تشوهات الإنسان العربي في عصر الحداثة

 

يقول كريستوفر مورلي “اقرأ كل يوم شيئا لا يقرؤه أحد غيرك، فكر كل يوم بشئ لا يفكر فيه أحد غيرك، أنه أمر سيئ للعقل أن يكون دائما جزء من الإجماع”.

تشكل تعقيدات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، بالإضافة الي تعقيدات الحياة التكنولوجية، عوامل مهمة زادت من إغتراب الإنسان العربي عن الواقع وعن ذاته، وبنفس الوقت أصبح يعيش قلقا داخل نفسه التي تتنازعها الأهواء والأفكار والمعتقدات، حتي بدا في لحظة تاريخية كأنه يفقد الأمن النفسي والاجتماعي. فالأمن والأمان هما من الركائز المجتمعية الأساسية للنهوض بالمجتمعات الحديثة وتعزيز استقرارها، بعد مشاهدات دامية وتفاعل متداخل بين الدين والسياسة أدى الي تعطيل الذات العربية من تقديم التصور الصحيح لماهية الفرد ضمن عصر الحداثة. يقول ستيوارت فرانسيس في ورقة عمل مقدمة الي برنامج التنمية الدولية واقتصاديات التنمية ان “أمن الإنسان، يشكل جزءا مهما من حياة الناس ورفاهيتها، وبالتالي فهو هدف التنمية”. فأين تكمن حلقات انعدام التنمية في الوطن العربي بعد أن أصبحت مجتمعاتنا عرضة لمخاوف شتي تنطلق من عوامل داخلية وخارجية بآن واحد. فحماية رفاه الفرد من واجبات الدول المتحضرة، والتأكيد على حرياته وكرامته من أسس الدولة الديمقراطية. ولكن ما نشاهده اليوم وما يتعايش معه الإنسان العربي من أحداث سياسية واجتماعية ودينية لا يمكن وصفها الا بأنها هادمة ومدمرة لإنسانية الإنسان وبشكل خطير جداً يحمل تداعيات مأساوية، وربما نحتاج من الوقت كثيرا وأجيالاً أخرى لإزالة هذه الأثار والتشوهات التي تعصف بالإنسان وتعطل مسيرته.

إن الشخص الآمن نفسيا يشعر ان حاجاته مشبعة وان المقومات الاساسية لحياته غير معرضة للخطر، ويكون في حالة توازن او توافق امني في المجتمع الذي يعيش فيه. وان احباط حاجات الامن يكون سببا في تطور كثير من الاعراض والاضطرابات الشخصية، مثل: العنف السلوكي، العصاب القهري والاعتقاد بالخرافات والممارسات الطوطمية. فهل وصل المواطن العربي الي تحقيق مثل تلك الحاجات النفسية التي تؤهله للقيام بواجباته الحياتية في المجتمع؟. الأدلة والواقع يظهران تناقضا خطيرا في هذا الجانب، فمن الناحية المادية، تطالعنا الصحف يوميا بأخبار السرقات والفساد والتعدي على المال العام مما جعل من فئات كثيرة تستفيد من تراخي الحكومات في تحسين مستواهم المعيشي بطرق غير مشروعة مما أدى الي انتشار ثقافة الرشى والتزوير والتلاعب بالقانون واحتكار المنافع السلطوية بيد النخب الفاسدة المدعومة من الأنظمة. فكل هذه المؤشرات تضعنا أمام تغير نفسي للذات العربية يتجه للأسوأ، فبخلاف الرواتب المدعومة حكوميا بزيادات لا قيمة انتاجية لها، ومجانية التعليم والصحة والإسكان في بعض الدول، إلا أن المواطن لا يزال يشعر بأن رغباته المادية بازدياد ويطالب بقوة محمومة بزيادة الرواتب وتحسين الشروط الاقتصادية، رغم مشاركته في الفساد الحكومي. لقد اصبح ارتباط المواطنين بالمجتمع او الحكومة او حتى الدولة مرهون بإشباع الدوافع والحاجات المادية التي تمكنهم من العيش فوق مستوي المعدل الطبيعي للإنفاق مقابل الإنتاج والعمل، وهو ما أدي الي أن يشعر المواطن العربي بفقدان الأمن النفسي بشكل معكوس لأن رغباته الذاتية غير محققة حكوميا، وهو ما أدي تاليا الي تكوين لوبيات ضغط شعبية للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية دون تقديم أي بديل استراتيجي وطني يحمي البلد والاجيال القادمة، ومع إننا لا نغفل هنا عن التصاعد الدولي في ارتفاع الأسعار أو التغيرات العالمية في الطلب والعرض وعولمة الاقتصاد والسوق المفتوح، ولكن هذه كلها عوامل تتناقض أصلا مع مفهوم الأمن النفسي وهو الحالة التي يكون فيها “إشباع الحاجات مضموناً وغير معرض للخطر. فالأمن النفسي مركب من اطمئنان الذات والثقة بها، مع الانتماء الى جماعة آمنة”. هذا التناقض هو لب الأزمات التي تفرعت تاليا في مجتمعاتنا العربية وطغت على التنمية وبناء المجتمع والدولة.

فماذا نعني بالأزمات التي تفرعت تاليا. لقد نتج عن التناقض النفسي في اشباع الحاجات الأساسية، وهي بحسب تصنيف ماكس نيف (الوجود، الحماية، المودة، الإدراك، المشاركة، أوقات الفراغ، الإبداع، الهوية والحرية) ، الي نوع ما من “الفرعنة” السلوكية التي اصبحت تلامس كل مجالات المجتمع، السياسية والاجتماعية. ففي الجانب السياسي نجد أن المجتمع العربي في غالبيته اصبح متآلفا وراضيا مع مفهوم المال السياسي الفاسد في تغيير التوجهات السياسية في الترشيح والانتخاب للبرلمان، وفي استخدام المال لشراء الولاءات الاجتماعية كالدعم القبلي والطائفي، وفي جانب آخر أصبح العزف والتلاعب على وتر المذهبية والقبلية تجارة رائجة وهدف لكل من يسعي الي الوصول الي مراكز السلطة وكرسي البرلمان، فلم يعد الأمن السياسي يعني للمواطنين التحرر من الخوف والحاجة، وضمان تأمين الحماية من تهديد القمع السياسي، والحماية من التعرض للصراعات والحروب والهجرة لجميع المواطنين في الوقت ذاته دون استثناء أو تمييز على اعتبارها حقاً من الحقوق المكتسبة للإنسان، مما يقود إلى الاستقرار التنظيمي للدول، ونظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها بقدر ما اصبح يعني أن يكون لكل مواطن او مذهب او قبيلة تيار سياسي أو حزب أو تجمع يحقق تطلعاتهم ويجلب مصالحهم فوق مصالح الدولة والقانون.

أن الوضع السياسي العربي بشكل عام لم يصل الي هدم مقومات الأمن السياسي رغم تواجد العنف الحكومي والاعتقالات غير المبررة وتقلص هامش الحريات وغياب الديمقراطية الليبرالية. فالوضع السياسي العربي اليوم ما هو إلا إفراز ونتيجة حتمية لتهتك الوضع الاجتماعي وضبابية الدولة في تحديد نمط سلوكها وتوجهها، فهل الدول العربية اليوم دول مدنية أو دينية او تطمح الي العلمانية؟. كما وان الواقع الذي يعيشه المواطن العربي هو تشوه حمله الإنسان العربي في عصر الحداثة بعد فشله في الدخول اليها مما جعله يحمل معه إشكاليات غير مفهومة في تحديد مسار الحياة وفق رؤية علمية ومعرفية تمكنه من استيعاب منجزات العصر الحديث، فالإنسان العربي اليوم، لا

يحمل فهما ولا فكرا ولا تعريفا ولا منهاجا ولا هوية. لا في نمط الحياة التي يعيشها ولا في كيفية تعامله مع محيطه الاجتماعي ولا في سلوكه ولا في تدينه ولا في أخلاقه ولا في أي اتجاه من الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولا في كيفية فهمه لمضمون التاريخ والوجود والحقيقة. وهذه لب الأزمة وعنوان التقدم بنفس الوقت اذا ما استطعنا تفكيك الذات وغربلة الموروث والخوض في اللامفكر عنه والمسكوت في التاريخ العربي والاسلامي حول قضايا الحكم والحريات والإنسان.

لقد ساعدت الشعوب العربية حكوماتها في ايصال الأوضاع الي ما هي عليه من تراخي وفساد، فلم تتغير أو تتعلم تلك الشعوب من بعد الأزمات الطاحنة التي مرت عليهم، ولم تتعلم معني المواطنة وحقوق الانسان إلا في أضيق الحالات، كما بقيت المذهبية والقبلية والعرقية والفئوية تسيطر على العقول والتعليم وكل مجالات التعامل في الحياة..لقد أصبحت الذاتية والفردية والأنانية تطغي على العمل الجمعي وتعزز المصالح الشخصية فوق مصلحة الوطن. إن حقوق الانسان التي يتباكى عليها مدعي الحريات، ليست فقط في تأمين حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، بل امتد تعريفها في العصر الحديث الي مدارات أوسع وحقوق مثالية أكبر، فهل تؤمن الشعوب العربية بحقوق المثليين التي صدرت في مارس/آذار 2007 وفق “مبادئ يوغياكارتا بشأن تطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان بالعلاقة مع الميول الجنسية وهوية نوع الجنس”. قبل أن تطالب بالحرية بشكل عشوائي ومزاجي أو مقيد بحسب الدين والعادات والتقاليد البالية في ساحات الربيع العربي، وهل تؤمن الشعوب العربية وهل توافق أصلا المؤسسات الدينية بالحقوق الجنسية باختلاف تنوعها ومساراتها؟..إن الأمن والأمان الذي تسعي اليه الشعوب لا يمكن تجزئته ولا يمكن الأخذ بالبعض وترك الآخر، فإن لم نصل الي هذه الدرجة من التعاطي مع القوانين والحريات وحقوق الانسان المختلفة، فلا يمكن أن نقيس أي أزمة أو قضية إلا وفق قناعاتنا المسيرة وفقا للمذهب والقبيلة والدين، وهذا هو سبب تخلفنا وعجزنا عن التطور والتقدم.

لا تعليقات

اترك رد