” الإنسانية في قصص كريم صبح “

 

دراسة نقدية للمجموعة القصصية فياجرا
للأديب العراقي كريم صبح

عندما يصنف السارد مجموعته بقصص قصيرة جدًا؛ يكون لديه مساحة من الجرأة في تقبل الرأي النقدي حول القصة القصيرة جدًا ومشكلات تعريفها، ومساحات من الثقة فيما يقدمه للمتلقي. وتتعدد التساؤلات عن ماهية القصة القصيرة جدا، فهل هي السهم الذي يصل للمعنى بدون إي تفصيلات، هل هي ايجاز كامل، هل يجب أن تتضمن التلغيز، هل هناك ضرورة ترك مفتاح للقاريء ليصل إلى مقصد السارد؟هل العنوان ضرورة؟ هل وهل وهل، …و تتعدد الإجابات أيضا على كل سؤال.

أنا شخصيًا أتبعُ مفهوم المتلقي والذي يكون أوسع وأشمل قليلًا، فالقارئ لا يعنيه التصنيفات قدر ما يعنيه المحتوى، وحينما يقرأ أنها قصصا قصيرة جدًا، ماذا يتوقع؟ إنه يتوقع متعة تصل إلى القلب سريعا وتعطيه ما يحتاج من القراءة، وتشبع رغبته، وماذا تفعل القصص القصيرة جدا غير ذلك، بالإضافة لبهارات من صنع القاص تتشكل من مهاراته في الوضع الفكرة في قطعة شيكولاتة. وبالنسبة للسارد(كريم صبح) فهو يعرف كيف يصل لقلب غالبية القراء فهو يكتب للقارئ العام وليس للنقاد، أولزمرة من يحب حل الألغاز باستخدام الشفرات، وهذا جزء من نجاح أي مجموعة، ولا يمنع هذا من التجريب خاصة في لغة القصة القصيرة جدا والنهايات الداهشة التي تبهر القاريء الذي ينجح بالتوقع أحيانا في معرفة خيوط النهاية وهذا يعد احتراما لذكاء المتلقي.

في البداية وقفت عند العنوان(فياجرا) فماذا يريد أن يخبرني العنوان، وماذا سيقابلني بالداخل؟ ولماذا الفياجرا؟ تلك الحبة الزرقاء التي تساعد على استمرار الحياة الطبيعية حال تعذرها، هل ستعني أكثر من هذا في الداخل عندما تقابلني عتبة جديدة أو قد يتغير اتجاه تفكيري.

العنوان أعادني إلى الغلاف، فهناك رجل مجهول يقف أمام منبه به عين تبادله النظرات، اذًا الزمن يحيلني إلى التكهنات واللون المجافي للأزرق الدال على فيجرا العنوان، مما يحيرني ويشدني التشويق إلى الداخل.

كما وصلتني المجموعة في البي دي إف لا يوجد إهداء، إذا السارد دخل في لب الموضوع مباشرة وجذبني إلى نصه الأول(زوج الأم) وقد تلبستني تلك المشكلة وشدتني إلى جانب الإبن تارة ثم إلى جانب الأم، لينتهي أن يفرض عليّ القاص فكرته بأن هناك ما يحتاجه الإنسان غير المال، إنه الإحتياج المعنوي، وترك للقارئ تأويل إحتياج الأم فيما أعادني للعنوان(فياجرا) بأنه قد يكون جنسيا ربما.

_قصة إرستقراطي بين الفلسفة والفانتازيا، برع السارد في تحديد هدفه وتركني كقاريء لإعادة القراءة أكثر من مرة وقد اكتفيت كقاريء متواضع بالرضى.

_وها أنا قد وصلت إلى القصة صاحبة العتبة الرئيسة للمجموعة(فياجرا) وهي قصة القهر بإحدى الصور الإجتماعية، فالبطل يفكر بالزواج مجرد تفكير والمفارقة أنه وصل للستين ويلعن الزواج لجنوح الزوجة للتسلط، من هذا المنطلق يلعب السارد على أرجوحة التمني والإلتزام كالإلتزام على الدوام والخروج منه بمجرد انقشاع الشباب والوصول إلى سن الستين وبرع السارد في صنع المفارقة ولوأني لم أحبذ أن يكون فياجرا هو إسم المجموعة بالرغم من جاذبية العنوان وصنعة التشويق به.

