مراحل التطور الجمالي في الأدب الشعبي العراقي


 
مراحل التطور الجمالي في الأدب الشعبي العراقي

في البدء لابد لنا من استعراض سريع لتأريخ الشعر الشعبي في العراق الحديث. كما هو معرف فإن الشعر ـ وخصوصا الشعبي ـ جزء من الشخصية العراقية. فهو رفيقهم ومتنفسهم في الأفراح والأتراح, في الزراعة والحصاد والصيد والبناء, في الغَزَل الرثاء, في طحن الرحى وتهيئة الطعام, في معظم احاديثهم وحل نزاعاتهم…
وكان في الأعم الأغلب يُكتب بشكل مربعات, والتي تُقرأ في الأغاني الشعبية, والمقام العراقي, والمراثي الحسينية. وهنالك ألوان مختلفة لهذه المربعات منها: الأبوذية, التجليبة, العتابا, الميمر, الأهزوجة. سوى الزهيري الذي يتكون من سبعة أبيات, والدارمي من بيتين, وهنالك نوع من الدارمي يتكون أربعة أبيات أو أكثر, وهو ما يسمى بالدوبيت:

ابكلبي سبع طرور طر امضى من طر
واحد من اكفى اهواي الواشي يفتر
والثاني يكولون غوج وتكنطر
والثالث يكولون من هذا واكثر..
إلى آخر من (الطرور) التي يستعرضها الشاعر, وربما لو كان حيا هذا اليوم, لكان هنالك في قلبه (طر) من داعش, من سبايكر, من البرلمان, الحكومة, وربما تتحول قصيدته إلى ألفية…
كان معظم شعراء هذه الألوان من الأميين والبسطاء, الذين يعتمدون على الحكايات التي يسمعونها في الدواوين والمضايف, ويعتمدون على إستلهام تجاربهم في الحياة ومعاناتهم وهمومهم وهواجسهم…
حتى ظهر في الخمسينيات الشاعر مظفر النواب بعمقه الأسري, ثقافته الواسعة, وعيه اليساري, حسه الوطني الكبير؛ فكسر قاعدة المربعات تلك. وكتب قصيدة شعبية أشبه بالقصيدة العمودية. كان ظهور مظفر النواب نقطة تحول في تأريخ الشعر الشعبي العراقي. وقد استخدام المفردة الريفية التي التقطها من خلال معايشته لأهالي الجنوب, ربما من خلال رفاقه الجنوبيين, وأيام الكفاح المسلح. لكن قصيدته كانت مدينة ـ إن صح التعبير ـ وهنا أقول مدنية مقابل ريفية. وأتصور أن الفرق بينهما واضح, كالفرق بين الأغنية البغدادية, والأغنية الريفية. كتبها بوزن واحد وقافية واحدة. ومن ذلك قصيدته المشهورة الريل وحمد, وغيرها من قصائده المغناة.

بعدها خرج من معطفه عريان السيد خلف, الذي كتبها بشكل أكثر تركيزاً, وأكثر سباكة, وأكثر ريفيةً, والتصاقاً بجنوبيته. وأنا هنا لا أتجنى على عريان, عندما أقول أنه خرج من معطف النواب, حيث قال لي: دخلت سجن رقم واحد في الستينيات, وكنت حينها طالبا في الصف الثالث متوسط, وأكتب بداياتي. وتعرفت هناك بمظفر, الذي كان حينها شاعراً ومناضلاً معروفا. وكنت أسمعه يدندن: مرينه بيكم حمد, وحن وآنه حن, وسرجنه الدم على صهيل الشكر يسعود وغيرها… فتفجرت طاقاتي الشعرية أكثر هناك. خصوصا عندما ظهر قرار بأن من يتبرأ من الشيوعية, يُطلق سراحه, ويُنشر اعترافه في الجريدة.

كانت والدتي تواجهه في السجن؛ فأوصاها والده ـ جدي سيد خلف آل مسافر ـ والذي كان رجل دين. قال لها قولي لعريان: إن أراد أن يتبرأ من الشيوعية, فإني بريء منه, لأن مبدأه هذا هو الذي اختاره, بمحض إرادته, وإن تخلى عنه تحت الضغط؛ فربما سيتخلى عن عرضه يوما ما, إذا تعرض لظرف مشابه.

