سيركـ عمّار

 

النّاس تمشي سعيا و تمشي هربا أو ركضا لكن المواطن في بلدي يمشي ملَلًا.
هذا هو الوطن… عرسكـ في مسرح الدّمى المتحرّكة في كوكب القردة.
إنّه سيركـ عمّار، حيث لا مكان فيه إلّا للمهرّجين و لمحترفي الألعاب البهلوانيّة ولمروّجي الأوهام الإنتخابيّة و أحزاب. “بودورو” أو القفز على المراحل والتّوافق و التنافق و القفز على كلّ القيم و الأخلاق في وضح النّهار… سيركـ فيه حفنة من المتحذلقين على ذقون النّاس.

يضحكـون على شعب بائس جائع متسوّل يقع ترويضه على الغباء و يدمّر باسم الدّيمقراطيّة… وطن يسرقه الجميع و يصبح لقمة سائغة للعابثين.

وطن رائد منذ إصدار قانون إلغاء الرقّ في سنة 1846 يعيّر الأشخاص بلون بشرتهم…

وطن كان رائدا في التّعليم و الصّحة في دولة الإستقلال و أصبح ينتهكـ و يفضح في أشدّ القطاعات تحديثا بين التحرّش و السّرقات و الموت بالمجان و “الحالة تعبانة يا ليلى”. و التّوحّد مرض أصيب به كلّ الشّعب الكريم.

لقد بلغني أيّها الشّعب السّعيد أن مرشّحة أحد الأحزاب للرّئاسة تدخل منطقة اِنتخابية غير محظورة ممتطية صهوة حصان عربي أصيل على أنغام”طلع البدر علينا” وما أهلّه من بدر بدون تمام، وقائد بلا جيوش يعزف لحنه على نغمة الإصبعين”قائلا الوطن قبل الأحزاب و الأحزاب قبل الأشخاص” و الوضع مستقرّ و الرّؤيا واضحة، شبه منعدمة. وشعب جلوس كالسّلاحف و مشكلات الشعب الكريم مادّة أوّلية لإعلام يمارس قذارته ببرامج فضائحيّة حول الجنس و المال و السّياسة، واِرتفاع نسب المشاهدة…إعلام لم يَعدْ لهُ من لغة غير النّهيق. يسرقون ثقة الشّعب و ينهبون خيرات الوطن و يتسلّمون رواتب ضخمة، وفي النّهاية يُطالبون بتأمين مستقبلهم بمعاش محترم عند المغادرة. لصوص لا يملكون قدرا قليلا من الحياء، ثمّ يقولون الحكومة مُنهكة لا دور لها أمام الفساد. و الكراسي فيها تزهُو بالمؤخّرات و الدّولة تحتكر المنصّات و تبحث عن دواء ضدّ الشّخير. و تسعى لإقناعكـ بأنّ البراز لا رائحة له، بينما هي تمضى كلّ حياتها في المراحيض…فالزّعيم بلا دولة و الدّولة بلا مواطنين.

غيّر نجيب محفوظ عنوان روايته الجديدة “اللّصوص و الكلب” و الكلب مفرد في صيغة الجمع.

فعلاقة الحكومة بالشّعب بعيدا عن النّهضة نكاح متعة. و المتعة أن لا يجد المساكين الكادحين الغذاء و لا الدّواء، فينهكون و في اَخر النّهار يقبعون أمام وحوش الشّاشة يعبثون بلا رقيب، لنصاب بالوطن البسيط و باحتمال الياسمين… شعبنا صار رهينة… تركت شوارعها المدينة و أتت إليه لتقتله…

أمّا الاستحقاقات الانتخابيّة القادمة فستأتى لتعدنا بالعسل من مؤخّرة الدّبور…
صدرت الأوامر العليا:”نتحفّظ..نصادر..نحجب..نمنع…”

همست لنفسي”سأسافر إلى عاصمة الأنوار لأجلب هواءً سيِّئ السُّمعة لاَخر الصّعاليك…. سأجلب وحيد القرن هنا… لا سلام على من إستهلكونا، فأفقدونا ربيع الوطن و أهلكونا. و لم يسلم من شرورهم أحد. فالحمار ختنوه في سيركـ عمّار و كان من الأجدى أن يتركوه على رصيف الإنتظار. يا صديقي الودود.

وطنكـ هو تاريخ الجدود…أمّا النّظام فقد أكله السّوس في دولة ليست بدولة و إنّما هي ضيعة محروس…

لا تعليقات

اترك رد