_قصة لدغة قمة الإنسانية تتجسد في فقر الشعوب العربية، تتعدد الأسباب والفقر واحد وغالبًا في قصص الأديب هو التعبير عن المجتمع العراقي وصورته نتاج الحروب والتمزقات السياسية، فالحرب تصنع كل شئ ولا يصح أن نخجل من ذكرها بل نحتاج إلى أقراص الفياجرا لوصف حال المجتمعات، وهذه القصة بالذات جعلتني أقتنع تماما بعنون المجموعة(فياجرا)، حتى نتمكن من الحديث عن التمزق في العلاقات الإنسانية نتاج سفور السياسات وفجور التحكمات!. هذا وضح تمامًا في قصة عاهرة، بل أكد نظرية العهر السياسي، أليس هذا أدعى إلى احتياجنا إلى الفياجرا؟

كذا قصة بين حلمين، فالسياسة لا تنادي للبناء بعد كل خراب، ويظل حلم البناء بل الحلم ذاته نجاة.
كنت أظن أنني أفلت من بين براثن الموضوعات وجاذبيتها، بل المجموعة تشدني للأعمق ، كلما قرأت قصة انجذب للأخرى.

هناك موضوعات تمردت على القصة القصيرة جدا وخرجت عن نطاقها ونظرا لذلك التمرد كنت أتمنى عدم التصنيف فالقصص كلها متقنة وعميقة المغزى ولكنها خرجت عن ال ق ق ج مثل قصة سندباد وقصةزوج الأم ليس لوجود الحوار فيها بالقطع لكن كون أحداثها ممتدة وذلك من وجهة نظري الأحادية، لذا كنت أتمنى أن تخرج القصص الغير قصيرة جدا لتشكل مجموعة جديدة رائعة.

_وتجرنا الإنسانية للعمق البشري وتحرير أفعاله من قيود الكبت وعرضها على الورق، فقصة اللص صورة من صور القسوة المتجردة من الإنسانية في صورة زوجة الأب التي تدفع بأبن زوجها للسرقة، وكيف يتحرر إلا عن طريق بيع عضو من أعضائه، هي صورة لتحليل وتشريح مجتمعي، استخدم القاص فيها مشرط التعرية للمجتع.على العكس في قصة شقاء التي لا تتاج إلى مشارط بل إن الحدث يعرب عن ذاته في اليُتم الذي أودى إلى عقم اللغة حال الطفل القادم للحياة بلا أم.

_في قصة نزيلة تحدث فانتازيا المجتمع الغير مرئي عن نفسه، ألا وهي الحقيقة الصادقة ملء العالم “الموت”، يأخذنا القاص لإهالة الثرى وفراق الأحباب بإشارة إلى حياة برزخية جديدة؛ فماذا يقول لنا هل لا زال الأمل مستمرا؟ هناك فلسفة تتسرب إلينا عبر أبواب الأقاصيص تخبرنا بفكر عميق للحياة والموت، ولم تكن قصة نزيلة الوحيدة التي حملت لنا فانتازيا الموت كمشهدية سينمائية بفلسفة جديدة كما في قصة بين امرأتين، وقصة سلمى. بالتوغل نجد أن القاص يعود بنا إلى فلسفة الموت في قصة بين الأرض والسماء.

_لا تخلو المجموعة من السخرية الراقية التي تجذب الغطاء عن السلبيات المجتمعية المنحنية للفت النظر فقد يمكن تصيح الإعوجاج في المجتمع الشرقي ككل، هو جلي واضح في قصة سكرة الحياة، وقصة عالمان، وقصة ركود،وقصة جوع، وقصة تعارف وثرثرة فوق الرأس وغيرها، أما السخرية في قصة سطر لم يكتمل فهي من نوع التلاعب بالألفاظ الذي يجر المتلقي معه ليركب صهوة التشويق فيصل إلى عمق المعنى بسلاسة وطلقائية، وبين السطور تبطين وإسقاطات مجتمعية كالعادة في قصص كريم صبح لكنها ملضومة جميعها في خيط إنساني لا تنسل عنه.

_جاءت العناويين مكملة للقصص ملائمة ومشوقة ومرتبطة بالمتن مثل قصة مصالحة مع سبق الإصرار، وقصة على هامش الورق، وقصة سؤال تجريبي، وقصة انطفاء، وقصة صانع.

_التأثير المكاني وظهور البيئة بأعرافها ومقوماتها وإنسانيتها بناء أثيري للمجموعة، كما أن الإغراق في المحلية رفع شأنها وجودتهاوصلاحيتها لبيئات عربية متشابهة وأزمنة متقاربة الأحداث، أنها الكرة الأرضية في قصص صبح التي يلعب التواصل بين أقطابها الشمالية والجنوبية والغربية والشرقية تماس عجيب فأشعر أن العراق في الحي المجاور للذي أسكنه بمصر، وهكذا شعور كل من سيقرأ المجموعة ألا وهو التماهي مع الأحداث والتحليق فوق كل شبر من أرض العراق.

هكذا انتهت الدراسة ولم أن أود أن تنتهي المجموعة، أهنأ الأديب كريم صبح على فنه الراقي في مجموعته وأتمنى أن أقرأ له أعمالًا أخرى جديدة بنفس الرقي اليراع.

لا تعليقات

اترك رد