تقول والدتي عندما ذهبت إلى السجن ـ وهي كانت تكتب الشعر أيضاً, وبمثابة أم لعريان, لأن أمه توفيت في وقت مبكر من حياته ـ كتبتُ له أبياتاً من ـ لون النعي ـ على ورق السجائر:
أدور بالجرايد وأجلبها.
وأكولن خاف لن خطك كتبها.
ومن أشوف إسمك أكول الورق بين جذبها.
ونقلتُ له وصية والده. فكتب عريان حينها:
هلي آخر مكاتيبي اكتبتها إلكم على الكاع.
إبنكم باعته الدنية ولا باع…

هكذا كان الشعراء يكتبون, وفي مثل تلك الظروف, وفي مثل هذه الروحية. وأعتقد أن هذه الأسباب مجتمعة بالإضافة لأسباب أخرى هي التي جعلت مظفر وعريان وكاظم يكونون شعراء الأمس واليوم وغداً. وكانت هذه الأبيات التي ذكرتها هي خاتمة إحدى أشهر قصائدة (قصيدة كبل ليلة). والتي تبدأ بمقدمة نثرية:

هلي كتبتلكم مكاتبي على وركات دفتر البافرة.
وردت واحد يوصلهن.
وكظن وحده ورا الأخره. دخان ترس صدري..
إلى آخر أبيات قصيدته المشهورة. التي عنون مجموعته الشعرية الثانية بعنوانها (كبل ليلة). وخرج عريان واستمر بالكتابة حتى قال عنه الدكتور جواد الطاهر: لقد أجاد وجود عريان السيد خلف في نهاية الخمسينات بداية الستينات: فارتفع بالقصيدة الشعبية من مصاف الشعبي السوقي, إلى مصاف الفصيح. وهذه شهادة كبيرة, من ناقد كبير.
وخرج من معطف عريان, الشاعر كاظم اسماعيل الكاطع, الذي جاء بقصيدة مدنية كما فعل مظفر, ومن السهل الممتنع, غير متلزم بالقافية الواحدة والسباكة الشديدة التي التزم بها عريان بصرامة. مركزاً على الصورة اللوحة والإيحاء. متأثرا بالشعر الانكليزي كما فعل السياب. بمعنى أنه ـ كاظم الكاطع ـ جمع بين لون مظفر ولون عريان وخرج بقصيدة كاطعية جديدة, لا تقل شأناً عن سابقتيها المظفرية والعريانية:
مدري بيا زمان تصير, حتى الصيف مامش بيه مشراكه
ومدري بيا زمان تصير, الحرامي يحلف المبيوك
والمبيوك يتعذر من الباكه.
فأصبح هؤلاء الشعراء الثلاثة في أعلى قمة هرم الشعر الشعبي العراقي الحديث. وماالوا شعراء ألامس واليوم والغد دون منازع…
ثم ظهر مجموعة من شعراء الأغنية العراقية: زامل سعيد فتاح وناظم السماوي وجبار الغزي وابو كاطع وآخرين… وتأثروا كثيراً بهذا الثلاثي المتفرد؛ لكنهم اختصوا باللون الغنائي؛ فتشكلت ظاهرة اصطلح على تسميتها: مدرسة الشعر الشعبي العراقي الحديث.
في السبعينيات صار هنالك نوع من التضييق, بسبب سيطرة البعث على السلطة والغاء الآخر… فلجأ شعراء ذلك العقد, إلى الترميز والتكثيف والقصيدة القصيرة, وكان من الأسماء البارزة في هذه القصيدة, شاكر السماوي ورحيم الغالبي: ( البوق وبنادم سوا يموتون لوماكو هوا ). وعلي الشيباني الذي اختص بقصيدة النثر الشعبية, التي كتبها قبله مظفر النواب في وقت مبكر, ولكنه لم يختص بكتابها. ولو عدنا الى قصيدة البنفسج لرأينا أنها سبقت قصيدة علي الشيباني:
يا حلم يا ليلة من ليل البنفسج.
يا عذر عذرين, ياشنهي وأحبك.
يا ميزان الذهب.
انا متعود عليك هواي ياسولة سكتي….

