أوربا على طبق ساخن … وهوة عميقة على ضفتي الأطلسي

 

وجه الشعبويون المناهضون للاتحاد الأوربي ضربة كبيرة لرئيس الوزراء الهولندي مارك روتة بعد أن أصبحوا أكبر حزب في مجلس الشيوخ في 21/3/2019، واستقالات جماعية من حزب العمال في بريطانيا أكبر حزب معارض في بريطانيا بسبب إدارة زعيمه جيرمي كوربن لبريكست واتهامه بعدم التحرك في مواجهة معاداة السامية الموجودة داخل الحزب، ويعتبرون أن هناك محاولات من اليسار المتطرف للسيطرة عليه، حيث يريد عدد من أعضاء حزب العمال ونوابه في البرلمان أن يتولى زعيمه كوربن زمام المبادرة لمنع بريكست قبل أن ينفذ الوقت، والبعض الآخر من الأعضاء متشبثين أيضا بأنهم لن يستطيعوا أبدا أن يدعموا فكرة الاستفتاء، لكن الأمين العام للنقابة العمالية لين ماكلوسكي أكد أن وقف بريكست ليس الخيار الأفضل، ومحاولة البعض الدعوة لاستفتاء جديد يؤدي إلى تهديد النسيج الديمقراطي.

وحدد كوربن في خطاب له خمس شروط لدعم ماي في خطتها لبريكست، وهي ضرورة أن تتضمن اتحاد جمركي دائم وشامل على مستوى المملكة المتحدة يكون له مشاركة في الصفقات التجارية المستقبلية، والتوافق مع السوق الموحد مدعوما بالمؤسسات المشتركة، والانحياز للحقوق والحماية بحيث لا تتراجع المعايير البريطانية عن تلك الخاصة بالاتحاد الأوربي، ومع التزامات واضحة حول مستقبل مشاركة بريطانيا في وكالات الاتحاد الأوربي وبرامج التمويل، وأخيرا وجود اتفاقات لا لبس فيها حول مستقبل الترتيبات الأمنية مثل استخدام مذكرة التوقيف الأوربية.

تواجه بريطانيا أكبر أزمة سياسية في نصف قرن في ظل ما تعانيه من مصاعب كيفية الخروج من التكتل الذي انضمت إليه عام 1973، ولا يزال المشرعون البريطانيون في طريق مسدود خاصة بسبب بند شبكة الأمان في اتفاق الانسحاب من أجل إبقاء الحدود مفتوحة بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ايرلندا في حال لم تتمكن بريطانيا والاتحاد الأوربي من الاتفاق على اتفاق تجاري على المدى البعيد.

وصرح النائب المؤيد لبريكست جاكوب ريس من أن مغادرة شبكة الأمان أصعب من مغادرة الاتحاد الأوربي، ويعتبر كثير من النواب أن هذا يعتبر فخا يبقي بريطانيا في الاتحاد رغم البريكست، لذلك طلبت بريطانيا من الاتحاد الأوربي تأجيل موعد البريكست إلى 30 يونيو 2019 وفق البند 50 من معاهدة لشبونة، لكن هناك ضغوط أوربية على البرلمان البريطاني للموافقة على اتفاق بريكست، وفرنسا ترى أن الكرة في ملعب بريطانيا، والمستشارة الألمانية تريد خروج منظم، وبروكسل اقترحت تمديدا لموعد الخروج حتى مايو 2019.

قلق أوربي من سياسات ترمب وروسيا والصين وإيران، وهناك هوة عميقة بين ضفتي الأطلسي، تبدأ بالأمن في الشرق الأوسط أرادت أمريكا الانسحاب من شرق سوريا وأن تحل محلها قوات أوربية أي أننا راحلون وأنت باقون، لكن أوربا رفضت هذه المعادلة، وأكدت إما باقون جميعا أو راحلون جميعا، فعادت أمريكا التراجع عن قرار الانسحاب والبقاء مرة أخرى، وهناك خلاف بين ضفتي الأطلسي حول التجارة خصوصا بعدما اعتبر ترمب أن استيراد السيارات الأوربية تهديد للأمن القومي اعتبرته ميركل المستشارة الألمانية يثير الرعب.

ترمب منزعج من قرار فرنسا وألمانيا وبريطانيا السماح للشركات الأوربية بمواصلة عملياتها في إيران رغم العقوبات التي فرضتها أمريكا بعد الانسحاب الآحادي من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع إيران عام 2015.

كذلك أميركا منزعجة من خط أنابيب الغاز نورد استريم 2 الروسي الأماني الذي يجري بناؤه، ويعتبر ترمب أن أكبر قوة اقتصادية أوربية رهينة لروسيا، لكن هناك تسوية لسفراء الدول الأعضاء تسمح لبرلين بمواصلة المفاوضات مع روسيا بشأن أنبوب نورد ستريم 2 لنقل الغاز إلى أوربا من خلال وضع شروط صارمة للمشروع من خلال تطبيق القواعد الأوربية على أنابيب الغاز التي تشارك فيها دول أخرى مثل روسيا.

حيث تم بناء 800 كيلو متر مجموعة غاز بروم الروسية من أصل 1200 كيلو متر، ويبلغ الطول الإجمالي لخط الأنابيب الذي يمر عبر مياه فنلندا والسويد والدنمرك 1230 كيلو متر، ومن المتوقع أن ينتهي المشروع نهاية 2019 الذي ينقل الغاز مباشرة من روسيا عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا بموافقة عديد من الدول الأوربية وممانعة الولايات المتحدة وأوكرانيا وبعض دول شرقي أوربا لإيقاف المشروع، وحرب أنابيب الغاز هي الوجه الآخر للصراع في الشرق الأوسط ضمن لعبة جيوسياسية.

الصين تفتح ثغرة أوربية، وإيطالية تصادق على مبادرة الحزام والطريق، وواشنطن وبروكسل تحذران من دبلوماسية فخ القروض لبكين، وروما تتجاهل تحذيرات واشنطن وبروكسل، وترد بأن مذكرة التفاهم فيها ما يكفي من ضمانات لمصالح إيطاليا وشركاتها، والرئيس الصيني يصطحب في زيارته لإيطاليا في 21/3/2109 معه وفدا يضم 500 من مديري الشركات.

وواشنطن تحذر من هيمنة الصين على العالم، وتحذر من فخ الديون واستثمارات الصين في الخارج، وواشنطن قلقة من غزو الصين العالم الغربي في عقر داره بمشروع الحزام والطريق.

بريكست والسترات الصفراء في باريس وغزو الصين وروسيا لأوربا، تطرح سؤالا مهم جدا عن مصير النيوليبرالية التي امتدت من 1980 إلى 2018 التي كانت العصر الذهبي وشهد سماسرة وول ستريت السيطرة الحرفية على أركان الحكومة الأمريكية، وأعادوا بناء العالم بناء على تصورهم، وكان من ألمع الأدمغة في إدارة ريغان هما دون ريغان و نيكولاس في تأمين القرارات الرئاسية أولا بأول، وتصدر مايكل بلومبرغ الريادة في تطوير مفهوم التقنيات المالية الحديثة، والذي أصبح من الأثرياء فيما بعد ثم تولى عمدة مدينة نيويورك لثلاث فترات متتالية.

عملت أيديولوجية الأسواق المتميزة على تحويل اقتصادات أميركا اللاتينية وشرق أوربا، مستثمرة بيروقراطية الاتحاد الأوربي والأحزاب العمالية في كل من باريس ولندن وبرلين، وتم احتفاء هذه الدول الثلاث بديلور كنموذج يحتذى من قبل أمثال غيرهارد وتوني بلير وغوردن براون وفرانسو هولاند وحتى ماكرون ولا يزالوا تحت رعاية نائب ديلور جان كلود يونكر الذي كان مساعدا لديلور في صياغة معاهدة ماستريخت بالاتحاد الأوربي.

لكن الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد العالمي وخاصة الغربي عام 2008، وبعد التيسير الكمي وتدابير التقشف على المعاقل الصناعية الكبرى في أمريكا وفرنسا وبريطانيا، لكن كانت النهاية تصويت على الخروج البريطاني، وانتخاب ترمب، وحركة السترات الصفراء وتوغل الصين وروسيا إلى قلب القارة الأوربية، فهناك حزام صدأ الأميركي الشهير قد وجه ضربة قاصمة لنموذج ديلور ورؤيته التي يرونها ساذجة وشديدة التبسيط للعالم، والتي يرون في هذا النموذج بساطة شديدة يمكن حل المشكلات عبر فتح الحدود بين الدول وتعميق التكامل والتلويح بالعصا السحرية.

هناك اتفاقات جديدة بين الولايات المتحدة والصين التي تضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار حتى ولو كانت مصالح وطنية ضيقة، وبروز منظرين جدد مثل إدوارد إن لوتواك وهو مؤرخ عسكري ولكنه تحول إلى أحد أهم الخبراء في الاستراتيجية الاقتصادية، رغم أنه غير معروف في أوربا، لكن يهتم البيت الأبيض بكتبه، إضافة إلى صناع السياسات والمستثمرين المؤسسين من وادي السيليكون، وأفكار لوتواك تدور حول أهمية الجغرافيا الاقتصادية، التي سخر منها أيام بوش الإبن ومن أمثال نيكسون وديك شيني الذين يهتمون بالجغرافيا السياسية ذات المرتكزات العسكرية.

يبدو أننا ندخل مرحلة جديدة من النظام العالمي الجديد والتي تتسم بتنافسية القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاستخدام الصريح للأدوات الاقتصادية المتاحة في بلوغ الأهداف وتحقيق الغايات الاستراتيجية ومن شأن ذلك يفرض على العالم إعادة هيكلة القوانين والمؤسسات العالمية.

مشاركة كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا عام 2014 في تأسيس بنك الصيني للاستثمار الآسيوي لمشاريع البنية التحتية وانضمت استراليا عام 2015 تعتبر البداية لمرحلة جديدة فرض على الولايات المتحدة تغيير كثير من استراتيجياتها، وقادت إلى انتخاب ترمب لقيادة هذا التحول الذي لا يمكن تجاهل هذه التطورات الجغرافية الاقتصادية المصيرية.

ما جعل بنس نائب الرئيس الأمريكي تعزيز رؤية الهند والمحيط الهادئ الأميركية التي يعتبرها ترمب خطة طموحة تقودها الشركات وليست الجهات البيروقراطية، لقد بدأت اللعبة الكبرى الجديدة بقيادة الجغرافيا الاقتصادية الجديدة.

لا تعليقات

اترك رد