حركات شعبية من أجل التغيير ومنطقة على صفيح ساخن

 

منطقة الشرقين الأوسط والأدنى بمضمنها شمال أفريقيا تحديداً، مازالت تلتهب مذ أول انطلاقة لحركات ربيع شعوب المنطقة. إنها منطقة على صفيح ساخن يمشي عليه الأبناء حفاة يتلوّعون ألماً وتخترق انتفاضاتهم وحركاتهم قوى من كل حدب وصوب إلا أن تكون قوى تنتمي لأهل الديار!

إنّ حقبة طوبلة انقضت على تلك النُظُم التي قبعت على كواهل الشعوب تمتص خيراتها وليس غير الفقر والأمية ومزيد جهل. لهذا جاءت تلك الانتفاضات منسجمة وتطلعات الشعوب التي ذاقت الأمرَّيْن ولم يعد أمامها من خيار سوى الثورة. وسواء جاءت تلك الثورات ردَّ فعلٍ على واقعة أو حدث أشعل الموقف ومن ثمّ كونها عفوية اجتمعت فيها الجماهير الغفيرة عن غير تخطيط مسبق أم جاءت كما يزعم بعضهم بتخطيط من قوى خارجية لمقاصد ومآرب أخرى، فإنّها ثورة تستجيب لأمل مكين في الأنفس في صنع ربيع التغيير من الديكتاتوريات إلى الديموقراطية.

لكن، ما الذي جرى وحصل!؟ إنَّ النُظُم الدكتاتورية صنعت تركيبة عميقة تستند إليها في مثل هذه الظروف كما أن فعل السحق للحركات التنويرية (الديموقراطية) قد قطع الطريق على التنظيمات القادرة على لملمة الأمور بما يستجيب للحراك الواسع ما يعني بالتأكيد، انتفاء وجود جسور الاتصال مع الشعب وعدم توافر فرص استيعاب الحراك وإمكان التحكم باتجاهاته، بخاصة في ظروف الفقر المادي ومن ثمّ عدم توافر الميديا أو الفضائيات التي تصل بصوت الديموقراطية بصورة سليمة تربط القيادة بجماهيرها…

بمقابل أعمق فرص الصلات بين قوى طامعة وذات مآرب بعينها من أطراف إقليمية واخرى دولية تستند لإمكانات مهولة من قدرات التسويق لمشروعاتها، وأخطر ما في الأمر جاء انهيار (مؤسسات) الدولة وأولها مؤسسة حملية الأمن الوطني فتح البوابات مشرعة للجماعات الإسلاموية المسلحة وهي بكل تشكيلاتها باختلاف ادعاءات تمثيلها أتباع هذا المذهب أو ذاك مجرد ميليشيات إرهابية بلطجت الناس وتحكمت بمصائرهم…

هنا انفلت زمام الأمور وبمجرد عسكرة الثورة انحرفت 180 درجة في اتجاهها وغاياتها وباتت صراعا شكليا بين إرهابي ميليشياوي ومؤسسات حماية الطغاة كما في النموذج السوري أو بصورة أخرى كما في النموذجين العراقي فالليبي حيث تفشي وباء الميليشيا ليس إخلالا بالأمن حسب، لكنه كذلك تدمير لوجود الدولة وتحويل للشعب إلى حصص يتقاسمها زعماء حرب مافيات الفساد وميليشياتها..

وعلى الرغم من انتفاضات الشعب العراقي المتعاقبة غلا أن تلك الانتفاضات كانت تتراجع [ولو مؤقتاً] بسبب عدم وجود رأس وطني محنك يتصدى للقيادة وبسبب انفراط عقد الجبهات الوطنية وتمزق تلك القوى إلى جانب ما تمّ ذكره من قبل. ومع هذا وذاك من الأسباب كان ضعف الاستراتيج السياسي والميل أو الانجرار لخطاب إصلاحي ترقيعي قد أوقع الأمور بانزلاقات خطيرة ولا حظي الشعب بثبات الموقف وجذريته ولا كسب فتات الإصلاح المزعوم إذ مازال الشعب يقدم القرابين تلو الأخرى بلا ثمن!!

اليوم هناك تجربتان بظرفين مختلفين في السودان وفي الجزائر وكلاهما أخذ الدرس من سابقاته فاتخذ مبدأ ((التغيير)) شعاراً لا يقبل أوهام (إصلاحية) مزعومة مدّعاة وتقدمت الصفوف قوى (علمانية ديموقراطية) لأن الهدف هو إطاحة النظام الإسلاموي في السودان وإقامة دولة ديموقراطية ومن هنا تجد الجماهير المنتفضة حذرة جدا من اي احتمال لظهور شعار إسلاموي أو عناصر إسلاموية..

ولقد سعت الحركة الاحتجاجية الجزائرية بوضوح وحزم إلى رفض أي عناصر من القيادات الإسلاموية ومنعتها من ركوب الحراك. كما أكدت الحرص على الدستور ومساره وليس على هدم (كل) ما سبق للشعب تحقيقه بنضاله وجهده ومنجزه.

لقد كانت مهام تجاوز سنوات الجمر ودحر قوى الظلام الإرهابية مهمة شعبية المنحى بالمقام الأول بمساهمة الجيش وقوى الدرك والمؤسسات المعنية ولهذا السبب فإن خارطة طريق المعارضة الحقة في الجزائر تنبه باستمرار إلى الشروط الدستورية من جهة وإلى التقدم والبناء على ما تمّ ويتم إنجازه رافضة الهدم والتخريب الذي يرافق أفاعيل الإسلام السياسي وظلاميات توجهاته سمةً تعريفيةً وهوية..

