الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف – ج٤


 
الفعل السياسي بين العمل الدعائي المسيس و إعادة إنتاج العنف - ج٤ .. للكاتبة صفاء العماري #تونس

واعتمد الإعلام في تونس على آليات وإستراتجيات متجددة ، يسعى من خلالها لتثمين رأسماله الرمزي. ويلعب بذلك دور الموجه للآراء والمواقف السائدة في الفضاء السياسي وينزع ليقدم أطراف دون أخرى ،ويعيد إنتاج مشاريع تمنحهم استعدادا ليعطوا أفكارهم وإيديولوجياتهم الشرعية.وأنّ يحافظوا على مواقعهم التي يحتلونها وأنّ يتمتعوا بالسلطة التي تمكنهم من المنافسة والصراع مع باقي القوى والأطراف الطامعة بدورها في السيطرة على رؤوس الأموال الأخرى و”أنّ المثقفين هم “علماء اجتماع عفويين” مثل جميع الفاعلين الاجتماعيين, ولكنهم ذو موهبة بشكل خاص يموقعوا الآخرين فكونهم محترفين في الخطاب والتفسير يمنحهم مع ذلك استعداد خاص لإنّ يعطوا العلم الاجتماع العضوي الذي لديهم، أي لنظرتهم المعرفة إلى العالم الاجتماعي نظرة العلم.”
والإعلام يقوم بدور هام في إطار الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخاصة الاحتجاجات الشعبية التي يعتبر بدورها عن غضب واستياء الموجهة جميعها ضد السلطة والقائمين على حقل الفعل. فالوسائل الإعلامية تقوم بإنتاج المعرفة والمعلومات والرسائل وتوجهها للمثقفين وفي الواقع التونسي تعددت مصادر المعلومات والمعارف، التي ينتجها الأعوان في الحقل الدعائي طامعين بدورهم احتكار النوع الخاص من رأسمال ثقافي ،الذّي يؤهلهم لامتلاك التفويض والنيابة عن الفاعلين الاجتماعين مما يزيد من تعزيز سلطتهم “ويتفق “بورديو, يومع دريدا وفوكو” في فكرة أنّ المعرفة يجب أنّ تفكك، وأنّ المقولات اشتقاقات اجتماعية عارضة ووسائل للسلطة الرمزية ذات فعالية تأسست وأنّ بنيات الخطاب حول العالم الاجتماعي غالبا ما تكون البنية اجتماعية مسبقة ذات حمولة سياسية قوية .”

والإعلام يسعى بدوره لتحصيل رأسمال سياسي من خلال استضافة السياسيين.وترتيب الحوارات والنقاشات والتركيز على الخطاب ،الذي يقوم به أطراف دون أخرى ويلعب القائمين في الحقل الدعائي والإعلامي عامة ، وبدراسة تركيبة البلاتوات التلفزية بعناية فائقة حيث أنّ هذه الأخيرة على تأثير عميق على المستهدفين يتلقون الإنتاجات الرمزية المتنوعة والمضامين السياسية والثقافية المختلفة وفي تصريح لطفي زيتون: “والتعليقات من المعارضة..حتى المعارضة بش تخسر أكثر ..بعد عام انتم بش تخسروا أكثر.. بعد عام النهضة موجودة عندها الإمكانيات بش تنزل .” والعديد من التصريحات السياسية كانت تركز على حفظ النوع الخاص للفاعل من السلطة. وأنّ يعبر على قدرته على التحكم في الخطاب وإنتاجه، وكان حضور الفاعلين في البرامج التلفزية هو غاية وهدف يحدد فيه القائمين على حقل الصراع إعادة إنتاج علاقات القوة ،وتوجيه إنتجاتهم الرمزية إلى مناصريهم لمزيد دفعهم لتأييدهم وكسب ثقتهم و”فتغيير تركيب بلاتو والبرنامج يؤدي إلى تغيير في مضمون الرسالة التي يمررها البرنامج.”. ويقوم الإعلام بالدفاع عن إستراتجيات لبروج إلى شعارات تخدم مصالحه التي تعود عليه بالمنفعة والربح ويحافظ بدوره على موقعه في حقل الصراع ،وأنّ الإعلام يقوي من شبكة علاقاته مع باقي الحقول لأنه يشترك معها في نفس المصالح ومنها السلطة ،ولهذا يعمل المضمون الإعلامي لفرض هيمنته على مجالات الإنتاج الرمزي التي توفر له الفرص لإسثمار المعرفة والتأثير على الفاعلين و”الإعلام حقل فضاء للمنافسة والعلاقات الاجتماعية ترتكز على المصالح المشتركة التي تعود الى المواقع التي يحتلونها في مجالات الإنتاج الرمزي والى طبيعة وحقيقة أصولهم بشكل عام من حيث التركيبات المعرفية, مستويات الإدراك والتقويم التي ترتبط كلها بأصولهم الاجتماعية وبتكوينهم المهني.”.

