اَلْهَدَفُ الدَّقِيقُ خَفِيٌّ وَلَطِيفٌ


 

أنا رجل بيداغوجيّ تعوّدت أن أرسم أهدافي بدقّة، أن أقدّر حظّها من التّحقّق، أن أتّبع المسار القاصد الموصل إليها. عندما أقصد السّوق الأسبوعيّة لأقتني حاجات الأسرة أذهب رأسا إلى مظانّها الّتي خبِرتُ وجرّبتُ بعد أن أكون رتّبتها على خطّ الذّهاب أو الإيّاب. لا أكاد ألتفت يمنة أو يسرة إلّا لأجتاز طريقا تُخشى مفاجآتها أو لأبلغ الوجهة الّتي أريد. يندر أن ألبّي دعوة أحد الأقارب لجلسة في المقهى متعلّلا بكثرة المشاغل وضيق الوقت. والحقّ أنّني لا أريد أن أغيّر البرنامج الّذي سطّرت لهذا اليوم. لا أهتمّ بالتّطلّع إلى البضائع المعروضة المختلفة ألوانها وأشكالها وأنواعها ووظائفها، ولا بتعرّفِ أثمانها ولا يخطر ببالي أن أقتني شيئا لم أفكّر مُسْبقا في اقتنائه. قد يكون المعروض جميلا أخّاذا يَجْمُل في عيني ويُغريني بشرائه ولكنّني لا أفعل لأنّه ببساطة لم يكن ضمن أهدافي. وكم أضيق بمرافقة زوجتي وهي تتجوّل في المعارض والأسواق متصفّحة ألوان المعروضات، ممّا لا نحتاج إليه، متوقّفة عند تفاصيلها حتّى يفسد عليها تأنّيها استحثاثي.

أنا رجل بيداغوجيّ لا أذهب – ساعات الفراغ – إلى المقهى علّني أجد صديقا أو جارا أو أحد أبناء حيّي أتقاسم معه وقتا وحديثا وحياة بل عليّ أن أرتّب للقاءاتي تلك مُسبقا؛ أحّدّد توقيتها وموضوعها وأتخيّر جُلَسائي.

عندما أتحاور مع زملائي وأصدقائي أحسن الاستماع وأحسن الكلام؛ جمل قصيرة واضحة هادفة لا حشو فيها ولا استطراد. وعندما تتشعّب شُعب الحديث كثيرا ما أشرد عنها مفكّرا في موضوعات تشغلني أو في مهامّ تنتظرني وعليّ الاستعداد لها.

عندما يجمعني السّفر برفاق الطّريق لا أسعى لمحاورتهم وتبادل الآراء في شؤون الحياة والنّاس لأنّي اختصرت الحياة والنّاس في درس أقدّمه لتلاميذي وفي أشخاص يتوقّف عليهم إنجاز درسي، ولأنّي لم أفكّر في إمكانيّة أن تتقاطع السّبل الّتي نسلك أو أن تكون سبيلٌ أفقا لأخرى. وقد أسمع لآرائهم وأحتفظ برأيي لأنّ هدفي هو منتهى الطّريق لا مساربه وحناياه ورفاقٌ أحملهم ويحملونني.

أنا رجل بيداغوجيّ أؤمن بأنّ النّجاح في أيّ عمل رهين وضع أهداف دقيقة أتخيّر السّبل الموصلة إليها. ولكن ألا تحرمني الأهداف الدّقيقة من فرص الاكتشاف والمغامرة، ومن روعة الدّهشة والمفاجأة، ومن لذّة خرق السّبل المسطورة والسّير على غير منهج؟ ومن سحرِ أن تحملك الحياةُ عفوَ سجيّتها ومجرى حوادثها؟

لعلّي وأنا أختصر الحياة في أهداف عليّ بلوغها كمن يحبس نفسه فلا يرى من أوساع الحياة إلّا ما تتيحه له كوّةٌ جعلها في الجدار. ولعلّي لا أدرك ما أرى على وجهه الصّحيح لأنّني وقفت منه على جانب وأخطأت جوانبه الأخرى.

تٌرى كم صديقٍ قديمٍ أو زميل دراسة فاتني لقاؤه والجلوس إليه، وكم صُحبةٍ رائعة ضيّعتُها وأنا أحصي خطواتي إلى هدفي المنشود؟، تُرى كم حديث حميم ورَحِمٍ عاطفةٍ أخطأتُ سماعَه وبرَّها وهما أوّلُ الحاجات الّتي بها الحاجات؟، تُرى كم جَمالٍ في وجوهٍ كادحةٍ ذاتِ أخاديدَ، وأيادٍ عمولٍ ذاتِ غُضونٍ تَعرض بضاعةً

لعلّك لا تحتاجها ولكنّك تحتاج أن تعرف حظّ البضاعة الّتي تريدُ من صدق بائعها ومن حذقه وصناعته وذاك طِيبُها الّذي لا يَهْديك إليه تقليبُها بين يديكَ ولمّا تتصفّحْ وجوهَ العارضين ونداءاتِهم يُغرون بها، ولمّا تُنصتْ إلى حوارات أو معابثات تنشأ بين الباعة والمتسوّقين، ولمّا تكافحْ هذه البضاعة بتلك، جمالٍ يصُدّك عنه غرضُك الّذي استهدفتَ استغرق فكرَك ونظرَك فلم يسنح لك خاطرٌ. وما أضيع الحياة الّتي تحُول أهدافُنا فيها دون اكتشاف تفاصيلِها الّتي تنجم في الدّروب، ودون خواطر النّفس تجول! كم حديثٍ عابرٍ لو أقبلتَ عليه لوجدته يُخبر عنك؛ يَعرض تجربةً خضتَ، أو يمتحنُ رأيا رأيتَ، أو يستبق فعلا عزمتَ عليه، أو يُهديك حكمة تستهدي بها في الطّريق إلى حاجتك. كم تفصيلٍ صغيرٍ هو المعنى الصّميم الّذي به بلوغ الغاية وبه تمام الجملة.

أيّها القارئ لا يشغلنّك التفاتي منتقلا من التّكلّم إلى الخطاب فإنّي أراك في نفسي وأراني فيك. وبك ومعك أبلغ هدفي.

وهَبْكَ استهدفتَ في درسكَ خواصّ النّادرة جنسا أدبيّا وانتهيتَ إلى عديدِها تَعُدُّها أَتُرَاك أصبْتَ هدفَك وتلاميذُك لا يستملحون النّادرةَ ولا يضحكون؟ وهبْك جعلت استجلاء معاني الوطنيّة في قصيدة هذا الشّاعر هدفا لدرسك أتُراك تستطيع جلاءها وأنت تقصر نظرك على النّصّ في الكتاب ولا تلتفت إلى نصوص الحياة حولك تنبض في تلاميذك؟، وهَبْك قصدتَ السّوق لشراء شيءٍ من التّفّاح ووجدتَ ثلاثة من الباعة يُشهِرون ذاتَ النّوع وذات السِّعر؛ هذا ينادي: التّفّاح بكذا، والآخر: ذُق التّفّاح ولا تشتر، والثّالث: التّفّاحُ الّذي فاح أتُراك تلبّي حاجتك فتمتلئ بها بقطع النّظر عن البائع الّذي باعك؟.

وصلتُ التّفّاحَ بالدّرس لأنّهما جميعا عندي من فواكه الحياة. وأضيف تفصيلا صغيرا: التّفّاح على الحقيقة والمجاز.

إنّ هدفا يقصر نظري على الشّجرة ويحجب عنّي الحقل، يريني طريقا واحدة لا تشرُد عنها مسالكُ طُلَعَة، ولا تؤوب إليها سُبلٌ مُغامِرة، هدفا يَعْشى عن الفرع الّذي به قوام الأصل وعن الهامش الّذي به بيان المتن هو هدف لا يوصلني إلى الغاية الّتي من أجلها كان الهدف. والغاية الأسمى هي قوّة الحضور في الحياة فعلا وانفعالا، أخذا وعطاء. وهي الامتلاء بالحياة تضاعيفِها وتصاريفِها وتفاصيلِها. وإذا تأمّلتَ وجدتَ حياتنا وكلامنا الّذي هو حياتُنا آخذا بعضُه برقاب بعض؛ متونا تستدعي هوامشَها كما تستدعي الأصولُ فروعَها والجملةُ تفاصيلَها والكلماتُ ظلالَها والفكرةُ أفهامَها، والواقعُ أخيلتَه، والصوتُ أصداءَه.

من المهمّ أن تحدّد هدفا ولكن الأهمّ أن يكون مرنا ومفتوحا، أن يكون جزءا من هدف أبعد وقصد أسمى، أن يغتني بالحياة وهو يسلك دروبَها يريد أن يتحقّق، أن يتحاور مع الوقائع والنّاس، أن يحرّر الذّاتَ ولا يستعبدها.
من المهمّ أن تحدّد هدفا في الدّرس وفي الحياة ولكن احذر أن يحيد بك عن الحياة. وهذا هو الهدف الدّقيق: خفيٌّ ولطيف.

أَتُرَاك فهمتَ عنّي وأنا أدعوك إلى وضع أهداف دقيقة؟

لا تعليقات

اترك رد