((رِحلة في عبَّارة الموت))


 

مَضى عامان وهم خلفَ النافذة ينتظرون إشراقة الشمس، اللهفةُ لربيعٍ يُلبسهم أثواباً واحلاماً ملونة ، لقد طووا الصحفَ القديمة ، ليبدأوا فصل حكايةً جديدة ، تناسوا كلَّ ما حدث ليعيشوا بسلام….إنهم كعصافير مدينتهم ينتظرون هدوء العاصفة ليعاودوا الطيران والزقزقة .

اليوم هو 21أذار 2019إنه عيد الربيع وعيد الام النسمات رقيقة والشمس ترسل اشعتها الذهبية ستخرج العائلة لرحلة عبر القارب الكبير( العبارة) الى جزيرة ام الربيعين وسط دجلة فقد افتتحت ابوابها بحلة جديدة والكل سيذهب هناك ليستمتع بجمال الطبيعة ومدينة الملاهي….. ،يحرك الاب السيارة منطلقا الى شارع الغابات ،المنطقة السياحية الوحيدة في المدينة ورغم ان اشجارها متعبة وعليها بعض اثار الحرق والقطع والاهمال بسبب الحرب ولكنها وافرة العطاء تلبس حلتها الخضراء احتفالا بزيارة الربيع.

قطع الاب التذكرة للعبارة(1000دينار عراقي لكل شخص)اتخذ مكانه قرب السياج الايسر والام قربه حاملة بين ذراعيها الطفل ذي العامين اما البنت ذات الخمس سنوات فقد امسكت بيد والدها مبتهجة فكل شيء تمام تنظر للماء ما اجمل المكان ، الالعاب و الاشجار على الضفة الاخرى ،المركب يمتليء بالناس ويزدحم اكثر فاكثر

ينادي احد الركاب ضجراً لا يوجد مكان يكفي ما هذا الزحام سنختنق لا تدخلون احد، ولكن هناك عدة عوائل وصلت توا ولابد انهم قطعوا التذكرة ،المسؤول عن (العبارة ) يفتح لهم الباب الحديدي ليلتحقوا بالجمع الكبير ويصيح بأعلى صوته هل يوجد احد لم يركب سينطلق الان!!!!

غصت المكان بالأجساد انه يفوق قدرتها على الاحتمال فهي تسع كأقصى حد 100 راكب لكن عددهم عبر المئتان وخمسين ، قُرع الجرس تحرك القارب ….. أخيرا وسط ملل الركاب وانتظارهم الطويل في هذه الزحمة القاتلة تزحزح ورغم كثافتهم واختناق انفاسهم كانوا سعداء تتعالى ضحكاتهم وكلماتهم والبعض يأخذ صور سيلفي وسط دجلة ، يستأنسون منظر السماء والشجر وهدير النهر ،المركب يتحرك ببطء شديد …… يضعف رويدا رويدا امام قوة الجريان وحين وصل الى نصف المسافة …..استسلم فأنقطع الحبل السميك (حبل الحياة )…فترنح وأختل التوازن ومال الى جهة اليمين تسرب الماء وعلا ليغطي الاقدام، الكلمات والضحكات توقفت وسط ذهول يطبق على الجميع ، خلف اللحظات يزحف الموت ،الاحساس يتجمد والمشاعر ترتجف أسئلة كثيرة ولا يوجد اجوبة ماذا سيحدث هل ستغرق مثل باخرة تايتنك ؟ من سيرسل المراكب لينقذنا ؟

النهر يضربهم بقسوة ، الاب ظل ممسكا السياج بكل قوته ، والام ترتجف تمسك ذراعه ، ابنته تبكي ،تتكور تحت قدميه وتتشبث بقماش بنطلونه، يتأرجح المركب فيسقط الطفل من يد الام وينجرف الى الحافة اليمنى ويسقط عددا اخر من النساء والاطفال فوقه تصرخ الام وتفلت يد زوجها تنزل لتلتقط ابنها من الجهة المائلة التي تغطت بالمياه…تعرج يد الاب اليها لكنها سرعان ما أختفت وسط حشود الاجساد ……المركب يميل اكثر واكثر الماء يغطي نصف المركب ، (لقد قدم احد موظفي سد الموصل قبل يوم تحذيرا في بعض وسائل الاعلام من ارتفاع منسوب مياه دجلة بسبب فتح ابواب السد فقد زاد الضخ نتيجة امتلائه بماء الامطار ولكن لم يعلم بهذا الخبر احد )