وعمدت العديد من الأحزاب إلى استغلال بعض الوسائل الإعلامية لخدمتها وتوجيهها لأنّ العديد من القوى الفاعلة تمتلك قنوات تلفزية وصحف تعبر عنها في عملية الاتصال. وتركز هذه الوسائل على الخطابات الفاعلين المختلفين، ثم تقوم بإعادة إنتاج الوقائع والأحداث وفق ما يخدم مصالحها لتكثف من قرائها وجمهورها، فتسعى للتوظيف الإيديولوجي لمختلف الوسائل المتعلقة بالخطاب وتقوم باحتكاره لتمرر أفكار تنتقيها وفقا لإستراتيجيات تحافظ من خلالها على موقعها ضمن علاقات القوة القائمة في الحقل” الايدولوجيا الناعمة” هذه الجرعات تتغلغل وتنساب إلى عقول المشاهدين والقراء والمستمعين ومستخدمي الوسائط المتعددة والانترنت الخ..بهدوء بلا ضجيج على عكس ما كان يتم في السابق.”

ولقد تطور الإعلام في تونس ليصبح مدارا للصراع القائم بين القوى الفاعلة في مجال إشتغالهم وعمدت بعض الوسائل الإعلامية إلى تغذية نوع خاص من الخصومات حتى تستثمرها لتعزز رأسمالها الاجتماعي فتعمد في خطابها لتوظيف منطوقات وعبارات لها تأثيرات خطابية هامة وفاعلة على الجماعات التي تستهدفها وتتوجه لها.

وفي مجال لجريدة الضمير: “اكتسب التونسيين سنة 2011 شعار”ثورة” وحملة إعلامية ضخمة وحشد هائل في قبة المنزه, وفاتورة بلغت حسب ما صرح به الناخب التونسي لا يثق بالنجومية مهما بلغت من الإثارة. السقوط المدوي للاتحاد الوطني الحر ورئيسه سليم الرياحي لم يكن متوقعا تلك العودة ولكنه كان مؤشرا على ان الديمقراطية التونسية غير قابلة للاحتراق بسهولة .” إنّ الصراع السياسي يسعى بدوره للهيمنة على صحيفة أو برنامج يهدف من خلاله لإبراز وجهة نظر تمكنه من أنّ يحافظ على فاعليته في مجال الإنتاج الرمزي. و بعض الأطراف تستغل الخلافات الشخصية والنزاعات القائمة حول السلطة و تعيد إنتاجها و تنوب الجماهير في عملية الاختيار والتفويض وحتى تتمكن بدورها من فرض هيمنتها وإحكام سيطرتها على حقل السلطة و”اكتشف أنّ الخطاب ينفي، وينظم، ويحصر،ويراقب ويمنع، وينتج ويعيد إنتاج، ويوزع ويضم من وجهة النظر هذه تحدد الممارسة الخطابية على أنها ممارسة سلطوية. كما تتوقف تطورات هذه الأخيرة على تطورات الخطاب نفسه .

وتبقى الموضوعية والنزاهة الإعلامية هدف جميع الصحف التونسية على اختلافاتها الغربية الحقيقية لان بعض الكلمات والمضامين الموجهة تصبح أفعالا لها وقع خاص على الفضاء المجتمعي و أحداث عنف ورفض وإقصاء لكل اختلاف في الآراء وقمع لحق التعبير والرأي و “في طريق تحقيق الموضوعية تبرز صعوبات وتحديات تعلق بان الصحفيين (المندوبين-المحررين) لا يستطيعون الهرب من تأثير آرائهم و إنفعلاتهم الناتجة عن مصالحهم التي يدافعون عنها وعن ضعفهم الإنساني الذّي يؤثر على أمانتهم. لذا ..فان الموضوعية تتأثر بصراع المصالح Conflit of Internet”.

