المدارس الفقهية في الإسلام

 

بدأت المدارس الفقهية في الإسلام في الدور التشريعي الثالث ( الفترة التي تلت الخلفاء الراشدين ) بعد استقرار المبادئ العامة الكلية للفقه الإسلامي بالمصادر الأساسية للإسلام . كانت الغاية من المدارس الفقهية والاجتهاد هو مواكبة التطور ونتيجة حتمية للتطورات التي حصلت في المجتمع الإسلامي وما رافق ذلك من انتشار للصحابة وكبار التابعين في أرجاء البقاع الإسلامية لتعليم الناس تفاصيل دينهم . اعتمدت المدارس الفقهية على أراء الصحابة وفتاويهم واستهلالهم للأحكام في القرآن والسنة وصار الاعتماد على الرأي والاجتهاد مصدرا أخر للتشريع الإسلامي .
تميزت المدارس الفقهية في الإسلام بظهور نزعتين أساسيتين هما :
نزعة تميل إلى التعمق في معاني القرآن الكريم .
نزعة تميل إلى الوقوف عند النصوص .
بدأ الاختلاف في تفسير النصوص منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب (ر) الذي كان يميل إلى التوسع في الاجتهاد والبحث عن المصالح العامة فيبني الأحكام عليها في حين كان عبد الله بن عمر بن العاص (ر) يلتزم بالنصوص احتياطا وخوفا من الحكم بالرأي خشية الخطأ في شرع الله .
الثابت لدينا أن كل فقيه جمع حوله الناس وبدأ يعلم الناس فقه دينهم ويوجههم وفق اجتهاده ورؤاه الفقهية بحث صار لكل مدرسة فقيه في الإسلام طابعها الفكري ومنهجها الديني . وقد كانت أشهر المدارس الفقهية في مكة مدرسة عبد الله بن عباس وعكرمة المغربي وعطاء بن رباح ومجاهد بن جبير . وفي مصر كان هناك مدرسة عبد الله بن عمرو بن العاص ويزيد بن أبي حبيب والليث بن سعد . وفي بلاد الشام كان هناك مدرسة أبو إدريس الخولاني وعبد الرحمن بن غانم الأشعري ومكحول أبو عبد الله بن مسلم الهذلي والأوزاعي . وفي اليمن ظهرت مدرسة طاووس بن كيان ويحيى بن أبي كثير . وفي البصرة ظهرت مدرسة الحسن البصري ومحمد بن سيرين وانس بن مالك . أما في المدينة المنورة فقد ظهرت مدرسة سعيد بن المسيب . في الكوفة ظهرت مدرسة ابراهيم النخعي التي اشتهرت بالاجتهاد والتعمق وراء معاني الأحكام الدينية .
اعتمد منهج كل مدرسة فقهية في كل مدينة على مقدار الفهم والاستيعاب الديني لأصحاب المدارس وطريقتهم في تفسير النصوص وما وراء النصوص وعلى الخبرة وسعة العلم والاطلاع على الأحكام .
وعندما انتقل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى العراق انتقل معه عدد كبير من الصحابة يمكن أن نذكر منهم :
سعد بن أبي وقاص
عمار بن ياسر
أبو موسى الأشعري
المغيرة بن شعبة
أنس بن مالك
حذيفة بن حصين
عمران بن حصين
يضاف إلى هذا المد الفكري وضع العراق الثقافي المحلي وموقفه من العادات والتقاليد الإسلامية ونشأ مركز اشعاع فكري جديد يعتمد على البحث والاجتهاد بحث صار العراق المركز الأول للدعوة الإسلامية وبرز مدرستان فقهيتان في العالم الإسلامي هما :
مدرسة الحديث ( مدرسة الحجاز ) ومركزها المدينة المنورة .
مدرسة الرأي ( مدرسة العراق ) ومركزها مدينة الكوفة .
وكان لهاتين المدرستين أثر بالغ في نشوء وتكوين المذاهب الفقهية في العصر التشريعي الرابع من الدعوة الإسلامية . ثم انتشر الفقهاء في العالم الإسلامي انتشار النار في الهشيم وما زال الفقهاء يتكاثرون ويفسرون النصوص وفق فهمهم لها وصار لهم أتباع وفي مرحلة لاحقة انتشر فقه الحكام والسلطات الحاكمة وبدأ الانحراف والتأويل والفتاوي .
سندرس في هذا البحث بشيء من التفصيل هاتين المدرستين وسنركز على النشأة والسمات الفكرية المميزة لكل مدرسة من هاتين المدرستين .
مدرسة الحديث ( مدرسة الحجاز ) :
ظهرت مدرسة الحديث في الحجاز واتخذت مدينة رسول الله ( المدينة المنورة ) نقطة انطلاق للدعوة الإسلامية واستفادت من علم من بقي فيها من الصحابة خاصة بعد انتقال الخلافة إلى العراق والشام . اعتمدت مدرسة الحديث على النصوص ومصادرها أكثر من الاعتماد على الاجتهاد والتفسير والتأويل والتعمق بما يكمن خلف المعاني .
اعتمدت هذه المدرسة على فقه عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ويعد سعيد بن المسيب امام هذه المدرسة .
ولد سعيد بن المسيب عام 15 للهجرة وكان عالما ملما بقضاء رسول الله (ص) . كان أعلم الناس بالآثار وعلوم الفقه والحديث الشريف ، توفي عام 93 للهجرة .
