إن لم تنتهوا من الرياء لن ينجو منكم أحد

 

في كل حادثة تقع على الأمة العربية بوجه عام والأمة الإسلامية بوجه خاص تتعرى النفوس ومع كل واقعة تقع عليهما تخلع الضمائر قطعة قماش كانت تسترها وقاب قوسين وأدنى ستخلع الضمائر آخر قطعة لتمشي عارية، سافرة من كل حياء أو ذرة خجل؛ فالضمائر مثل أصحابها لم يعد يعنيها العيب والحرام.

هل على الإسلام في كل مرة أن يبرأ عقيدته من الإرهاب وأن يظل في موقف الدفاع ليقنع الآخرين ببراءته من كل حادثة إرهابية وقعت عبر التاريخ وما يقع اليوم، وهل على المسلمين أن يغيروا من أسماءهم التي توحي إلى إسلامهم ليتخلصوا من عقدة الذنب ومطاردتهم وملاحقتهم في كل المطارات لمجرد أن الذين يرتكبون الحماقات والتفجيرات يرتدون الزي الإسلامي ويطلقون على أنفسهم أسماء إسلامية؟

لماذا على المسلمين وحدهم أن يثبتوا براءتهم وتقديم التبريرات إلى درجة التبرأ من خطابهم الديني وقبولهم أن يحذف الآخر آيات من القرآن دون أن يعترضوا أو يحتجوا على المساس بكتابهم المقدس ويسعى مشايخهم وحكامهم إلى الترجي والخنوع وكأن الدين الإسلامي بات عاراً عليهم ويودون التخلص من هذا العار بشتى أنواع الضعف والتنازل؟

هذا ما كان يُخطط له هو أن يجعلوا العالم الإسلامي في تيه وحيرة وأن يجعلوا من إسلامهم لعنة كبيرة والشاطر الذي ينجو منه سواء بتغير اسمه أو بتغيير زيه وأن يعتنق أسلوب الرياء والمداهنة ويجعله في تيه عماء.

والملفت للنظر في جريمة تفجير المسجدين في نيوزلندا هي مواقف المحتجين المتباينة والمتناقضة حول الجريمة النكراء شريحة عريضة من المحتجين كان همها الأول والأخير أن تظهر الديانة الآخرى على إنها إرهابية ولا تقل إرهاباً وتطرفاً من ديانتها التي تعتنقها فأنزلت وابل غضبها وجام عصبيتها ونبشت في صحف التاريخ لتثبت حجم الحقد والكراهية منذ الحملات الصليبية إلى عصرنا الراهن واستشهدت بروايات وقصص لتدعم حجتها بالدليل القاطع الإرهاب المسيحي عبر التاريخ.

بينما الشريحة الثانية كان همها الوحيد هي أن تثبت للجميع بأن ما يقع للمسلمين من جرائم وتفجيرات ما هي إلا ردة فعل طبيعية بسبب تعصب المسلمين وتطرفهم وما ارتكبته الجماعات المتطرفة من جرائم بشعة بحق المسيحين في العديد من البلدان العربية والغربية؛ وكما فعلت الشريحة الأولى عندما استشهدت بقصص التاريخ فقد فعلت الشريحة الثانية نفس الشيء واستشهدت بالجرائم التي ارتكبتها داعش وما سبقها من جماعات بمسميات مختلفة. واحتدم الجدال على مواقع التواصل ما بين حاقد وناقم على الصليبين وما بين متزلف ومنافق ووصولي والغريب في الأمر بأن كلاهما مسلم.

وثمة شريحة ثالثة هي شريحة البسطاء والمساكين أصحاب العواطف المغبونة والتائهة، أصحاب الأحلام الصغيرة والطموحات البائسة؛ فجلَّ ما كان يعني هذه الشريحة هو أن يعترف العالم الغربي بالجريمة وأن يصنفها من الدرجة الإرهابية لتهدأ وترتاح ولا تجد لها شريكاً في صفة الإرهاب وبهذا تكون قد وصلت إلى غايتها من الاحتجاج لتطوي ملف مشاعرها الجياشة وتقول ” ما حدا أحسن من حدا”

مؤخرأ أصبح الآخر يجامل الآخر المختلف عنه إلى درجة المبالغة والتزلف؛ لكن لو تأملنا في نوعية المجاملات لوجدنا بأنها مجاملات قشرية لا تسمن ولا تغني عن جوع ولكن السؤال:
* لكن هل تلك المجاملات القشرية والسطحية تعني التعايش والمحبة للآخر، أم أنها بدافع المتعة والتسلية؟
* وهل مؤتمرات حوار الأديان التي تقام في شتى أنحاء العالم هي نابعة عن رغبة حقيقية من الوجدان من كل الديانات بالتعايش ونشر ثقافة السلام، أم هي مجرد فقاعات براقة ومجاملات ومداهنة لا أكثر؟

التعايش الإنساني إن لم يكن نابعاً من الأعماق فهو مجرد بروتوكل ظاهري تفرضه المصالح بشتى أنواعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فلو أن التعايش قد حدث حقيقة وعن رغبة من القائمين على المؤسسات الدينية لانتهت الأحقاد القديمة والكراهية التي تظهر ما بين الحين والآخر من كل الديانات السماوية وغير السماوية.

إلى يومنا هذا والقتل والحرق والتنكيل يقع على المسلمين على يد البوذيين؛ فلو أن الديانة البوذية أو الفلسفة البوذية على قناعة حقيقية بمبدأ التعايش الإنساني والانصهار ما بين الديانات لما رأينا هذه المذابح الجماعية التي ترتكبها الجماعات البوذية المتطرفة على مرأى العالم كله دون أن ينبس هذا العالم ببنت شفه.

ولو أن التعايش يسكن القلوب ويهز نبضها لما شاهدنا المجازر البشعة ما بين الهندوس والمسلمين في الهند وباكستان. ولو أن فكرة التعايش نابعة من الوجدان لما رأينا التفجيرات التي تحدث للكنائس المسيحية.

مهما حاول المسلم أن يجامل المسيحي ويحتفل بأعياده ويزين شجرة الميلاد؛ فحين يحتدم الجدال والنقاش في العقيدة سوف يختلف معه وقد يصل الأمر بينهما إلى الخلاف والنزاع والعكس صحيح بالنسبة للمسيحي مع المسلم.

وبما أن المجاملات التي تصل إلى حد الرياء قائمة ومستمرة ومعمول بها من قبل جميع الأديان والطوائف والمذاهب وهي في حقيقتها مجاملات لفظية ظاهرية وقشرية لا تتعدى المعايدات والتبريكات.

وبما أن يضمر في باطنه شيء وفي ظاهره يعلن شيئاً أخر فمن الطبيعي ألا يتحقق التعايش الإنساني ما بين الأديان والطوائف وأن لا يعم السلام في ما بينهم، ومن البديهي أن تستمر الخلافات والنزاعات، وما بين الفينة والآخرى سيشهد العالم العربي والعالم الغربي التفجيرات تارة بملامح إسلامية وتارة بهيئة مسيحية، تارة تكون سنية الدافع وتارة شيعية النزعة، وتارة أخرى تكون بوذبية وأخرى هندوسية وهكذا دواليك والدائرة تدور على الجميع دون استثناء ولكي نجتث جذور القتل لابد لجميع الديانات والطوائف والمذاهب أن تتخلص من الكذب والرياء وألا تقول ما لا تؤمن به. يحدث التعايش عندما تنتهي الطائفة السنية من نعت الطائفة الشيعية بالصفات الموجعة وعندما تنتهي الطائفة الشيعية من اللعن والشتم للطائفة السنية.

تحدث المحبة الصادقة حين يتوقف المسلم عن مجاملة الآخر في الظاهر ويكفّره في الباطن وكذلك حين يغيّر المسيحي نظرته المتوارثة اتجاه الاسلام على إنه دين التطرف والسيف وقطع الرؤوس وألا يرى الإسلام متمثلاً بداعش وبغيرها من الجماعات المتطرفة والتي هي أصلا لا تمت للإسلام بأي صلة.

تورق شجرة المحبة وتنمو أغصان التعايش الإنساني حين تحترم الديانات بعضها البعض قولاً وفعلاً قلباً وقالباً تؤمن كل الديانات السماوية وغير السماوية والمذاهب كلها والطوائف على اختلاف عقائدها بحرية الآخر في ما يعتقده ويؤمن به.

تعم المحبة، حين يتوقف الصراع حول من سيفوز الجنة؛ وألا يعين الإنسان من نفسه وصياً ووكيلاً في الأرض عن الرب؛ وألا يكفّر الآخرين وألا يقتص منهم بيده وألا يثأر لكل ما حدث لملته وديانته عبر التاريخ وأن يدع كل إنسان في شأنه فله دينه وللآخر دينه.

تنتهي الخلافات ما بين الأديان حين يفصل الإنسان ما بين الدين بمفهومه السياسي والايدولوجي المستثمر في خدمة مصالح الكبار وتجار السلاح والمافيا العالمية؛ وما بين الدين بمفهومه الأخلاقي والروحاني الذي يحض على المحبة والتعايش الإنساني.

يتوقف سفك الدماء وبتر الرؤوس واستهداف الكنائس والمساجد والمعابد حين ينتهي الإنسان من الانسياق وراء روايات التاريخ المزيفة والمبطنة والأحاديث والقصص المدسوسة كما يدس السم في العسل.

المقال السابقالواقع الاجتماعي قبل الدولة الريعية
المقال التالىتشوهات الإنسان العربي في عصر الحداثة
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد