الفن بين الشرق والغرب إشكاليه الهوية

 
الصدى - الفن بين الشرق والغرب إشكاليه الهوية.. للكاتب سامر اسماعيل #فن

العلاقة بين الشرق والغرب هي علاقه بين الذات والآخر كليهما يبني تصورات عن الآخر بعضها حقيقي وبعضها الآخر وهمي ، الغرب يعتقد أنه المركز ويرى العالم من خلال الذات ، الشرق يطمح لتحقيق ذاته لكن ثمة اختلاف في المنظور وفي البنيه فيظل الشرقي كما يقول رينيه هويغ: أقرب الى مركزه الداخلي ، الى موقف تأملي يطمح إلى صمت التأمل أكثر مما يسعى إلى التعبير والتواصل 0 أما لدى الغربي فالغلبة للتآلف مع العالم الخارجي الذي هو قاسم مشترك للجميع

أعتقد كيفما كانت العلاقة وشكلها لكنها في جوهرها هي علاقة تأثير متبادل حيث في المتوسط يكمن السر ، هو أشبه بالدائرة التي يمشي فيها نبض الإبداع متحولا من بدايتها وحتى نهايتها ، في تلك الدائرة يكمن نبض الإبداع الإنساني الذي انتشر آخذا خصوصيات مختلفة ، وتفرعات عديدة، وثمة أطوارا مختلفة لتلك الضفتين، كليهما يؤثر بالثاني وكل منهما يخلق عند الآخر إشكاليات، العلاقة بينهما غريبة بعض الشيء لكنها جميلة وإبداعية و توليدية، إذا كانت جهة الغرب الأوربي تعتقد بمركزيتها الفنيّة فأيضاً لدى الآخر أحياناً الاعتقاد ذاته. عندما تضعف مركزيتنا نميل نحو التعصب ضدّ منجز الغرب بينما نجد أنّ الغرب الذي لا يوجد عند ه تعصّب بهذه الحدّة ينحاز للجهة الأخرى فلا يلبث أن يتقدم فنانوه نحو المشرق والمغرب العربيين بحثا عن روح جديدة وخيال وموضوع ،/الفن الاستشراقي مثالاً،/ فيرانا بعينه وليس بعيننا أو كما نريد أن يرانا. في المحصلة يجب هضم ثقافة المتطور والمنجز الجديد في الإبداع كي تكتمل (اللعبة )الإبداعية، وللدقة نستطيع القول إن الاستيعاب الثقافي هو الذي ينتج ثقافة جديدة ، لو لم يكن هناك الفن اليوناني لم يكن هناك فن ايطالي وبالتالي أوربي إذ ثمة تزاوج يحصل بين المبدع وثقافة الآخر ويعطينا تاريخ الفن أمثلة كثيرة / بين الفن الانطباعي والفن الياباني ، بين الفن الإفريقي وبيكاسو / بين منجز إبداعي وتلقي مبدع يحصل ما يحصل دون تحديد نهايات مسبقة ، كل التسميات ممكنه لضفتي المتوسط هل هو صراع أم تناقض ممكن ، هل هو تلاقح ثقافي ممكن أيضا ، لكن قدر هذا المتوسط أن ينتج ثقافة نادرة بدءا من الفن السومري الذي لم يدرس بعد وحتى تشكل الفن الحديث في أوروبا ،

المسألة الضرورية في العلاقة بين طرفين هي انه لابد من أن نراها بموضوعية دون انحياز أوأدلجة وموقف مسبق بل بالعكس يجب ان نراها بانفتاح واستيعاب ، ونقول مضافا إلى ذلك أن نهر الإبداع لا ينتظر ما ذكرناه ،عندما نجد صخرة في وسط النهر لايلبث الماء أن يجد مجراه حتى ولو كنت ضد النهر بأكمله والمفارقة الغريبة إن الإبداع التشكيلي العربي ولد في خضم الاحتلالات الغربية التي تريد التوسع في الهيمنة على المناطق العربية ومن خلال هذا الجو تسرب خيط الثقافة الأوربية البصرية الذي مالبث أن مسكه المبدع العربي وحلق فيه نحو مناخات جديدة وربما يجدر بي القول بأن ثمة تفوق أحيانا في التشكيل العربي على التشكيل الغربي ، في سياق هذا التلاقح الثقافي أشير إلى تجربة إقبال قارصلي كدلالة على همزة الوصل حيث شاء القدر أن تسكن في منزل كان سابقا لضابط فرنسي وإذ تفاجأ تلك المبدعة التي تتلمس خيوط الإبداع الأولى ان المنزل مزين بلوحات جدارية بعضها يكتسيه العري ولم تنم الفتاة إلا وكانت الثياب تكسو العري، هذه التجربة تشير إلى التلقي السريع لفن متقدم وضع قدم الفنانة على بساط الفن التشكيلي الحديث مع تطور التجربة التشكيلية العربية التي على طول مسيرتها كان وقودها الفن الغربي آخذا مدارسه ومقلدا تجاربه بكل التقنيات والصيغ لكنه بآن معا وجد هويته وحساسيته البصرية