ضعف التغطية الإعلامية لأحداث العنف السياسي :
تعتبر الاختلافات و التمايزات القائمة بين الفاعلين في الفضاء المجتمعي مؤشرا على وجود تبادلات و ممارسات ديمقراطية ،لان التنوع و التعدد سمة من سمات التقدم و تطور علاقات التضامن و الانسجام بين الأعوان في المجتمع. لكن انعكست هذه المؤشرات في جانب آخر لتتبين العداء الكامن لبعض الأطراف السياسية ضد قوى أخرى. و أنّ كل طرف يدافع عن مشروع مخصوص لا يقبل الاختلاف و التعدد. و كل خطاب يحمل التحريض في طياته و الرفض الصارخ لكل ما يبديه كل من يخالف وجهات النظر. و لعبت وسائل الإعلام دور هام في ظل أحداث العنف المتتالية.و تكون حولها رؤية واضحة وتفهم تداعيات كل فاعل وراء مشاركته أو قيامه بأعمال تنم عن استخدام للقوة و” المجتمع هذه الآلة المركبة تخضع لأدوات ضبط و تحكم تهدف إلى توجيهها نحو إستراتيجيات محددة ، و دور أدوات الضبط و التحكم هذه هو إحكام السيطرة على المحور و التروس و الحركات المختلفة التي تتم داخل هذه الآلة .”

في ظل ما تعيشه تونس من أحداث سياسة هامة أفرزت تحولات على مستوى الأفعال و تقييمات الفاعلين لكل لحظات التغيير التي تعيشها البلاد. فاختلف الرؤى و الآراء إلى حد اعتماد العنف و النزعة للإعادة إنتاجه و توزيعه. و تصبح النقاشات القائمة في الحقل الإعلامي محرك أساسي للتحريض و التشهير بأطراف سياسية معينة و” يكون الخطاب أداة ونتيجة في نفس الوقت للسلطة ، كما يكون عائقا ، و ما يصطدم به يكون نقطة مقاومة و انطلاقا الإستراتيجية معارضة ، فالخطاب يتحرك و ينجز السلطة “.
و المؤسسة الإعلامية كسائر مؤسسات الإنتاج الرمزي تكون المعرفة الخاصة بها حول الوقائع المختلفة. و تدرسها و تحللها حسب إستراتيجياتها الخاصة. فقد تحولت بعض المنابر للسب و الشتم و تبادل الاتهامات. ونظرا لنسبية الممارسة الديمقراطية في وسائل الاتصال الجماهيري و سؤ تقدير مبدأ الحرية من طرف بعض الإعلاميين ،ساهموا في إنتاج أحداث عنف بين الفاعلين الطامعين بدورهم في تحصيل رأسمال رمزي مع القائمين على الحقل الإعلامي ” فأحداث العنف لا تنفصل عن سياقاتها الاجتماعية و المؤسسية التي تنظم الأطر ، التي تتشكل فيها الرسائل الاتصالية التي تنتقل أثناء حدوث العنف و بعده ،لذا…فإنّ دراسة هذه الرسائل و أنواعها و تأثيرها في إضعاف أو تقوية البنى المؤسسية التي تمت فيها ، و كذلك علاقة وسائل الإعلام بهذه المؤسسات ، و الرسائل التي تتبادلها معها يعد أمرا مهما في فهم دينامكية أحداث العنف السياسي ، و رسائل الإعلام فيها “.