مواكب الاجساد تتدحرج فوق بعضها وجوه شاحبة وصرخات تدوي في السماء انه يوم عسير النهر ثور هائج فُتحت له أبواب القفص فانطلق بكل قوته يعلو ويهبط كأرجوحة في مدينة الملاهي يبتلع الاجساد ويبعثر الضحكات يرميهم بعيدا …اما الربيع فانه يمسك فرشاته ليخلط الوان قوس قزح بالوان الدم والموت… يوما ما سيسجل التاريخ ان الربيع ودجلة اشتركوا لأتمام جريمتهم في وضح النهار مع سابق الاصرار والترصد.

المركب اصبح عموديا على النهر ثم أنقلب بأكمله فعلقت بعض الاجساد تحته ولم تستطيع الافلات لا ملاذ آمن الان .. في عطر القرنفل وزقزقة العصافير بكت الرياح وغطت وجهها الشمس… الماء من كل الجهات لا قارب نجاة لا شيء سوى أذرعٍ طويلة باردة تلتفُ حولهم تخنق انفاسهم وفمٍ كبير يبتلعهم

الاب يسبح بقوة يحارب جبروت النهر المتدفق بسرعة ، الاجساد الهائمة تحيطه من كل صوب ، مستسلمة لقوة الطبيعة …الصراخ والنحيب يفزع الطيور والنوارس إنَّ للصراخ حكايا وهي دائما حكايا حزينة من تلك المدينة المنكوبة بالأزمات هي جزء من تلك الاغنية المشهورة عند اهل الموصل عبر الاجيال (تحبون الله لا تقولون ودخيل الله لا تقولون سعاد كن ماتت….اوي اوي دلال …..)ولكن كم موتة ستموتين يا سعاد ؟

تعلقت عيناه بين الموجات يبحث عن وجه من عائلته زوجته ابنه او ابنته في طوفان وغرقى الامل صار ضعيفاً والاحلام تحلق بعيدا ،كل اللحظات ثمينة وكل الكلمات لا تعبر ، قربه عجوز مسنة ترفع اصبعها الى الاعلى، الشهادة تخرج من فمها مبللة مرتعشة والصرخات مبللة والآهات مبللة ،صوت من بعيد أيقضه ربما هو صوتها، تجاهل ضعفه وقرر الاتجاه نحوه

تهاوت قوة عضلاته وتشنجت ذراعه لامجال الان الوقت الباقي للنجاة قليل والنهر لا يترك له اي خيار، يلمحُ قربه طفلة صغيرة شاحبة الوجه تكاد تلفظ انفاسها قرر انقاذها فأوصلها للجرف وسلمها للمسعفين وعاد ليبحث عن عائلته، بدأ الماء يحتويه ويتسلل الى جوفه ،بائس هو لا حيلة له ولا قوة ….ارتعاشات صدره وخلجاته يسمعها كضربات قلبه ،يتغلغل الماء الى فمه وانفاسه ،صوت يداعب اذنيه

_اننا هنا … تسمعني ،تعال نحن ننتظرك ،دع عنك كل التعب واسترح سيتولى النهر الباقي سيبللك حتى الارتواء ويتسلل الى عروقك،…..

أغمَضَ عينيه بعد ان خارتْ قواه ويأس ،تضائلت الاصوات وتوقف النحيب والصراخ حوله ..لماذا صمت الجميع ؟ ربما هم يحتفلون جميعا بالربيع في جوف دجلة الخير

في اليوم التالي سجلت اسمائهم ضمن المفقودين هو وزوجته وابنه اما ابنته فقد وجدوا جثتها في حمام العليل التي تبعد 30 كم عن الموصل .

لا تعليقات

اترك رد