جائت حرب الثمانينيات والقت بظلالها على كل شيء والشعر ليس عن ذلك ببعيد. ولا أريد هنا أن أذكر أو أستعرض الأبواق التي روجت للطاعون الأسود. وسأجمعها مع فترة التسعينيات؛ فظهر رحيم المالكي وسمير صبيح, وشعرائنا المحتفى بهم اليوم. وربما يمكنني أن أدعي أني من ذلك الجليل؛ فقد بدأت بالكتابة تلك الفترة, ونشرت عام 1988 في جريدة الإتحاد أولى قصائدي, وكان سمير صبيح ورحيم المالكي وعباس عبدالحسن وآخرين ينشرون بداياتهم فيها.
في عقد الثمانينيات كان مظفر خارج العراق, وتصلنا بعضا من قصائده, وصمتَ عريان صمتا مطبقاً, واضطر إلى تغيير إسمه, وتغييب عنوانه, حتى عنا نحن اسرته واقرب مقريبه. اتذكر عام 1983 عندما توفى والده سيد خلف في مستشفى الكوت؛ فبحثنا عنه كثيرا لنخبره بذلك, وما وجدناه إلّا بشق الأنفس! وكان والدي يسأله تلك السنوات عن جديده؛ فيقول له نسيت الشعر, تركت الشعر, ويقرأ لنا بعضا من قصائده القديمة. لكن في نهاية الثمانينيات وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية وظهور جريدة الإتحاد, وبعد أن اطمئن النظام أنه قضى على معارضيه, قتلا وتشريدا وتهميشا والغاء, ظهر عريان من جديد بقصيدة نشرها في جريدة الإتحاد؛ فكانت مفاجأة كبيرة:

برد دم القصيدة ولاذت بسدي … كمر غبشه إنطفى وملكه الحزن عندي.
مناهت والندوب بركبة المجتول … وسمه ولا ثنتني ولا اعرفت حدي.

واسترسل بكتابة أروع قصائده: منها قصيدة القيامة التي كتبها عن أحداث الإنتفاضة الشعبانية, وقلبي على وطني, وصياد الهموم, والشاهد, التي صيرته شاهدا على عصره.
أما كاظم اسماعيل الكاطع في عقد الثمانينيات؛ فقد صم أذنيه أمام صيحات ضميره؛ فكتب لقادسية صدام المشؤومة, وأصبح رئيساً لجمعية الشعراء الشعبيين لفترة طويلة, وعادى صديقه القديم ورفيق الدرب السابق, حتى وصل به الحال إلى أن ادعى أن عريان كتب قصيدة (ما ترتاح) التي هجاه بها, ضد صدام, وكاد ذلك أن يودي بحياته لولا لطف الله.

تميزت قصيدة الثمانينات والتسعينيات نوعا ما بالعنف, واليأس والإحباط والذم, ربما بسبب ظروف الحرب والحصار, كما تميزت بتفجير الكلمات. قصيدة قد تسمعها وتعجبك لأول وهلة, لكن لايمكنك أن تسمعها مرة ثانية فتتذوقها. بينما الريل وحمد لمظفر, وأدك روحي نذر للجايب بشارة لعريان. وشمس بالليل للكاطع. يمكنك أن تسمعها الآف المرات وتتذوقها وتراها جديدة كل مرة.
حتى الغزل في هذين العقدين صار فارغا ومتسما بالعنف, بينما عندما تقرأ لعريان لا يمكنك أن تحدد بالضبط ان كان يتغزل في قصيدته بالحبيبة؟ بالقضية؟ بالوطن؟ فمفرداتها تنطبق على كل ذلك, وببراعة منقطعة النظير:
أرسم بالشوارع وجهك مرايات … تبره لكل كلب ماتاه بالنيات.
وأكتب عالجفوف اسمك هويه وصيت … تندله البشر من تكبر الغايات
واحبك للنفس لآخر وهج بالعين … حب فرحة وحزن ومصالح وزعلات. نشدوني اعله حبك حببتهم بيك … شافوك بدليلي تحل حلم وتبات.
نشدوني اعله لونك سمرتهم بيك … والليل انجمع كحله وغوه وشامات. ومادام العشك مامات … هيهات البعد البعد هيهات…
ومادمت اتحدث عن جيلي؛ فالبنسبة لي كتبت الشعر بسبب عريان وتركته بسببه. فقد كان حلمي عندما بدأت الكتابة أن أكون خليفة له في الأسرة على الأقل, لكني اكتشفت ان عريان لايمكن أن يتكررولايمكن أن يكون له خليفةً؛ فتركت الشعر وجربت الكتابة في اجناس ادبية أخرى كالمسرح والقصة القصيرة حتى توقفت اخيراً عند الرواية.