إن المنطقة بظروف انتقالية شديدة الحساسية، الأمر الذي يؤشر تنبيهات جدية لأي حراك كي يضبط بدقة خريطة طريقه منعاً للعسكرة واختراق من المجموعات التخريبية الإرهابية المسلحة مدفوعة الأجر مافيويا من قوى إقليمية و\أو دولية ومنعاً للأسلمة وركوب الحراك ومن ثمّ سرقته من قوى الإسلام السياسي الممثل للخلفية \ الأرضية الفكرية لحركات الإرهاب العنصرية الفاشية..

إنّ التمدد الإيراني التركي وبعض من يدور في الفلك من أقزام بالمنطقة، إنما يستند إلى استغلال العوامل (الطائفية) من جهة وعمقها (الديني) من جهة أخرى بمسمى الدعوة الإسلامية بمنطقة تؤكد عبر كل تجاريبها مثلما كل التجربة الإنسانية: أنّ الدين والسياسة لا يلتقيان إلا في حاضن فاشي إرهابي الأمر الذي لا يستقيم وتطلعات الشعوب للسلم الأهلي فضاء لإطلاق مهام إعادة إعمار الذات الوطني ومن ثم الشروع بحركة البناء والتنمية.

عليه، تنبه الشعب الليبي للتدخل التركي التخريبي على سبيل المثال ووقف مع قيادته وجيشه الوطني فتحررت بنغازي والشرق الليبي ووسطه وجنوبه وقريبا بفضل تعاضد مكين تتوحد ليبيا في ظلال قوة بناء وسلام بخاصة في ظل دحر التدخلات وما دفعته من ميليشيات إرهابية..

وكلما وعى شعب بالمنطقة وكشف خطر الإسلام السياسي وقواه بأجنحتها (السياسية) وبالتأكيد بأذرعها الفعلية الأساس (الإرهابية) المسلحة استطاع أن يدحر الأعداء وأن يتقدم نحو استعادة الاستقرار والشروع ببناء الدولة العلمانية الديموقراطية…

إن الأوضاع ستستمر في التهابها وإدامة إبقاء صفيحها ساخناً حارقاً طالما بقيت قوى إسىموية عنفية الطابع ممتلكة جوهرها ميليشيات مسلحة بصور شتى حتى منها التي شرعنوها بقوانين كما فعلوا في العراق بمسمى الحشد وكذلك بالدمج ممن وضعوهم في قلب الجيش والشرطة تحسبا لتفكيك الميليشيات وإدامة لوجودهم المسلح للبلطجة والإجرام التصفوي..

إن بلدان المنطقة بحاجة لاستراتيجية تفرضها الشعوب وحركاتها التنويرية على السلطات كيما تحمي (الأمن القومي) بجهد تكاملي وبجسور علاقات وطيدة تتصدى للتدخلين التركي الإيراني وكذلك للقوى الإقليمية والدولية الأخرى وتحيل العلاقات غلى علاقات بناء وتبادل مصالح بدل استنزاف البقرة الحلوب…

وينبغي أبعد من ذلك استثمار الانتصار المصري واستقرار البلد الأكبر إقليميا لتعزيز توجهات شعب ليبيا لمزيد اقتراب من الانتصار للديموقراطية وبناء الدولة الحديثة..

إنّ اللعبة الأخوانية التي باتت تركب الموجة لا تخدم عقيدة مؤمن بدين بل على العكس تستغلها أبشع استغلال فتشوه الدين ونصوصه المقدسة الحقيقية مثلما يتفشى وباء خطابها السياسي العنفي التخريبي بمظلات تتماشى واللعبة بكل بلد.. وهي تستند إلى ما نهبته من أموال وسطت عليه من فضائيات كي تسوق لعبتها الإجرامية كرهاً وسط الشعوب..

فلتحذر القوى الشعبية وحركاتها الاحتجاجية من الخطر الأول ممثلا باختراق أو ركوب حراك من طرف الإسلام السياسي الذي ينبغي حظره منذ اللحظة كي لا يكون العقدة في منشار الفصل بين زمن وزمن فلن يبدأ زمن الشعب والديموقراطية خياراً بوجود الإسلام السياسي ولكن إرادة الشعب تنتصر باستقلاليتها وعلمانيتها وتنويريتها الفكرية ..

وكيما يبرد صفيح المنطقة يجب لجم قوى الأخونة وكل أشكال الدعوة الإسلاموية التي تزيف حقيقة مرادها الكامنة في استنزاف الشعوب واستعبادها بوساطة التستر بالتدين والعاقل يدري بجكمة ألا لقاء بين الدين والسياسية ولا بين الدين والدولة..

تلكم هي الجركات الشعبية تتقدم باتجاه وقف طلاسم التدخلات سواء منها بالمجموعات العنفية الإرهابية وعسكرتها المجتمعات وحركاتها أم بلجم التدخلات ورفض بيع صوت الناس فصوت الناس بكل شعوب المنطقة لا يباع كما ضمائر نخاسي مافيا الاتجار بالأوطان والشعوب..

تذكروا تجاريب العراق، سوريا، ليبيا، اليمن وحددوا اتجاه البوصلة بعيداً عن قوى الأسلمة الظلامية الإرهابية، من الدعوة الإسلامية الزاعمة شيعيتها وولاية سفيهها أم الأخوانية الزاعمة سنيتها وأضاليل خلافتها ..

إنّ الخيار ترسمه خريطة طريق دقيقة تبني على ما مضى بإنهاء ثغرات الماضي ومعالجتها بنيويا لا هدميا تخريبيا فكل الخطابات الراديكالية المندفعة عنفاً لا تخدم إلا مزيد فرص اختراق وعسكرة وتمزيق ومن ثم هدم وخراب!!

فهل وصلت الرسالة يا أهلنا؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد