حوار مع أركيولوجيا الزمن

 

أي سنة يمكن اتخاذها ميلاد لوحة الحامل بالمغرب؟

سؤال يمكن أن يعتبره البعض متجاوزا ومستهلكا، لكن الواقع يثبت أن تاريخ دخول لوحة الحامل لم يحسم في تحدده بالدقة والقناعة المرغوب فيهما. فلا يزال هناك العديد من الوثائق التي يتعين استشارتها وجمعها، حتى يتحقق المبتغى.

شكلت تحديد البداية هاجسا لدى العديد من الباحثين الذين حاولوا تأريخ الفن الحديث بالمغرب. وتضاربت الآراء، وكثير منهم اكتفى بإعادة عرض ما توصل إليه من سبق من الباحثين.

لقد حددت الباحثة طوني ماريني البداية التي نحن بصدد الحديث عنها ب عام 1920، حيث كتبت في مؤلفها Ecrits sur l’Art : “دعونا نأخذ عام 1920 كتاريخ. بعض الأبحاث اللاحقة ترجع بالتأكيد هذا التاريخ إلى بداية القرن، ولكن، حسب علمي وفي هذه اللحظة، ما يتوفر لدي من شهادات موثقة يعود إلى عام 1920. دعونا نأخذ رسامًا فرنسيًا وضع حامله بساحة جامع الفنا بمراكش في عام 1920 على وجه التحديد … ذلك الذي أغري به أول شخص وصفه سانت إينيان (Bernard) Saint-Aignan بأول رسام مغربي حديث، “الأول من رسامي النهضة المغربية”. كان اسمه عبد السلام الفاسي بن العربي وكان في زيارة لمراكش” (Maraini ص. 74)

لقد غاب عن الكاتب سانت إينيان، كما غاب عن طوني ماريني نفسها أن رساما مغربيا آخر نظم معرضا شخصيا بلندن سنة 1916، إنه محمد بن علي الرباطي، وأوردت ماريني اسمه في كتابها المشار إليه، بالصفحة 71، لتربط رسمه برسم الجزائري محمد راسم (1896ـ1975)، والحقيقة أن قراءة تحليلية لإعمال الرسامين، المغربي والجزائري، توضح جليا أن المقارنة بين جد مستبعدة. فرسومات محمد راسم أكثر إتقانا من مائيات الرباطي، فهي أقرب إلى المزوقات (المنمنمات) الفارسية، بينما رسم الرباطي يفتقد إلى المهارة في رسم الشخوص وبناء الأشكال الهندسية في الفضاء وكمال التفاصيل…

يرجع الكاتب خليل لمرابط البداية الأولى لتاريخ الرسم المغربي الحديث إلى عام 1918، السنة التي تم فيها «تنظيم معرض جماعي ببهو فندق إكسلسيور Excelsior بالدار البيضاء؛ ويعتبر المعرض إذاً بداية لتاريخ لوحة الحامل في المغرب”. ( M’rabet ص. 26)

وفي 2018 يطلع علينا الدكتور نزار شقرون في كتابه ” نشأة اللوحة في الوطن العربي” الصادر عن وزارة الثقافة والرياضة القطرية، ليخبرنا أن “بدايات الحركة التشكيلية المغربية [تعود] إلى حدود نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات” معتمدا على مقال ” الفن التشكيلي المعاصر في المغرب” أصدره المرحوم محمد السرغيني بمجلة الفنون التشكيلية، ملف خاص، عدد 6، 1982.

وإذ نحن نساهم قدر المستطاع في إعادة تأريخ الحركة التشكيلية المغربية بعين مختلفة عما يُرَوَّج له، يجدر بنا تسجيل المغالطات والهفوات التوثيقية التي أحاطها بعض الكتاب بهذه الحركة، وأشير هنا إلى ما جاء في كتاب نزار شقرون، صفحة 128، أنه رغم كون “الحركة التشكيلية المغربية بدأت في الثلاثينات فإن البوادر الأولى في شكل فردي ظهرت سنة 1910 وهي السنة التي عرضت فيها لوحات المصور محمد بن علي الرباطي”. اعتدنا قراءة مثل هذه الأخطاء العلمية التاريخية التي تدل على هزالة منهجيات البحث في كل ما يتعلق بالفنون التشكيلية عامة. فلا أدري أي من المراجع اعتمد الكاتب ليثبت زعمه هذا، مع العلم أن جل الكتابات إن لم تكن كلها تثبت أن أول معرض للفنان بن علي الرباطي تم عام 1916 برواق غوبل بلندن، وليس عام 1910.

بما أننا نكتب عن بداية لحركة تشكيلية حديثة، برزت معالمها الأولى في عهد الحماية الفرنسية/الإسبانية، فمن المفروض على أي باحث أن يعود إلى ما كُتِب خلال تلك الفترة، وفيه كفاية، من طرف فنانين ونقاد ومؤرخين وإعلاميين أوروبيين متخصصين أو متذوقين للفن والجمال، وأن ينهل من كتاباتهم بموضوعية، تاركا جانبا النظرة القاصرة والتوجهات الذاتية، التي بسببها يُعتقد أن كل ما كتب في عهد الحماية عن المغرب وثقافته وفنونه من طرف الأوروبيين هو من الاستشراق الذي يُبَطِّن نوايا المستعمر التي لم يكن هدفها الأسمى التعريف بالمنتوج الفني عامة والتشكيلي خاصة، وإنما السعي إلى طمس الهوية الفنية المغربية وتشتيتها. هذا من الأفكار المبنية على أحكام القيمة التي تجترها بعض الكتب الصادرة خلال العقدين الأخيرين، والتي تنقصها موضوعية البحث العلمي، مكتفية ب قال فلان وروى علان. فلقد أصبح من الضروري إعمال العقل، قبل الاحتكام

