الدستور طريقة حياة

 

إن الدستور من حيث المبدأ ليس قرآنا وإنما طريقة حياة تسير عليها الدول ويحدد المبادئ التي تلتزم بها الشعوب من أجل صالح الوطن. إن الرقابة على دستورية القوانين تعد أهم وسيلة لضمان احترام الدستور، يختلف محتوى الدستور وطبيعة ارتباطه بالنظم السياسية والقانونية بين البلدان؛ لذلك ليس هناك تعريف شامل وغير متنازعٍ عليه للدستور، ولكن من المرجح أن يضم كلّ دستورٍ بعض السمات، ومنها ما يأتي:

أن يكون ملزماً لكلّ فردٍ في البلد، بما في ذلك مؤسسات القانون العام. أن يتعلق ببنية وعمل المؤسسات الحكومية والسياسية، وحقوق المواطنين.

أن يستند إلى الشرعية العامة. يكون تغييره أكثر صعوبةً من القوانين العادية، فالاستفتاء مطلوب، ولتغيير القانون يجب الحصول على ثلثي الأصوات. أن يتوافق مع المعايير الدولية المعترف بها للنظام الديمقراطي، من حيث تمثيل حقوق الإنسان.

يقوم الدستور بوضع القوانين والتشريعات التي تعمل على تحديد الهوية والطبيعة السياسية للدولة ونظام حكمها وطرق الحكم فيها مثل أن كانت دولة ملكية أو ملكية دستورية أو نظام برلماني أو نظام جمهوري أو نظام شبه رئاسي حيث انه يقوم بتنظيم أدوات تداول السلطة بمفهومها العام وأيضاً يقوم بتنظيم السلطات الثلاثة الأساسية في أي دولة من حيث اختصاصاتها وكيفية تشكيلها وطبيعة مهامها وما لديها من أدوات وسلطات وأيضاً تحديد علاقتها بالدستور بشكله العام كما انه يعمل على تشكيل شكل العمل الأساسي لأنظمة الحكم وأيضاً يقوم برسم وكيفية تنظيم وإدارة الدولة وفلسفة حكمها .

يعتبر الدستور هو المرجع الأساسي لكافة القوانين والتشريعات حيث يراعي فيه ألا يكون هناك تعارض أو تنافي أو تداخل بين قوانينه وسلطاته وهو في المقام الأول لكل القوانين والتشريعات في أي نظام سياسي كما انه يقوم بتوضيح وشرح أبعاد الحقوق الاجتماعية والقوانين الاقتصادية الحاكمة للأفراد وتوضيح دور الدولة في تنظيم اقتصادها بما يتماشى مع سياستها من خلال الدستور والعمل على تحقيق التوازن بين مصلحة الأفراد والدولة مع الالتزام بأسس السياسة الخاصة بالدستور كما انه يحتوي في تعريفاته وتشريعاته على وضع قوانين وتشريعات تعمل كضمان أساسي لحماية المجتمع والدولة ولغتها الأساسية ومرجعيتها السياسية.

أن نشأة الدساتير قد تتباين وفقاً للظروف التي يوجد فيها كل دستور، وهذا بالتالي يعتمد على النظام السياسي القائم ونوع الحكم السائد في البلاد. ومن ثم فقد مرت عملية نشأة الدساتير بعدة مراحل: المرحلة الأولى كان الملوك ينفردون بالسلطة التأسيسية من الناحية القانونية وهو ما أطلقنا عليه أسلوب المنحة، المرحلة الثانية وهى المرحلة التي تبرز فيها جهود الشعب عن طريق هيئات تعمل باسمه لحمل الملوك على الاعتراف بحق الشعب في المشاركة في السلطة التأسيسية، وهو ما يعرف بأسلوب التعاقد، المرحلة الثالثة وهى مرحلة انفراد الشعب بالسلطة التأسيسية وهو أسلوب الجمعية التأسيسية، والذي قد أدى إلى ظهور أسلوب الاستفتاء الدستوري، في الحالات التي لا يباشر فيها الشعب بنفسه السلطة التأسيسية ويوكلها إلى هيئة أو لجنة مختصة، تضع مشروع الدستور الذي لا يتحول إلى دستور إلا بعد موافقة الشعب عليه في الاستفتاء العام. ويجب الأخذ بعين الاعتبار عند البدء في وضع مسودة الدستور تجنب الاعتماد على أسلوب أو اصطلاحات معينة ومحددة مثل أساليب العقد أو التعاقد أو المنحة، وينبغي أن ينصب جهد اللجنة التأسيسية على دراسة حقائق نشأة الدستور في ضوء الظروف السياسية التي صاحبت نشأته في المجتمع. والثابت فقهاً أن أسلوب الاستفتاء الشعبي لا يكون إلا بشأن موضوع محدد لإقراره، ومثاله الاستفتاء بشأن تغيير شكل نظام الحكم أو الاستفتاء على مشروع الدستور. إذ ينبغي قانوناً أن يكون الانتخاب المباشر من الشعب هو الأداة الشرعية لاختياره واستفتائه فيه بالموافقة أو الرفض.

