احداث نيوزيلاند .. إدارة أزمة أم علمانية متفوقة

 

احداث نيوزيلاند .. إدارة أزمة أم علمانية متفوقة

طالعتنا مشاهد متعددة وغير تقليدية وأخلاقية وتضامنية بشكل يكاد يكون كاملا مع ضحايا الحادث المؤلم الذي أودى بحياة العشرات من المسلمين أثناء تأديتهم لطقوسهم الدينية. فقد قامت رئيسة الوزراء والشعب وخصوصا النساء بلبس الحجاب في اماكن العمل والمدارس وقراءة بعض الآيات القرآنية في البرلمان والإستشهاد بحديث نبوي ودعم المسلمين اثناء صلاة الجمعة اللاحقة بعد الاعتداء عليهم. مما يضعنا بالتالي أمام سؤال جوهري وهو: هل ما قامت به نيوزيلاندا ومسؤوليها هو نتاج لقدرتهم على إدارة الأزمات السياسية والاجتماعية؟؟ أم أنها العلمانية التي تضع مفاهيمها ونتاجاتها وقيمها أمام أي أزمة تطال المجتمع. وهنا، في نيوزيلاند، لم تكن الأزمة عابرة أو بسيطة، ولكن تشكل في الواقع ازمة حديثة تطال تلك الدولة الهادئة والمعروفة بتنوعها واختلافاتها الدينية والعرقية. وقد أطلقت وسائل الاعلام النيوزيلندية على الحادث بأنه ارهابي وعنصري، لا يطال المسلمين فقط، بل يطال المدينة المعروفة بتسامحها وعلمانيتها أمام المهاجرين من مختلف الأديان والأعراق، وهو ما دفع المسلمين بالتالي الي التضامن مع النيوزيلنديين وابتلاع حزنهم أمام ما شاهدوه من ردة فعل في حادثة انسانية راقية تعبر عن أن الارهاب مرفوض تماما تحت أي حجة فكرية او دينية أو سياسية أو عنصرية. ولم تتوقف الإدانة لهذا الفعل البشع على نيوزيلندا فقط بل اجمعت العديد من الدول والشخصيات والهيئات والشعوب المحبة للسلام عن تعازيها وحزنها لما أصاب الأبرياء في حادث المسجدين، معتبرين بأن مثل تلك الحوادث إنما تهدد التعايش والتضامن بين البشر من مختلف الخلفيات.

إن ادارة أي أزمة مجتمعية تنطلق من عوامل عدة، لكن أهمها، وهو ما فعلته رئيسة الوزراء جاسيندا أردرن وهو التواصل التضامني التام مع المجتمع المحلي للمسلمين، ثم اتبعته بالجدية في معاقبة الجاني وتقديمه للعدالة، أي إننا أمام إعلام رسمي شارك في دعم المسلمين عبر كشف الحقائق بشكل سريع وحيادي. ولهذا نجحت رئيسة الوزراء

في تحقيق التضامن الشعبي وايصال رسالة هامة لكل مواطنيها بأنها عاقدة العزم على حماية مواطنيها من مختلف الهويات. فالدولة النيوزيلندية تعتمد أساسا في عملها على المهاجرين ودورهم التنموي في تقدم البلاد وازدهارها، ولهذا فإن أي اعتداء على أي فئة هو بمثابة اعتداء على الجميع.

لقد كشفت سياسة رئيسة الوزراء حقيقة بأن لا حل للمشاكل التي تواجه العيش المشترك إلا الالتزام بالتعايش العلماني ودعم الاختلاف السلمي، وأن لا سبيل لمواجهة تحديات التنوع الديني والثقافي إلا المضي في صيانة واحترام وتطوير هذا التنوع انطلاقا من القاعدة السياسية الراسخة في المجتمعات العلمانية والتي تقول إنه لا علاج لمشاكل الديمقراطية إلا بالمزيد من الديمقراطية. لقد ذهبت رئيسة الوزراء الي أبعد مدى في تعاملها مع الأزمة، إذ اعتبرت نفسها ضحية طالها الأذى ولم تتوقف للحظة باعتبارها من ذات الإثنية التي ينتمى اليها القاتل وهي العرق الأبيض. فرفضت أي تهاون معه بل رفضت حتى نطق اسمه حتى لا يشعر بأي انتصار معنوي أو رمزي بتداول اسمه من قبل المسؤولين. وهذا التصرف والفعل إنما يدل على حصافة سياسية ومقدرة كبيرة في إحتواء مثل تلك الأزمات التي تنجح، إذا لم يتم احتواءها، بظهور وبروز ردات فعل عكسية تطال الجميع بالأذى والموت والألم.

تعتبر رئيسة الوزراء جاسيندا أردرن نفسها ملحدة ديمقراطية تقدمية اجتماعية بعد أن تخلت عن مذهب المورمونية المسيحي لتصادمه مع حقوق المثليين الذين تدعمهم بشدة، بل وظهرت معهم مؤخرا في مسيرة دعم لموقفهم وحقوقهم المشروعة في صورة انسانية رائعة تقدمها رئيسة وزراء مرتبطة عاطفيا وغير متزوجة ولديها طفل وقد خرجت لتوها بل وخلعت الحجاب الاسلامي لتتضامن مع فئة أخرى من مواطنيها.

أمام هذه الأحداث والمواقف السياسية والاجتماعية، تنتظرنا الإجابة على سؤال المقال، فهل فعلا أن السيدة جاسيندا أردرن استطاعت ادارة الأزمة بنجاح ومهنية، وقد حدث

هذا فعلا؟؟.. أم ان العلمانية الديمقراطية بكونها منهجية الدولة وطريقة الحكم وايمان الحكام والشعب بها قد جعلت من الأزمة وعلاجها حلا سهلا وطريقة علمانية أساسا في احتواء المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الواحد؟؟.. في الحقيقة أن العلمانية وبكونها محايدة تجاه الأفراد ومعتقداتهم، قد استطاعت التأثير على رئيسة الوزراء ذات ال 38 عاما واتخاذ تدابير عادلة وآمنة وقانونية وأخلاقية لمعالجة الأزمة، وقلما يحدث هذا بالمقابل لو كان المعتدي مسلم قد تعرض بالأذى على الآخرين. فلم تشهد مجتمعاتنا العربية والاسلامية أي تعاطف مع الحوادث التى تودي بحياة المسيحيين والملحدين والمثليين والشيعة والبهائيين وغيرهم من الأقليات التي تتعرض للقتل باسم الاسلام. إذ قلما نرى أو نسمع إدانات لمثل هذه الأفعال ناهيك عن التضامن بحمل الصلبان أو اشعال الشموع أو تلاوة الإنجيل في البرلمان أو رفع الترانيم وغيرها في الاعلام الرسمي كما حدث للمسلمين في نيوزيلندا بتعاطف تام مع معتقدهم وطقوسهم الدينية. وهو ما يجعلنا نؤمن تماما بأن العلمانية الديمقراطية التي تستقر عليها نيوزيلندا هي الضامن الأول في الدفع نحو السلام والتعايش، وهي الأساس والعروة الوثقى التى يمكن أن تخفف وتلغي أي صراعات طائفية أو عنصرية نتاج الهويات البدائية. فالعلمانية اليوم لا تعني الانحياز أو التعنصر أو الكراهية، بل دفعت رئيسة الوزراء الي لبس الحجاب وفي اليوم الثاني دفعتها الي دعم مسيرة للمثليين في بلادها انطلاقا من أن الوطن الواحد للجميع هو المستقبل لكل الأفراد بكل اختلافاتهم الفكرية والدينية والالحادية والثقافية.

عبدالعزيز القناعي

لا تعليقات

اترك رد