أما أهم فقهاء مدرسة الحديث فكان : عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق و أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ( راهب قريش) و عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت (المفتي).
السمات الفكرية لمدرسة الحديث:
تتميز السمات الفكرية لمدرسة الحديث بما يلي :
يميل فقهاء مدرسة الحديث إلى حفظ أحاديث الرسول العربي الكريم (ص) وفتاوي الصحابة وتطبيقها على الحوادث والوقائع دون التعمق في الأحكام وعللها . فإذا ما وجدوا قضية جديدة رجعوا إلى ما أجمع عليه الفقهاء وخاصة إجماع الصحابة فإن تعذر الحل لجأوا إلى الاجتهاد بالرأي . لقد قصرت مدرسة الحديث الاجتهاد للضرورات التي ليس فيها سابقة .
يرى فقهاء مدرسة الحديث أن الأحاديث التي يروونها تتقدم على الأحاديث التي يرويها أهل العراق والشام وفي مرحلة من المراحل لم يقبلوا أحاديث غيرهم وسبب التشدد في هذا الموضوع يعود إلى ثقتهم بأنفسهم ولاعتقادهم أن أهل العراق والشام أهل فرق تختلط عندهم الأحاديث وفق أهواء السلطة .
يرى فقهاء مدرسة الحديث أن المدينة هي مهبط الوحي وأن من يرغب التزود بمناهل العلم والمعرفة الدينية يأخذها من المدينة وليس من مكان آخر.
أسباب تمسك مدرسة الحديث بالنصوص :
يعود تمسك مدرسة الحديث بالنصوص للأسباب التالية :
تأثر المدرسة بعبد الله بن عمر بن الخطاب الذي كان ورعا يخشى الاجتهاد ويحفظ سنن رسول الله (ص) .
كثرة الأحاديث في المدينة ووفرتها .
قلة الوقائع الجديدة التي تعرض على فقهاء المدرسة .
تهيب فقهاء مدرسة الحديث الاعتماد على الرأي خوف التفسير الخاطئ للنصوص.
كراهيتهم الاجابة على أسئلة لم تقع وكان أهل الحجاز بطبيعتهم لا يسألون عن قضايا لم تحدث لهم .
لقد تأثرت هذه المدرسة بالبيئة المحيطة بها في الحجاز وبطبائع الناس هناك واكتفوا بالثروة الفكرية الموروثة من أيام الرسول (ص) والصحابة (ر) ولم يجتهدوا في إيجاد علل الأحكام إلا عند الضرورة القصوى .
مدرسة أهل الرأي :
ظهرت مدرسة أهل الرأي في مدينة الكوفة في العراق واعتمدت على الاجتهاد بالرأي والبحث عن علل الأحكام أكثر من وقوفها على النص الحرفي .
أسس هذه المدرسة عبد الله بن مسعود الذي تأثر بفكر وفقه الخليفة عمر بن الخطاب(ر) كما تأثر بفكر وفقه الامام علي كرم الله وجهه. وقد اجتمع العديد من الفقهاء حول ابن مسعود واعتمدوا على الرأي في الفقه والتفسير .
يعد ابراهيم النخعي امام هذه المدرسة و فقيهها وقد عمل على اعتماد الرأي والقياس في الاجتهاد واستنباط الأحكام وكان لا يجيب إلا عما يسأل عنه من فتاوى وتفاسير. ويقوم مذهب ابي حنيفة على أراء ابراهيم النخعي ومبادئه الفقهية .
ومن فقهاء مدرسة أهل الرأي علقمة بن قيس النخعي الذي تفقه على يد عبد الله بن مسعود وهناك مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي الذي روى الكثير من الأحاديث والاجتهادات عن أبي بكر الصديق (ر) وعمر (ر) وعلي (ر) ومعاذ بن جبل . وهناك الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي وعبيدة بن عمرو المسلماني وشريح بن الحارث أبو أمية الكندي القاضي ( سماه الامام علي كرم الله وجهه قاضي العرب ) .
السمات الفكرية لمدرسة أهل الرأي:
تتميز السمات الفكرية لمدرسة أهل الرأي بما يلي :
ترى هذه المدرسة أن الأحكام الشرعية جاءت معقولة المعنى تبنى على أصول محكمة وعلل مضبوطة غايتها تحقيق مصالح الناس وهم يبحثون عن تلك العلل التي شرعت الأحكام لأجلها .
اعتمدت هذه المدرسة على الفكر الافتراضي أي الاجتهاد بمسائل لم تقع وافترضت أنها قد تقع ويمكن أن تقع في المستقبل وفي حال وقعت يكون الجواب الشافي لها مضبوطا .
أسباب تمسك مدرسة الرأي بالاجتهاد :
اعتمدت على الرأي والتفسير وقللت الأخذ بالحديث للأسباب التالية :
تأثر المدرسة بآراء الصحابي عبد الله بن مسعود الذي كان يفضل الاجتهاد بالرأي.
اكتفت المدرسة بما وصلها من أحاديث رسول الله عن الصحابة الموجودين في العراق
وضعت شروطا معينة لقبول الحديث للتقيد بالأمانة العلمي وتجنب التأليف والكذب في نقل الأحاديث عن الرسول (ص) .
شرعت لنفسها الاجتهاد بسبب نشوء الوقائع الجديدة التي تحتاج الاجتهاد بالرأي المبني على فهم معقولية النصوص والبحث عن علل الأحكام ومعرفة روح التشريع لإيجاد الحلول لها .