إن العلاقة بين كتابة الدستور وبناء الدولة غير واضحة كذلك المبررات لتمسك المجتمع الدولي بأن تقوم الدول الحديثة النشأة بتبني بعض المعايير المتفق عليها دولياً والمتعلقة بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان وتبني مبادئ الحكم الصالح. إن ظاهرة “عولمة السلطة الدستورية” وإن ارتبطت بظاهرة أخرى مفادها الإشارة إلى إلزامية القانون الدولي والمعاهدات الدولية في الدساتير الوطنية، إلا أنها قد تكون خطيرة من حيث احترام ثقافة الشعوب وخصوصياتها، من حيث اللغة والدين والتاريخ.

التزم الدستور المصري المعدل بسمات النمط شبه الرئاسي فيما يتعلق بوجود رئيس جمهورية منتخب هو الرئيس الأعلى للسلطة التنفيذية، وبوجود رئيس للوزراء ووزراء مسئولين أمام البرلمان.

واحتفظ الدستور للبرلمان بوظيفتي التشريع والرقابة على الحكومة. حيث نص الدستور على حق مجلس النواب في الموافقة على جميع التشريعات، بغض النظر عما إذا كانت مقترحة من رئيس الجمهورية أو من مجلس الوزراء أو من أعضاء مجلس النواب، كما احتفظ الدستور لمجلس النواب بالحق في إقرار الموازنة العامة للدولة وفي تعديلها، وفي إقرار الحساب الختامي للموازنة العامة.

تضمنت الدستور الساري 42 مادة مستحدثة أبرزها مادة حول التعذيب تؤكد على أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم وأخرى تتحدث عن حظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم.

واستحدثت مادة تؤكد تلتزم الدولة بالحقوق والحريات الواردة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والتي تصدق عليها مصر.

تضمن مادة مستحدثة أخرى تنص على التزام الدولة بحماية قناة السويس والحفاظ عليها بصفتها ممرا مائيا دوليا مملوكا لها، كما تلتزم بالتنمية المستدامة لقطاع القناة باعتباره مركزا اقتصاديا عالميا متميزا تحت إشراف الدولة.

وإحدى المواد المستحدثة أيضا نصت على التزام الدولة بوضع خطة قومية شاملة لمواجهة مشكلة العشوائيات تشمل توفير البنية الاساسية والمرافق وتحسين نوعية الحياة والصحة العامة، كما تكفل توفير الموارد اللازمة للتنفيذ خلال مدة زمنية محددة.

للمرة الأولى ينص الدستور على منح المرأة حق التعيين في الهيئات القضائية دون تمييز، وتؤكد على أن الدولة ستعمل على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسبا في المجالس النيابية على النحو الذي يحدده القانون. وتضمن مادة جديدة تلزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

ونصت مادة أخرى مستحدثة على ضرورة أن يراعى في فرض الضرائب أن تكون متعددة المصادر. وتكون الضرائب على دخول الأفراد تصاعدية متعددة الشرائح وفقا لقدراتهم التكليفية. كما نص الدستور على حق البرلمان في إقرار مشروعات القوانين التي يعترض عليها الرئيس بأغلبية ثلثي الأعضاء؛

ونص أيضا على ضرورة موافقة مجلس النواب على المعاهدات التي يبرمها رئيس الجمهورية، وعلى إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة. ولا ريب في أن الدستور الحالي المعدل جهد بشري يخضع للمراجعة والتعديل، مثله في ذلك مثل أي دستور آخر صاغه بشر؛ وقد نص الدستور على طريق تعديله؛ ومن حق المصريين تعديل مادة أو أكثر من مواده، من خلال اتباع الإجراءات المنصوص عليها في الدستور نفسه. ولا يحق لأحد من أعضاء اللجنة التي صاغت مشروعه، أو من غيرها أن يصادر الحق الدستوري لرئيس الجمهورية أو لخمس أعضاء مجلس النواب في طلب التعديل، وللأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس في الموافقة على طلب التعديل، ولثلثي أعضاء مجلس النواب في الموافقة على النصوص المعدلة، ولأغلبية المصريين في إقرار التعديلات التي يرونها.

لا تعليقات

اترك رد