إن التفوق الغربي في الثقافة البصرية ترك آثاره بلا شك علينا مما أوقعنا في إرباك مزدوج بين ما هو رافض للثقافة الغربية وبين منفتح منتج للثقافة

الحداثه ومابعدها
شكلت الحداثة منعطفاً هاماً في تاريخ الفن وقد أخذت مشروعيتها كجزء من الحالة الثقافية والمعرفية في تطورها في أوروبا والعالم، وعلى الرغم مما شهدته هذه الحداثة من تجريبية وانفعال إلا أنها قدمت حالة معرفية وفهماً غير متوقع للواقع والحياة، ويمكن القول: إنها أحدثت انقلاباً مفاهيمياً في الرؤية التشكيلية كما أحدثت نفس الشيء بالنسبة للمتلقي، حيث تحدت الذوق السائد ووجدت صعوبة في إقناعه بالتحول البصري الجديد. وتبدو الحداثة اليوم حالة تقليدية بالقياس إلى ما بعد الحداثة، إذ تتكرر التجربة مع فنون ما بعد الحداثة في علاقتها مع المتلقي، حيث جاءت بلبوس لا يشكل صدمة وحسب بل تجد صعوبة بالاعتراف بها من قبل المتلقي والفنان وخاصة أنها تعاني من الارتباك لخضوعها لنظام السوق بعد أن تطور وأخذ أشكالاً احتكارية وتماشى النقد والإعلام أحياناً مع حركة التسويق فغابت المعيارية النقدية الموضوعية وأصبح هناك ما يدعى بضاعة الفنان إعلاميا بغية تسويق أعماله.

لكن المشكلة ليست هذه فقط ،إنما في طبيعة أعمال ما بعد الحداثة التي تخطت السطح التصويري للحداثة ،واعتمدت على المسبق الصنع أو الجاهز، ونرى أشكالاً لا يمكن قبولها مباشرة فربما تجد سيارة مضغوطة أو علباً من الكرتون أو أشكالا معدنية أو ً (سيارة مثقوبة بالرصاص) (دراجة محطمة) و(بقعة بحجم كبير من المعدن) للفنان سيزار وأعمال أخرى كثيرة.

ثمة أسئلة كثيرة حول طبيعة ما بعد الحداثة التي وجدت مرتكزها أو جذورها في الدادائية التي شكلت الأب الشرعي لها. لكن ثمة فارق قد يكون غير مدرك ما بين الدادا وما بعد الحداثة حيث أن الدادا كانت ردة فعل على الحرب دون وعي تشكيلي مكتمل وقد ظلت تنظيرية حتى وفاتها وجاءت بديلتها السريالية، أما فن ما بعد الحداثة فهو وليد ظرف اجتماعي مختلف وهو أفضل مما قبل الحرب الثانية، حيث أسس المجتمع الأوروبي لحالة متوازنة نسبياً على الصعيد الحياتي، ويمكن القول أن تشكل ما بعد الحداثة بدأ بعد الحرب الثانية وتطورت هذه التجربة في الخمسينيات والستينيات من هذا القرن وما تزال .

وقد أدى صعود القوى الاقتصادية الأميركية إلى نهوض تشكيلي داخل الولايات المتحدة بتجارب جادة مثل (جاكسون بولوك) لكن هذه الجدية تلاشت أمام حركة التسويق وإضعاف حركة الفن كبعد ثقافي وتشكل بما يدعى بالبوب آرت الذي يساوي بين العمل الفني والذائقة العامة وخطورة التوجه الأميركي للفن تمكن في تسطيح الفن وإعطائه بعداً أفقيا وليس عمودياً تحت شعار الثقافة الجماهيرية، وهذا ما سيؤدي ربما إلى هلاك الفن .

لكن الأسئلة تعود لتواجه فن ما بعد الحداثة في التسعينيات ليصحو بعض النقد الأوروبي ويعيد النظر في التجربة، وفي هذا العقد وحتى الآن نرى عودة لفنون الحداثة وأغلب المعارض التي رأيتها في مدينة ليون الفرنسية عام 2001 يشير إلى انحسار لا بأس به في فنون ما بعد الحداثة لصالح السطح التصويري المرتبط بالفن الحديث ، ومرتبط أيضا بالعمل على هذا السطح ابداعيا ، حيث ذلك يمكن العمل الفني من ديمومته وفيه يمكن وضوح الرؤيا البصرية ، وبطبيعة الحال لايمكن المراهنة على شكل بصري ثابت للتعبير ، والتجريب يدخل في صميم الممارسة الابداعية

التباس الهوية
بداية الهوية هي سمات المنجز الإبداعي وتعبير عن الفرد التلقائي، عن الذات والمكان وكل ما يحيط ذلك من أبعاد روحية ونفسية ، هي ليست بنية مغلقة إنما مفتوحة على كل الاحتمالات فهي لاتسكن في الماضي وتغلق على نفسها الباب ، أهميتها في أنها ليست منجزة وغير مكتملة وبالتالي هي في حركة دائمة فتتحرك وتتشكل مع الزمن المتغير ، ثمة إرباك أو التباس في مفهوم الهوية نتج عنه طرفي نقيض ، الموقف من الحداثة ومابعدها كثقافة وافدة والانغلاق في التراث كتعبير عن الهوية وربما هذا مادفع للبعض التفكير في منح تجربتنا الإبداعية هوية تعبر عنا وكثير من الفنانين والنقاد قد وقعوا أسيري التفكير في الهوية وبإيجاد موقع للفنان التشكيلي العربي الذي يحمل خصائص تميزه عن الفنان الغربي ، وتلك جوهر المشكلة حيث نتج عن ذلك أطروحات كثيرة تتعلق بالهوية التشكيلية العربية وكأن ما ينقص اللوحة أن يدلها النقد على الطريق الذي يجب أن تسلكه ، وبالتالي جاء هذا البحث قسريا أحيانا لأجل إدخاله قي نسيج اللوحة . إن خطر الهوية هو وقوعها في شرك البحث عنها ولو رجعنا الى الكثير من المفردات النقدية التي تتعلق بالهوية تتمحور أغلبها في البحث عن الهوية ( الضائعة ) والبحث عن الفنان العربي ، كأن يقول أحدهم : متى يولد فنان تشكيلي عربي ؟ ويصر الناقد طارق الشريف وغيره من النقاد في البحث عن هذه الهوية أو الخصوصية التي يتمتع بها الفنان ، وكثير من المقولات التي أدت فيما أدت إلى اعتبار الزخرفة والخط العربي وكأنهما المعبرين الى هذه الخصوصية وهذه بلا شك قصور في المعرفة لأن الهوية أوسع من ذلك بكثير، إن الهوية التي يدرسها النقد اللاحق على اللوحة لاتأتى برؤى مسبقة ومخطط لها لأنها قائمة بالفعل من خلال تراكم التجربة البصرية للحركة الفنية ، عندما تكون في سياق إبداعي ما لا تفكر مسبقا في كيف سيكون هل يعبر عن المحلية أم لا ، السياق الإبداعي نفسه يقدم شروطه الناتجة عن التجربة وموروثها وثقافتها وكافة مؤثراتها حتى ولو كانت هذه المؤثرات ناتجة عن الغرب وهذا ( الغرب ) ما يزال يشكل استلاب ما وللأمر ربما بعد نفسي إذ بقدر ما نقود مقودنا تجاهه بقد ر ما نرفضه ، ربما هي نوع من العقدة تجاهه التي لم تحل ربما بطريقة صحيحة قد تبدو الحروفية العربية للبعض خالية من التأثير الإيديولوجي ، لكن هذا التأثير هو غير مباشر إن صح التعبير ، والحروفية تجربة ليست تراكمية في تاريخ الصورة في حقل الفن التشكيلي ، هي اتجاه ناتج عن إحساس بالنقص من التفوق الغربي ، ، الأمر الذي دفع بالكثير من النقاد والفنانين إلى البحث عن الهوية القومية ،التي تميزنا عن الغرب ، وثمة فهم بسيط بدا وكأنه لمجرد أن الفنان أدخل حروفا عربية إلى اللوحة أصبحت لها هوية عربية إسلامية ، علما أن لوحة الحروف للذين لا يعرفون العربية مثلا هي لوحة تجريدية تنتمي للحداثة الأوربية ، إن إدخال الحرف العربي إلى اللوحة لا يعني أنها أخذت خصوصيتها القومية بل بالعكس ممكن أن تكون غربية بامتياز ففي لوحة محمود حماد لانرى حروفا بقدر ما نرى تجريدا
الذي رأى أن الهوية القومية معبرها الوحيد الحرف العربي ، قام بإقصاء للمكان والتنوعات الجغرافية بما يشتمل من عادات وفلكلور ، عمارة … ويبدو نتيجة هذا التفكير أن التاريخ العربي يبدأ من الإسلام متناسين حقب تاريخية غنية بالصورة ممكن أن تكون منهلا هاما للمبدعين ولكي لا نكون إيديولوجيين في معرض حديثنا عن الحروفية كتجربة فهي قدمت نتاجات مهمة وقدمت مساحة للحوار في أسئلة الهوية وتبقى هذه المدرسة جزءا من التنوع في الاتجاهات التشكيلية العربية ، ولابد هنا من الاشارة على الاختلاف بين لوحة الحرف العربي ولوحة الخط العربي كتجربة محمد غنوم

أن أي قراءة بسيطه للمشهد التشكيلي العربي الآن ، تتكشف لنا إضاءات عديده عبرت عن هويتها وروحها الخاصة وحضورها الهام في الثقافة البصرية وأكدت على جدية مشروعها وخصوصيته وعن امكانية تخطي الدوران في دائرة الفن الغربي ، إن تجربة ( فاتح المدرس ، نذير نبعه ، شاكر حسن آل سعيد .. وغيرهم ) لتشكل فعلا تشكيليا عربيا هاما ، منتجا معرفيا يساهم في إغناء الحركة التشكيلية العربية والعالمية ، ومايسعني القول أخيرا : إن كل فن يعيد أنتاج الماضي ينتمي للماضي وكما يعبر كاندنسكي لن يتمخض عنه إلا فن جهيض

الواقع اليوم
لا ريب أننا نعيش في ظل متغيرات بصرية غاية في الدقة على صعيد التشكيل ، ثمة مفاجآت في التحول التشكيلي الغربي ناتج عن سياق ما يحتاج ربما لمزيد من التأمل،

السؤال الأهم كيف نفكر داخل ما يحدث ،لمحاولة الإجابة يجب العمل كأن ما يحدث ليس ببالنا بالوقت ذاته يجب الاطلاع علية والتفكير فيه بمعنى آخر كي نكون حقيقيين لابد من أن نعيش تجربتنا الثقافية لا أن نكون ببغاووين لتجربة الآخر تكمن صعوبة المسألة في منهجتها وليست أدلجتها في أن يكون لك عين الطائر لا أن ترى الأشياء من ثقب الباب أو ربما لابأس أن ترى الأشياء من الداخل ومن الخارج

إن العالم الآن يعيش بصريا تجارب غريبة نصفها بما بعد الحداثة ، إذا قلنا هل يمكن ترجمة مابعد الحداثة عربيا؟ هل السؤال ممكن ؟لماذا نحن نريد ترجمتها هل لأنها نتاج الغرب الأوروبي؟ ولما ذا لا يترجم الغرب حداثتنا وتجربتنا؟ هل لأنه لايصغي لنا ؟، أعتقد أن تلك الأسئلة جوهرية في العلاقة بين الغرب والعالم العربي ، هل المطلوب ان نظل نعيش متغيرات الفنون البصرية في الغرب
يمكن أن نقول أن فن مابعد الحداثة فن تخلى فيه عن لوحة الحامل ذات البعدين التي تنفذ بالوسائل المعروفة للتصوير واتجهت نحو الجاهز والمسبق ، بمعنى آخر بدل أن ترسم الشيء يمكن وضعه هو نفسه ، وفي الحقيقة لا يمكن اختصار فنها بهذا المثل ، لأنها تعتبر نفسها نص بصري مفتوح – ولا يعني ذلك أن فن الحداثة ليس كذلك – وعبر هذا النص هي ضد المركزية وضد المرجعيات وضد التاريخ ، هي مع الحاضر كلوحة نعيشها في حياتنا ، وهي أيضا ضد تسويق الفن – وهذا لم يحدث -،و قد تزول اللحظة الإبداعية بزوال الحدث الفني ، وربما تكون مابعد الحداثة أكثر من ذلك لكنها جزء أو تعبير عن مرحلة تخوضها أوروبا إبداعيا على مختلف الأجناس الإبداعية وأيضا التيارات الفكرية والفلسفية ، لذلك فن مابعد الحداثة هو أحد الموضوعات الحيوية ، الشاغلة التي شكلت صدمة للمتلقي وربما هناك ارتباك لدينا من الموقف منها ومن تداولها ولا أزعم هنا أني قادر على أن أقول بحكم نهائي تجاهها ، لكن
ما يجب قوله أننا نحاول تعرية الملك كما يقول المثل الفرنسي ومن حقنا أيضا مناقشة المركزية الأوروبية التي نحن دوما مستلبين تجاهها وبحاجة لاعترافها بنا

لا تعليقات

اترك رد