خاتمة :
بدأ الفقهاء في مدرسة الحديث والرأي يقيمون للعرف الاجتماعي وزنا تشريعيا . ومن هنا صار للعرف الاجتماعي دورا بارزا في الحياة الاجتماعية والدينية للمسلمين بدءا من أعراف أهل المدينة التاريخية والأعراف المستجدة في العراق والاختلاط بالثقافات المختلفة الناجمة عن انتشار المد الإسلامي في أكثر من مكان في الشرق والغرب . وصار العرف جزءا من تطور الفقه الإسلامي حيث بدأ المسلمون في مدرسة المدينة ومدرسة الرأي بالرجوع إلى العرف في كل ما لم يرد فيه نص صريح . وظهرت فكرة الاجماع لدى أهل المدينة وأفكار أخرى مثل متى يصح الاجماع ومتى يتحقق وكيف يكون ذلك ؟ وبدأ الاجماع يصير مسألة خلافية لدى المذاهب التي تلت . هل يكفي اجماع أهل المدينة أم اجماع أهل الاجتهاد أم اجماع الصحابة أم اجماع جميع المجتهدين في عصر من العصور على حكم شرعي فيما لا نص فيه ؟
كانت أراء الفقهاء في هاتين المدرستين حجر الزاوية في ظهور المذاهب الفقهية المعروفة حاليا ولا زالت الأفكار تتصارع ويذهب ضحية تصارعها الكثير من الضحايا .

المراجع
الدكتور عبد الرحمن الصابوني ، المدخل إلى التشريع الاسلامي ، جامعة حلب ، 2008.
القواعد الكلية في الفقه الاسلامي .
فلسفة التشريع في الاسلام ، الدكتور صبحي المحمصاني ، 1999.
تاريخ التشريع الاسلامي للخضري ، 2000

لا تعليقات

اترك رد