وتعتبر الوسائل الإعلامية محدودة في مستوى رصدها الاختلافات بين الفاعلين في الفضاء السياسي. وعدم القدرة على توجيه الخطاب و عدم وجود استعدادات كفيلة بحفظ الممارسة الديمقراطية بين الأطراف الفاعلة و التأكيد على أنّ وسائل الإعلام تتحمل مسؤوليتها في إدارة الحوارات و النقاشات التي تعيد إنتاجها محافظة على موقعها في حقل الصراع. و فرض سيطرتها كطرف فاعل في حقل الفعل. وفي جانب آخر توفر فرص هامة لبروز العنف في الأوساط الإعلامية ،وإنّ كان هاجس الإعلاميين هو تحصيل نسبة مشاهدة مرتفعة ،فأثر ذلك أعمق بكثير و هو إعادة إنتاج العنف في الحقل الإعلامي الهدف منه هو إقصاء بعض الأطراف من حقل الصراع القائم بين مختلف القوى الفاعلة و” ضمن تشكيلة اجتماعية محددة تدخل المرجعيات التي تطمح موضوعيا إلى الممارسة الشرعية لسلطة الفرض الرمزي و التي تسعى لاحتكار الشرعية في علاقة تنافس ، أي تنعقد فينا بينها علاقات قوية و روابط رمزية تعبر من خلال بنينها وفق منطقها الخاص”. فإنّ العنف الذي تمارسه بعض الأطراف تسعى لإعادة إنتاج غفلة لا تستطيع فيها الجماهير المستهدفة استيعاب الإنتاجات الرمزية الموجهة لهم ، وتستغل الوسائل الإعلامية لتنشر بعض التحريضات وتحتكر المنابر و الصحف و التلفاز لتقدم مشاريعها ونماذجها التي تسهم في تعزيز رأسمالها الرمزي ” ويقدم نيل ليفنجستون livingstone تفسيرا إعلاميا للعنف ، مفاده ان استبعاد بعض القيم غير السائدة في المجتمع ، و التي تتبناها بعض القوى أو الجماعات من اهتمامات و أولويات وسائل الإعلام يكون منسقا مع الاستبعاد السياسي و المؤسسي (الحزبي) لها ، مما يدفعها للعنف “.
و أمام التحول الذي يشهده الواقع التونسي عامة و الإعلامي خاصة لا بدّ للفاعلين في هذا المجال من احتكار رؤوس الأموال المتاحة و فهم حاجات الجماهير الحقيقية من المادة الإعلامية المقدمة .وأنّ يتحكم الأعوان في الحقل الدعائي في آليات التنافس و الصراع مع باقي القوى الفاعلة ،ليكون للإعلام تأثير وفاعلية هادفة. ولتعمد فقط لإعادة إنتاج نماذجها التعسفية بغاية استمالة المتقبلين و تعبئتهم وفق مصالح وطموحات فئوية و حزبية و” الدعاية تستهدف غاية ، و هذه الغاية هي حمل الشعب على اعتناق أراء معينة إلى حد يجعل الشعب يلقي بنفسه طائعا مختارا و بغير مقاومة أو عناء في أحضان ذلك المثل الأعلى الذي ترسمه الحكومة “.

استنتاجات حول لمقال:
– تميز سمة التعددية و التنوع حقل الفعل السياسي و تنعكس على غيره من الحقول الفاعلة في الفضاء ، وخاصة حقل العمل الدعائي ليتطور بدوره ويمنح الفاعلين باختلافهم قدرة على الإدراك و الاختيار.
– يعتبر العمل الدعائي مهما في الفضاء السياسي الذي يمكن الفاعلين من احتكار النوع الخاص من رأسمال إعلامي للتعريف بالأحزاب و المشاريع و الإستراتيجيات التي يعتمدونها في ميدان الصراع القائم.
– اثبت القائمين بالحقل الدعائي فاعليته في المجال السياسي خاصة و أنّه يمتلك رؤوس أموال رمزية قادرة على إعادة إنتاج تطبعات لدى الأعوان الاجتماعيين لاستيعاب مختلف الإنتاجات الإعلامية و السياسية الموجهة لهم .
– وتنوعت أصناف العمل الدعائي إستراتيجي و سياسي و رمزي و جميعها تهدف إلى تثمين الفعل و اكتساب رؤوس أموال و موارد تفرض من خلالها الأطراف الفاعلة قوتها و سلطتها داخل الفضاء الذّين يشتغلون فيه.
– و لدى الجماهير التونسية قدرة على نقل فعاليات الحياة السياسية وأنّ تجعل من الحقل الإعلامي مصدر لتوليد تطبعات و ترسيخ نماذج و مشاريع مخصوصة لدى المتقبلين .
– رغم التكامل الوظيفي القائم بين الحقل الدعائي و السياسي و الموارد المتنوعة التي يمنحها للفاعلين فإنّ الصراع لاحتكار النوع الخاص من الشرعية و السلطة قائما و يقع إعادة إنتاجه في مجال الفعل .
– بقيت الممارسة الإعلامية نسبية في التعامل مع أحداث العنف السياسي لأنّ الإعلام و الحقل الدعائي اقتصرا في نشاطهما على إنتاج العنف الرمزي و التحكم بآليات إعادة إنتاجه ليتمكنا من الهيمنة على السلطة. و رغم أنّ المؤسسات الإعلامية تؤدي وظيفة إخبارية فإنّها تحتاج لدعم بعض الأطراف و الأعوان حتى تستمر في ترسيخ إنتاجاتها و المحافظة على رأسمالها الاجتماعي وهو ما يجعلها أداة لخدمة المصالح الحزبية و الفئوية.

لا تعليقات

اترك رد