دموع الجزائرية وهيبة سقاي تُغرق البحر


 

تخطو الكاتبة الجزائرية وهيبة سقاي بخطوات واثقة على درب القص، فبعد عام واحد على صدور مجموعتها الأولى “حلم حياتي” تصدر عن دار النسيم بالقاهرة مجموعتها الثانية “دموع أغرقت البحر”، والقارىء للمجموعتين يلحظ تطورا سريعا مرت به الكاتبة في خطوتها الثانية، فبعدما كانت أقاصيص المجموعة الاولى لقطات سريعة خاطفة، وصفتها الكاتبة بأنها ” قصصٌ موضوعها هو المرأة في الحياة، بينما الخيط الذّي يربط القصص كلّها، هو الحّب بأشكاله وألوانه المتباينة، وقد رسمتُ من خلالها لوحات مختلفة، والتقطت نماذج عديدة لأحداث واقعية، جميعها صور حيّة نابضة”. بينما في المجموعة الثانية تميل القصص نسبيا إلى الطول وتتعدد الشخصيات والمواقف، وإن بقي الحب موضوعا رئيسا تدور في فلكه موضوعات القصص العشر المكونة للمجموعة.

دلالة البحر
يلاحظ القارىء سمات عدة تتردد خلال المجموعة أولها تكرار مفردة البحر التي تتبدى في العنوان وفي ثنايا أكثر من قصة، فتكتسب دلالات تعبيرية ورمزية متنوعة بشتى الاشكال والصور، وهو معادل موضوعي للحب بحسب ما كتبت عنه وهيبة سقاي في المقدمة ” حينما يكتسي أبهى حلله، أو عندما يكّشر عن أنيابه، و يخرج مخالبه..فيطبق فكيّه كحيوان مفترس على كّل من يجرؤ أن يقترب منه، كاشفا بذلك عن وجهه المرعب للجميع”. كذلك تتناثر في ثنايا القصص مفردات دالة على البحر كالموج والشاطىء والرمال والغرق، والبحر في المجموعة يدل على المجهول والمخاطر والهلاك, وكذلك يدل على الموت ولكنه ايضاً يدل على الميلاد والحياة. وثمة بحر آخر في عيني امرأة رقيقة تعبر عنه دموع تسيل فتغرق البحر، في القصة التي منحت المجموعة اسمها. وتكاد تبدو الدلالات متناقضة :

فالبحر قد يكون رمزا للرعب والخوف: كما تصفه في مفتتح قصة ” جمال على سطح مستنقع راكد” فهو كبير وخطير، وفي نفس القصة تقول ” تعددت البحار والوصف واحد” . كما قد يكون رمزا للحب و الرومانسية: كما في قصة ” جمال على سطح مستنقع راكد” حيث تستعير صفات البحر لتصف الفتاة ” على شطآن جسمها المبلّل” فجسدها المبلل بحر له شطآن، وفي القصة التي جعلتها عنوانا للمجموعة نقرأ ” كان البّحر هائجا، و لكنّه كان يبٌدو جميلا في هيجٌانه، وفي تلاطم أمواجه”.