من هذا الجيل سأشير إلى ثلاثة أصوات شعرية متميزة, أعتقد أن قصائدهم ستستمر طويلا, مثلما استمرت قصائد مظفر وعريان وكاظم… حيث أن لكل واحد منهم لوناً خاصا به. لم يعتمدوا على المفردة العنيفة او تفجير الكلمات:
علاء الياسين: لم يكتب القصيدة كما كتبها عريان, بوزن النصاري والتجليبة. ولم يعتمد الكلمات الصعبة مثله, لكنها كانت رصينة كقصائد عريان, ومن السهل الممتنع كقصائد الكاطع. كتب علاء قصيدة هادئة غير منفعلة, بشكل واع لما يكتب, وربما استفاد كثيرا من دراسة الفلسفة:
آنه ياهو؟ آنه آنه, آأنه إنته…
وإحنه وي ذوله وهذوله نصير همه
وهمه ذوله الدلوا عله اجروحنه جيوش الملح
وهمه ذوله الكالوا اعله حسين لازم ينذبح….

أما محمد محسن؛ فقد كتب القصيدة الشعبية المنثورة, او المفتوحة, النوابية, الشيبانية. هذه القصيدة التي لم يتجرأ شاعر من جيله على كتابتها ـ حسب حدود علمي ـ فأجاد وجود فيها, وجرأته هذه تحسب له:
صيحني…
اشبيك إنته ساكت؟!
طفله روحي تخاف من ظلمة غيابك…

ربما كتب هذا اللون شعراء من الجيل الذي تلاه, لكنها قصائد لاتلفت الإنتباه. ولا أريد التجني عليها فاقول أنها هذيانات لا أكثر, وعدم قدرة على كتابة القصيدة الموزونة المقفاة.
أما حسين صالح فقد ركب المركب الصعب. في مدينة كالشطرة تتنفس الأبوذية, لا يوجد فيها شطري لايتذوق الأبوذية, أو يحفظها, او يكتبها, سواء كان شاعرا او غير شاعر. تزخر برموز الأبوذية الكبار, عبدالواحد الهلالي وهاشم فليح وعلي موسى حشيش والقاضي واخرين. يأتي شاعر شاب يكتب الأبوذية ويختص بها ويتميز بها ويبدع فيها, ويكون له لونه ونفسه الخاص… فأن هذا يُحسب له:
تعال الحك عليه كبل لاطم
روحي والدمع بالعين لاطم
تراني كل عزه بجفاك لاطم.
مهدل والعزه يلطم عليه.
أما جيل مابعد التغيير فسأترك الحدث عنه لمناسبة أخرى. رغم بعض الأصوات المتميزة فيه… فهو جيل مازال غير واضح الملامح أثر الإنفتاح عليه كثيرا… من خلال كثرة الفضائيات التي تريد ان تملأ الوقت ببث البرامج وأسهل ما في متناولها ـ ويجذب لها المزيد من الشاهدين ـ الشعر الشعبي, كثرة المهرجانات, التعبئة والتخندق الطائفي والسياسي والمناطقي والعشائري, وسائل التواصل الإجتماعي… حيث ادى كل ذلك الى استهال الكتابة في هذا اللون الجميل وأدى إلى تشويه ملامحه كثيراً…
وفي الختام لا اتمنى فقط, بل أتأمل أن يستمر هذا الثلاثي الجميل, نجوما مضيئة في سماء الأدب الشعبي العراقي…

ورقة ألقيتها في أمسية ـ قراءات في الأدب الشعبي ـ أقامتها جماعة أمارجي الأدبية في الشطرة, احتفاءاً بالشعراء الشعبيين: علاء حسن ياسين ومحمد محسن وحسين صالح.

نعيم ال مسافر
كاتب وروائي

لا تعليقات

اترك رد