بين التسامح والثأر ماذا نختار من الخطابين المتضادين فكرياً منهجياً ؟

 

بين التسامح والثأر ماذا نختار من الخطابين المتضادين فكرياً منهجياً ؟
أي نموذج نعتد به ونتبناه ؟؟

في الأيام الأخيرة طفا في فضاء اشتغالاتنا ووجودنا خطابان جسدا الموقف من الأحداث الجارية، ففي ضوء الجريمة الإرهابية بنيوزيلندا كان هناك من يبحث عن كل فرصة لتبرير ردود فعل انفعالية تتجاوز الغضب والرفض والإدانة لتدخل في إطار تبرير البحث عن رد ثأري انتقامي على طيقة يا ثارات أناس او أجيال عاشت قبل أكثر من ألف عام خلت! لكن كان أيضا رائع التفاعلات الحكيمة لدى آخرين ممن حمل خطابا نوعيا متمسكا بإنسانيته..

وبين من بحث في كل أشكال التعبير التي تجسد قيم التسامح والتعايش السلمي واحترام الآخر بنطاق ثقافة التنوع، وبين من بحث في الخطابات المتشنجة ظهر طرف يريد الخير والسلام وطمأنة الأمور لكن صياغته انزلقت بغير قصد نحو ما يثير الانقسام والتخندق على خلفية التركيز على الخشية من التداعيات والخوف من معاجلة ردود الفعل باتجاه سلبي عنفي غير محسوب العواقب..

في هذا الإطار يمكننا بل تفرض علينا الأحداث والقيم النبيلة أن نقف بإجلال لشخصية فاعلة تبنت خطاب التهدئة ونزع فتيل الانفعال وتداعياته. إنها السيدة رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن التي تستحق منا حملة لمنحها وشعبها ما يستحقون تجاه مواقفهم السامية تلك.

وأنا هنا أود التوجه بمعالجتي تكريسا للقيم السامية باتجاه خطوة عملية فعلية متسائلا عن رؤى قرائي بحملة تدعو لمنح رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن جائزة دولية مثل نوبل للسلام أو أي تكريم أممي مساهمة في دعم ما تنهض به وشعبها في جهود نشر الطمأنينة وثقافة التنوع واحترام الآخر وقيم التسامح وسلوك الأنسنة لا التوحش والهمجية ومنطق العنصرية والتمييز العرقي وغيره..

إنني أدعو جميع مناصري منطق العيش بمبدأ (الوحدة في التنوع) إلى تسجيل دعمهم للحملة توكيدا لقيم الأنسنة ولتلك الشجاعة والجرأة والاستثنائية في التفاعل مع الحدث بسلامة وصواب وحكمة..

نحن بحاجة لهذا الموقف كي نوقف مسلسل بعض من يفرضون وجودهم زعماء بالتسويق الإعلامي فيما كل ما يفعلوه هو مزيد ارتكاب حماقات وتوتير وشحن وإثارة الاحتقانات والتخندقات وصب الزيت على حرائق أشعلوا فتيلها بمنطقهم كما فعل أحد زعماء الأخوان المسلمين وعديد من أشباهه..

ولهذا فإن صوتي على تواضعه يقول عالياً وبقوة: صوتوا هنا بشجاعة وإيجابية لنشر ثقافة احترام الآخر لا التخندقات والتقاتل وإذ تواصل السيدة رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أردرن مواقفها الشجاعة الجريئة والمتضمنة أسمى رسائل أنسنة وجودنا والدفاع عن ثقافة التنوع واحترام الآخر، وتكريس قيم مكافحة العنصرية والتمييز. فإن ندائي لا يتحدد بمنطق ضيق للتكريم بشهادات الاحترام والتقدير وحتى أعلى أوسمة حركة نشر قيم التسامح والإخاء الإنساني بل إن ندائي يبجث عن مزيد نشر تلك القيم السامية وثقافتها لأننا بسباق مع العنف ووحشيته.

إنّ ما ضربته تلك القائدة النيوزيلندية من نموذج وأمثلة عملية في إجراءاتها يدحر خطابات متشنجة على ضفتي التشدد والتطرف بخاصة تلك التي أطلقها زعماء سياسيون أخوانيون وأشباههم.. دع عنك (بعض) سقطات (تنويريين) أشرت للتو إليهم، اندفعوا بصياغات لا تتلاءم والمؤمل فيهم حيث واجب إعلاء قيم التسامح والتهدئة.. وأن يكون الحذر بأعمق ممارسات الأنسنة السامية، كما شهدناه فيما فعلت السيدة رئيسة وزراء نيوزيلندا عن قناعة فكرية فلسفية ومبادئ تحملها لا عن أية دوافع أخرى..

إنني إذ أتوجه بمعالجتي اليوم للتطبيق العملي بنموذجين نراهما يوميا هما في السيدة أردرن والسيد أردوغان وشتان ما بين تصريحاتهما وأفعالهما فإنني بهذا لا أقف مع شخص وادين آخر ولكنني أقف مع فلسفة وأدين اخرى ، أقف مع نشر الأولى وتنحية الثانية بخاة في أجواء وسياقات تحتاج شعوبنا وجالياتنا كافة وبلا استثناء أو تمييز لثقافة تطمين الثقة بين جميع الأطراف.

من هنا أتوجه بتحيتي وبشهادة تقدير وفخر واعتزاز إلى هذه القائدة بكل من وقف معها وخلفها من أبناء الشعب ومن جموع الإنسانية عالميا وإنني أنحني أيضاً لتلك الفعاليات البهية المشرقة التي نهض بها النيوزيلنديون حتى يومنا تضامنا وتفاعلا وتوكيداً لرفض الجريمة ومنع تكرارها بأي شكل..

أنتم تستحقون أوسمة الإنسانية بعصرنا وأنتم اليوم من صنع جائزة جديدة تتشرف بها نوبل للسلام والتعايش بين الشعوب والأمم وينبغي لفنانينا أن ينحتوا لوحاتهم ونصبهم اليوم لهذه المواقف لتقديم لمسة مساهمة أمام رائع إشراقات ما أكدتموه من توجه..

أجدد النداء لنضع ما نهضتم به دروساً نضيفها لقائمة تلزمنا بواجبات الأنسنة بصورة بهية كالتي فعلتموها.. وأتمنى أن نتنادى باتجاه تلكم الثقافة وتعميقها ونشرها بعالمنا ليحظى الإنسان بتلكم القيم والسلوكيات التي تعتد به وتراه الثابت المقدس الأول الذي ينبغي أن نحميه ونحفظه ونقدم له جهودنا تلبية لحقوقه وحرياته ولعلاقات تسمو بأطرافها بمبادئ العدل والمساواة والإخاء.

إنني لأنبه مَن عالج الحدث الجلل في نيوزيلندا على ضرورة أخذ العظات والعبر والدروس من تلكم السياسة وفلسفتها في كل خطوة وفي كل صياغة خطاب.. وانظروا، إن أسلوب التعبير وطريقة اللبس والطقوس التي مورست تعبيريا جماليا ثقافيا والمشاطرة والمواساة وطريقة التضامن والأداءات بمجملها كلها تستحق وقفات منا ودعما واجبا ملزما إنسانيا.. وقارنوها وإن بألم وحزن مع أشكال إعلان الحداد ونداءات التعازي بموضع ومكان آخر صادف قريبا من ذات التوقيت..

إن المصداقية هي رديف التسامح فيما الكذب والدجل هو رديف العنف وما وراءه من فساد بكل اشكال مخرجاته الإجرامية..

هلا أخدنا العبرة والدرس؟؟؟

لا تعليقات

اترك رد