أقنعة ضمائر السرد
كذلك يلحظ القارىء أن الكاتبة اعتمدت في سرد قصصها على ضمير الغائب في عدد من القصص وعلى ضمير المتكلم في قصص أخرى كما زاوجت بين الضميرين في القصة الأولى “لن أستمّر معك”. ومن المعلوم أن استخدام الضمائر في الكتابة السردية يخضع لضرورات العلاقة بين الكاتب والعالم الذي يمتاح منه أحداث وشخصيات قصصه، فباستخدام ضمير المتكّلم يؤكد الراوي حضورا مباشرا في معاينته للأحداث، فيما لايحقق ضمير الغائب إلا حضورا ضمنيا للراوي، لأنه لا يباشر الأحداث بذاته. وفي كل القصص العشر في المجموعة يبدو الراوي عليما سواء حكى بضمير الغائب أم بضمير المتكلم، ولكن استخدام ضمير الغائب في الحديث عن الأنا له دلالة المباعدة، والمواربة، فيحول دون الرؤية الحية للعالم الذي يعيش فيه الراوي ، ويحول دون المشاركة المباشرة فيه، فاستخدام ضمير الغائب يتيح للراوي الحديث عن نفسه، وكأنه شخص آخر، وبذلك يغيب التداخل فيما بينهما، يوهم بأن الكتابة ليست ذاتية. و تبدو الضمائر رغم اختلافها أقنعة لذات السارد، وهو امرأة في كل القصص باستثناء قصتين، أولاهما “جمال على سطح مستنقع راكد” حيث الوصف الذكورى لجسد الفتاة ينبىء عن الهوية الجنسية للراوي، فالفتاة “ساقاها مجدافان من جسد الشّمس، و شفتاها.. تبدوان كوردتينٌ فاقعتي الحمرة” ….أرقب هزّات صدرها الخفيفٌة..أتأمل قوامها الممشوق” ويستغرق السارد الذكر في تأمل فتنة الفتاة فيتمنى ” أمد يدي لأزيل الرّمال التّي علقت بهذا الجسم الغض..أو أتناول منشفتي و أمسح آثار البلل من عليهٌ”.. فلما تأتيه الفرصة حينما تطلب منه أن يضع المرهم الشمسي على ظهرها، تأتيه كلماتها آمرة محتقرة فيرفض، وتتواتر الأحداث ليكتشف أن الجسد الجميل تسكنه روح قبيحة. أما المرة الثانية فكانت في قصة “هي” حيث منح أقصر العناوين لأقصر القصص، وهي كسابقتها تبدأ بإعجاب الراوي بفتاة ثم تجيىء الأحداث لتكشف عنه عن قبح خفي، فكأن الكاتبة تقول إن الجمال الظاهر قد يخفي قبحا كامنا لا يظهر إلا بالتجربة والمعايشة، وفي الحالين لم يظهر القبح الكامن بداخل الفتاة إلا من خلال عيني رجل. فكأنها استحضرت عيني الرجل فقط لتنبهرا بجمال المظهر المخادع، بينما السرد من وجهة نظر أنثى كان أكثر حميمية ودفئا في مواقف عدة كذلك اللقاء الحلمي بين الساردة والملك توت عنخ أمون “عطره النفاذ ملأ المكان، انتشلني أريجه من مكاني المظلم،…، اقترب مني، أحسست بأنفاسه، كأنها نسائم تهب على

وجهي” وفي موضع آخر من نفس القصة نقرأ: “أحسسته يقترب مني أكثر، يحاصرني لكي يمنعني من الحركة، ضممت ذراعي حولي، فضمني لآخذ الدفء من صدره العريض، سرت قشعريرة في بدني، لم تكن من خوف فقط، بل من لذة ونشوة أيضا” وتصف تلك الأحاسيس بأن حدها رجراج وذابح، وتستعذب تلك الأحاسيس فلا تسمح لنفسها بقمعها، وحينما يبتعد عنها تشعر بالغربة والمنفى قائلة في نفسها ” ليته لم يبتعد”، فلما اقترب ثانية ، “خاصرني، تشابكت أيدينا والتصقت شفاهنا”.

مرآة السنين
رغم عذوبة السرد التي غطت على رتابة الموضوع الواحد لقصص المجموعة إلا أن القارىء يلحظ أن ثمة آثار مما تتسم به البدايات من سلبيات لازالت عالقة ببعض قصص المجموعة الثانية للكاتبة ومنها حضور الكاتبة نفسها وعلو صوتها على صوت الساردة، خصوصا في الفقرات الأولى لبعض القصص والتي كان يمكن حذفها دون أن تتأثر القصة كما في مقدمة القصة الأولى “لن أستمر معك”، وكلما خفت صوت الكاتبة أو اختفت كلما ارتفع المستوى الفني للقصة، ففي قصة “إلى الوجهه المجهولة” لم تتدخل الكاتبة مطلقة الحرية للساردة فقدمت أفضل قصص المجموعة وأكثرها نضجا، حيث تحكي الساردة عن علاقتها بالمرآة التي تضعها أمام حقيقتها دون مواربة ، وتريها لآثار السنين على جسدها الذي ذبل وترهل بعدما كان غضا جميلا، تحدق في التجاعيد فتصف المرآة باللعينة، وبأنها سبب حزنها بعدما كانت شاهدة على جمالها.

المقال السابقالراتب الشهري
المقال التالىفتوى بحل الحشد الشعبي
أحمد رجب شلتوت (17 أبريل 1962) كاتب مصري ينتمى لمدينة أبو النمرس، حاصل على بكالوريوس تجارة من جامعة القاهرة ويعمل محاسبا وحصل على جوائز ادبية عدة منها جائزة جريدة الشعب المركز الأول في القصة سنة 1989 ونادي القصة المركز الأول سنة 1997 وجائزة احسان عبد القدوس سنة 2008 وجمعية الأدباء سنة 2007 وجائزة سا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد