميم الفجوة بين الشّعوب ووعيها الكامن في النّضال السلمي من أجل استرداد قداسة الحق في الحياة والثروة، والمدى الأرحب لممارسة الإنسانية.

غدت كل الأيّام تمثّل فرحا جماعيا من أجل التعبير عن الذات والوعي المغيّبين لزمن، لا من خوف المآلات الحراكية في بلدان عربية، التي لوّح بعض رموزالسّلطة التخويف بها في بدايات الحراك وقبله، لأنّ مدار الأمور ليس بما قد يتحوّل بها إلى مسارات مختلفة، ولكن مدارها يقاس بمدى قدرة الوعي على إدارة الحراك لصالح المبادئ والقيم التي رسمها كخطوط عريضة، نتجت عن وعي استفاد عميقا من تجربة وطنية خالصة سبقت في وعيها المناهض لتغوّلالسلطة كل حركات الاحتجاج العربية والعالمية، فالشّارع الجزائري انتفض فيأكتوبر 1988 محاولا استعادة الوعي بالحرّية والسيادة على مقدّرات الوطن ودفع ثمنا باهظا، ثم كان بعد ذلك توقيف المسار الانتخابي في بداية التسعينيات والدّخول في مرحلة المأساة الوطنية، كل هذا جعل من الحراك كيانا واعيا بما تعنيه الانزلاقات غير المحسوبة عن خط السّلمية، التي لا تعني في الأخير سوى الرّغبة في إنقاذ الوطن والمواطن على السّواء من الدّمار المخطّط له في رزنامات وأجندات جاهزة للانقضاض على أحلام شعوب لا تريد أن تعيش سوى في مستوى إنسان ذي كرامة وحرّية وسيادة.

يتأسّس البعد الإنساني في حراك الشّارع عند مستوى خلخلة بناء الجهاز العميق والمتجذّر لسلطة لم تستطع أن ترى ذاتها في مرآة الشعب إلى متنمّرة ومرتدية لبوس ذاتها فقط، فتضخّمت يوما بعد يوم، وأحالت كل منجزٍ إلى منّة منها على شعب لولا معرفته بأصوله لظنّ أنّه حطّ من كوكب هلكت الحياة على سطحه فوجد ملجأ في “الجزائر”، ولهذا تطالب السّلط العربية بتغيير الشعوب لتكون هناك شعوبا على الدّوام على مقاس أنظمة لديها مخطّطات جاهزة لممارسة سلطة تعتمد أساسا على المال.

تخلق أحيانا البحبوحة المالية الفضاء الأمثل لمثل هذه الأنظمة فتنتعش وتزدهر عصورها التي تظهر فيها الأيادي بادية للعيان وهي تختلس المال العام لا لتبني به حسابات بسيطة في بنوك بسيطة، ولكن لتشيّد امبراطوريات مالية عابرة للعالم وفي عواصم تدين لها تلكم السّلط بالدّعم والاستمرار في الحكم وإدارة شعوبها بالقهر والقوّة، ولو وظّفت تلك الأموال في تعمير بلداننا لكانت من أرقى الدول، إذ المصلحة الخاصّة تعمي البصائر عن رؤية شيء اسمه وطن، وكيان اسمه مواطن، كل ما هنالك وثن وصنم، وهو ما تحاول أن تنأى عنه فعاليات الحراك في عدم الاستجابة الفورية الآنية لمطالب تمثيل الحراك الشّعبي.

تَعمَّق الفهم لميكانيزمات الحراك التي تؤدي إلى تحرير الوعي والإرادة الشّعبيين وذلك بالمطالبة الدّائمة بعدم رفع أي علم سوى ذلك الذي يجمع كافة فئات الشعب ويمثل رمز الدولة، إنه العلم الوطني، ومنه كان عدم رفع أي شعار ذي طبيعة جهوية أو مناطقية أو عرشية، وهو ما جعل السّلمية تأخذ مكانها في الحراك كمفهوم تحريري للوعي بصورة واقعية تمثلت اليوم (22 مارس) في عدم حضور مباريات كرة القدم، ومنها مباراة مع فريق غامبيا، وبهذا فرغت الملاعب لتوفّر السبب الحقيقي الذي يفتح أمام الشعب والذات الوطنية أبواب الأمل، إذ كانت الملاعب كمخذّر بالنّسبة للجماهير لا يمكن أن تفوّتها مهما كان الظرف.

ما كان مثيرا فعلا للانتباه هو المبادرات الشبابية لتنظيف الشّوارع بعد كل مسيرة، وهو ما يكشف عن الوجه الأعمق والأنقى للمبادرة الوطنية الشّعبية الطالعة من رغبة أكيدة في التّغيير وكنس مخلّفات الماضي التي أعاقت الرّؤية والمسار بكل أناقة وجدّية والتأكيد على عدم حدوث ذلك خارج أطر السّلمية، وهو ما يجعل الحراك واعيا بكل ما تمثله المرحلة من خطورة وجب تجاوزها بكل عقلانية ومسؤولية.

لعل الملايين التي خرجت تطالب باستعادة هويتها كإنسان وككيان يريد ممارسة وطنيته ومواطنته في إطار وطن يحمل كل صفات الرّقعة الجغرافية التي تديرها سلطة تمثل فعلا الإرادة الشعبية ويملأها شعب يملك قراره وحرّيته ومؤسّسات تعكس معنى الدّولة المدنية الحديثة التي لا تتشكل سوى بعقد اجتماعي علني تلتزم فيه الأطراف باحترام بنوده، والعمل على أن يكون الهدف منه هو تحرير الإرادة لأجل أن يكون الوطن فوق كل اعتبار وتكون المسؤولية وليدة الصندوق والاختيار الشعبي هو الجسر الوحيد لبناء المؤسّسات.

لم يكن في يوم من الأيّام حلم الأجيال في وطني يتعدّى ما يحوزه الوطن من إمكانيات، ولم يكن حلم الأجيال متعلقا بمغانم الفرص الرّيعية، بل كان على الدّوام الحلم هو الحرّية التي هي مسكن الوعي بعد تحرّره من استعمار العقل والذات والوطن، لكن فساد الذّمم وضعف الإيمان أمام بهارج الحياة وزخرفها الزّائل، جعل فئة من النّاس تنحاز لأشخاصها ومصالحها الذّاتية وتغتني على حساب شعب بأكمله راح يعاني الأمرّين في سبيل أن يوفّر لقمتي الصّباح والمساء، في حين ابتلع ذاك الفصيل القناطير المقنطرة من خيرات الوطن الدّافقة من كل فجّ عميق.

لا تعليقات

اترك رد