حوار مع أركيولوجيا الزمن ـ 2 ـ

 

“غنائم حرب”٭

(…) ستعرف مصلحة الفنون المحلية تطورا ملحوظا مع مجيء بروسبر ريكارد Prosper Ricard(1874ـ1952)، الذي وصل إلى الدار البيضاء في ربيع عام 1913. وسيتعاون مع جوزيف دي لا نزيير وجان جالوتي والرسام الاستشراقي غابرييل روسو Gabriel Rousseau (1885ـ1953). (…) ومن تم قسمت مصلحة الفنون الجميلة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، فأسندت المآثر التاريخية والقصور وصيانة الإقامات وبناء وتجهيز المتاحف إلى المهندس المعماري إدموند بوتي Edmond Pauty(1887ـ1980).

تم توزيع فنون السكان المحليين Les arts indigènes والمحافظة على المتاحف وصيانتها إلى ورشات عمل فنية وتعليم مهني، يسيرها كل من بروسبر ريكارد وجوزيف دو لا نيزيير، بمساعدة خمسة مفتشين إقليميين، جميعهم أعضاء في جمعية الرسامين والنحاتين المغاربة التي أنشئت في العام 1922، L’Association des peintres et sculpteurs marocains، [أول جمعية فنية أنشأت بالمغرب]. وعين كل من الرسام الاستشراقي جان بالدوي Jean Baldoui (1890ـ1955) مفتشا إقليميا بالرباط ومارسيل فيكير Marcel Vicaire (1893ـ1976) بفاس وهو رسام وحفار Graveur وزَّواق Illustrateur، في حين التحق الرسام ذو الأصل الجزائري أزواو ماميري Azouaou Mammeri(1890ـ1954) بمراكش والرسام والكاتب ألكسندر ديلبي Alexandre Delpy بمكناس.

لقد تم إرساء تدابير التصنيف المتعلقة بالمدن خلال العشرينيات. (…) فانطلاقا من عام 1922،نُشِرت الظهائر التي بموجبها تم تصنيف المدن العتيقة كمواقع خاضعة للحماية الفنية. فكانت أولها مدينة سلا لأنها الأقل عرضة لاستيطان المعمرين الأوروبيين. (…) وتقرر تصميم المباني الجديدة طبقا للطراز المحلي. فمثلا يُسمح بالفتحات الخارجية [نوافذ أو شرفات] شرط ألا تطل على المباني المجاورة فتكشف لأعين المتطفلين عن حميمية العائلة المسلمة. (…) وتقرر أيضا أن تتوافق،معماريا وجماليا، المباني التي سيتم إنشاؤها في المدن الجديدة، مع معمار المدن العتيقة، واستغني عن الأسلوب المورسكي الجديد Néo mauresque الذي كان سائدا في الجزائر، وصممت البنايات الجديدة بأسلوب رصين يستمد روحه من طراز البيوت المغربية التقليدية. وفيما يتعلق بمراقبة المنشآت في المدن الجديدة ذات الطراز الفرنسي، كانت مصلحة الفنون الجميلة تتعاون مع القسم الخاص بالهندسة المعمارية الذي كان يديره المهندس المعماري هنري بروست Henri Prost(1874ـ1959). فتم إنشاء لجنة استشارية للمباني المدنية تهتم بمراجعة المشاريع والموافقة عليها. (…)

(…) اهتمت مصلحة الفنون الجميلة والآثار والمعالم التاريخية بتصنيف وحفظ وترميم المآثر التاريخية. وكانت الأسوار وبواباتها ومباني الحبوس مثل المدارس الدينية، أول ما لقي العناية نظرا للأهمية الفنية والتاريخية التي تميزها. فتلك التي تقع بسلا وفاس ومكناس نمطها المعماري والزخرفي مريني الأصل، من القرنين الثالث عشر والرابع عشر، بينما المدرستين العتيقتين الموجودتين بمراكش وسلا تنتميان لنمط الدولة السعدية (القرنين الخامس عشر والسادس عشر).

تحدد المادتان 3 و4 من ظهير 13 فبراير 1914 شروط تصنيف المباني. فإذا كان النصب ينتمي إلى الدولة، فإنه يصنف مباشرة بواسطة ظهير، كما هو حال مدرسة ابن يوسف بمراكش التي تم جردها كموقع تاريخي بظهير 28 يناير 1916. وفي حالة مغايرة يتم إصدار قرار وزاري بعد شهرين من البحث، قبل إصدار ظهير التصنيف. وخلال مدة التشخيص، يزور موظفو مصلحة الفنون الجميلة الموقع لجمع معطيات عن المبنى المستهدف، ومن تم يقوم المهندسون المعماريون بتنفيذ رسوم وبيانات تخطيطية، ثم يصور الموقع لتحديد المناطق المتضررة، ويشرع بعد ذلك في عمليات الترميم، حيث يتم تجديد الديكور من قبل الحرفيين المحليين المعينين من قبل إدارة الفنون الجميلة، ينجزون قطعًا زخرفية مشابهة للقطع الأصلية. لهذا، تم إنشاء ورشات عمل خاصة لتلقين فنون التزيين الخاصة بالعصور الموحدية والمرينية والسعدية، اعتمادا على المحفوظ من النماذج فيالمتاحف التي أنشئت لهذا الغرض في كل من الرباط وفاس ومراكش ما بين عامي 1915 و1925. وتبين الصور الفوتوغرافية التي التقطت في عام 1915 عمق وخطورة التلف الذي عرفته مدارس فاس. فسقوف المدرستين البوعنانية والعطارين كانت حالتها جد سيئة، مما تطلب ترميم السطح وتدعيم القبة وإعادة تصميم الأفاريز …

مبدأ الترميم الذي اعتمد كان دائما متطابقا في مساره، متأسسا على دعم الجدران الحاملة وإعادة بنائها والأسقف والقباب. وعرفت واجهات الأفنية أكثر التعديلات مع تجديد الزليج، والجص،والخشب المنقوش والرخام. وشملت هذه التدخلات التقنية المدارس القديمة والقصور والفنادق (Fondouk) والبوابات (…) وفي عام 1913 أقدمت مصلحة الفنون الجميلة بالرباط على استعادة زخرفة ثمان نوافير تتوزع على سوق لغزل [سوق الصوف]، وشارع سيدي فاتح وزنقة لجزا وزنقة السويقة، وزنقة القناصلة، وسوق الصباط [سوق الأحذية] وحي بوقرون.

فالبحوث التي أنجزها الأوروبيون تحت الحماية الفرنسية/الإسبانية على شكل دراسات وتحاليل ومدونات Corpus وبيانات حول الفنون التقليدية المحلية عربية وأمازيغية، حضرية وريفية/بدوية، كالزرابي والفخار والأواني النحاسية والجلد والنسيج والوشم… والحرف التقليدية بشتى أنواعها والعمارة والمخطوطات، والدراسات المختلفة الاتجاهات حول المآثر المعمارية كالمساجد والقلاع والمدارس العتيقة والقصور…وتقارير الحفريات الأثرية، كلها “غنائم حرب” تفند مثل تلك المزاعم، البعيدة عن النظرة الحيادية والتحليل المنهجي والنقد الموضوعي. فهي إرث، مهما اختلفت توجهاته الجيوسياسية ونزعاته العرقية، يبقى مصدرا هاما لكل باحث موضوعي. فكما نفخر بالأعمال الفنية التي تركها الفنانون الأوروبيون مثل دولاكروا وماتيس وماجوريل وبونتوا وبرتوتشي وغيرهم، ونعدها من التراث الفني المغربي، ولا أحد يتجرأ على نبذها، بل يتنافس أصحاب المال على اقتنائها، فحري بنا كذلك أن نفخر بما كتبه الإنسان الأوروبي، بعين فنية، حول المغرب وحضارته وفنونه، فليس من أخلاقيات البحث العلمي أن ننبذ متون بروسبير ريكار صاحب كتاب Corpus des Tapis Marocains ،وشارل تيراس صاحب كتاب Médersas du Maroc، واللائحة طويلة. ويكفي ما تزخر به خزاناتنا الوطنية بالرباط أو غيرها من المدن من وثائق ومستندات بعضها مازالت كما تركها أصحابها على هيئة مخطوطات، وإن لم تعمل مؤسسة المتاحف والأرشيف على نسخها إلكترونيا فسوف تتآكل وتضيع، فتضيع منا ذخائر هي جزء من ذاكرتنا الفنية والثقافية، وإن بطَّن بعضها بعضا من السلبيات والشوائب.

إن الباحث في مجالات الفن والجمالية المغربيين لا يجد ضالته إلا في تلك الوثائق التي دونت خلال مرحلة الحماية، أي ما بين سنتي 1912 و1956. لماذا؟

لأن ما تم تدوينه خلال تلك الفترة أنجز من طرف أشخاص متخصصين، كانوا يحبون المغرب، كما صرح بذلك العديد منهم، لجأوا إليه هربا من الحرب المدمرة التي شهدتها أوروبا آنذاك، واستقروا به. أشخاص كانت لهم عين ثاقبة تنفذ إلى ما وراء الظاهر، لتتجاوز أفكارهُم الوصفَ والسرديات الأدبية. فهم يتحدثون عن الألوان والأشكال والفضاء والأبعاد والتناسق والتضاد والإيقاع…يتحدثون عن مكونات العمل الفني، بمنهجية التوصف والتصنيف والتحليل، مستعملين مفردات من صميم قاموس الفنون المهتم أصلا ب “عالم الفن المستقل”، وبدلالة الأشكال، وكانوا يتسلحون بمناهج البحث العلمي، يصنفون ويرتبون ويرممون ما سقط بين أيديهم. فهم ليسوا بالفقهاء كما حال كتاب مغرب ما قبل القرن العشرين، الذين اقتصروا على السرد الوصفي والحكي الإيديولوجي، يرفعون عاليا ما شيده السلطان في زمنهم ويطرحون أرضا ما دونه.

هوامش ومراجع:
٭ “غنيمة حرب” هي قولة للروائي الجزائري، كاتب ياسين (1929ـ1989)، وهو يقصد اللغة “الفرنسية غنيمة حرب”.

– Théliol Mylène. Le Service des beaux-arts, antiquités et monuments historiques, clef devoûte de la politique patrimoniale française au Maroc sous la résidence de Lyautey(1912-1925). In : Outre-mer, tome 98, n°370-371, 1er semestre 2011. Le contactcolonial dans l’empire français : XIXe-XXe siècles. pp. 185-193-
– Mohamed Sijilmassi – L’art cotemporain au Maroc, Ed. ACR, Paris 1989

– Pierre Aubree, l’œuvre de la France au Maroc de 1912 à 1950, Ed. Africaines perceval, Rabat
– Rémy Beaurieux- l’exposition des artistes indigènes au musée des Oudayas, Maroc illustré, 1ère année, N° 3, 20 février 1930.
– Toni Marain, Ecrits sur l’art, Ed. Le Fennec, Casablanca 2014
– t111-le-maroc-artistique
– Réginald Kann – le protectorat marocain, Berger- Levreaux éditions, Paris 1921
– Khalil M’rabet- Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed/ L’Harmattan, Paris 1987

لا تعليقات

اترك رد