إلى النقل. ف “على عكس القائلين بنبذ الاستشراق ونقده وهدمه يحسن بنا أن نعيد النظر في هذا الأمر، ونحاول أن نأخذ منه ما هو مؤسس لهذه الممارسة على أرض بلادنا، دون أن نغفل المواقف المغلوطة أو ربما تلك التي اعتبرها النقد الفني والتاريخي والثقافي عدوانية في حق ثقافتنا وحضارتنا”. (لعروسي ص. 20)

تذكرنا الوثائق التاريخية المتواجدة بالأرشيف المغربي والفرنسي/الإسباني أنه، “لضمان حماية الآثار والمدن العتيقة، أنشأ المستعمر مصلحة الفنون الجميلة والمآثر التاريخية والآثار وأسند تسييرها إلى فنانين استشراقيين: موريس ترانشانت دي لونيل٭ Maurice Tranchant de Lunel (1869ـ1944) وجوزيف دو لا نيزييرJosephe de la Nézière (1873ـ1944)٭٭. بين عامي 1912 و1925، عملت المصلحة على تصنيف المباني المغربية التي رأتها نموذجية. وقننت ظهائر 26 نوفمبر 1912 و17 يونيو 1914 جرد المعالم التاريخية. فتم الحفاظ على المباني في حالتها الأصلية أو رممت وفقا لمعايير وأساليب تتأرجح بين التقاليد الحرفية المغربية والنظريات الفرنسية التي وضع أسسها المهندس المعماري الفرنسي فيولي لو دوك Violet le Duc (1814ـ1879) أواخر نهاية القرن التاسع عشر.

من خلال هذا الإنشاء وتطبيقاته تم الاعتراف بالهوية الجمالية والفنية والتراثية المغربية، لكن هذه الهوية باتت مشروطة بآليات الفكر الفرنسي المتعلقة بالأثر التاريخي le monument historique والعمل الفني l’œuvre d’art.

(…) لقد عالج ظهير 26 نوفمبر 1912 القضايا المتعلقة بحماية الآثار الفنية، فقسمها إلى أربعة أجزاء: الأول يتعلق بآثار حقبتي ما قبل الإسلام وزمن السلالات الملكية التي حكمت المغرب بعد الفتح الإسلامي، والثاني يتناول النقوش التاريخية، وقسم ثالث للقطع الأثرية، بينما الرابع يشمل الحفريات. إن مفهوم الأثر التاريخي أو الفني لم يكن متداولا في الثقافة المغربية كقيمة مادية/جمالية تتطلب الرعاية والمحافظة والصيانة. فالمباني التي تتكون من العمارة ذات الاهتمام العام، مثل النوافير والساحات العامة والمراحيض العمومية والمجاري والمساجد والأضرحة أو الزوايا والمدارس الأولية (الكتاتيب) والمدارس الدينية العتيقة، كان ينظر إلى وظائفها أكثر مما يعنى بجماليتها. (…) وبالتالي فإن الممتلكات التراثية المغربية التي تعد جديرة بالاهتمام تقتصر على أجمل الإنشاءات الفخمة كالقصور، والمباني الدينية، وأبواب المدن وأسوارها، أي ذلك الجانب الخلاب الذي يكتشفه الزوار الأجانب من أول وهلة.

جاء ظهير 13 فبراير 1914 متمما لظهير 26 نوفمبر 1912، ليضبط آليات الحفاظ على المعالم التاريخية والنقوش والتحف الفنية وصيانتها، وحماية الفضاءات المحيطة بالمعالم والمواقع الأثرية.

فمن أهداف مصلحة الفنون الجميلة، مراقبة الأشغال التي يتم تنفيذها داخل المدن العتيقة لصون جماليتها، والبحث والمحافظة على التحف والآثار والأشياء ذات الطابع التاريخي والفني.

وكان المقيم العام ليوطي يختار خيرة الفنانين والمهندسين المعماريين الذين سبقت لهم خبرة في المستعمرات أو بلدان الشرق الأدنى والأوسط. فانضاف إلى جانب المهندسَيْن المعماريين موريس ترانشانت دو لونيل Maurice Tranchant de Lunel و موريس مانتو Maurice Mantout رسامون مستشرقون كجوزيف دو لنزيير Josephe de la Nézière و هنري أفيلو Henri Avelot والمصوريْن الفوتوغرافيين جان روني Jean Rhoné ولوسيان فوجيل Lucien Vogel ، بالإضافة إلى ثلاثة معماريين جورج بومي Georges Beaumet ومارسيل غوجمون Marcel Rougemont وليون دوما Léon Dumas . وفي عام 1916، التحق عالم الآثار المصرية (Egyptologue) موريس بيليه Maurice Pillet بفريق مصلحة الفنون الجميلة، [عين مديرا لقسم الآثار والفنون الجميلة بمراكش وفي ظرف سنة واحدة، بين 1916 و1917 أشرف على ترميم قصور السلطان وقصر الباهية ومدرسة بن يوسف العتيقة وعدة نوافير بأزقة المدينة، وبنى باب الكتيبة الجديد…]

هوامش:
٭ موريس ترانشانت دي لونيلMaurice Tranchant de Lunel رسام (ألوان مائية)، ورسام كتب Illustrateur وكاتب. مهندس معماري للآثار التاريخية بالمغرب، وهو مصمم مسجد باريس الكبير. في عام 1912، تم تعيينه مديرا لقسم الآثار والفنون الجميلة والآثار التاريخية. وتتمثل مهمته في الحفاظ على المعالم الأثرية وإنشاء قائمة تصنيفية للآثار المغربية. كان مفتشًا للفنون الجميلة والمآثر والآثار ومهندسا معماريا من 1920 إلى 1923. يلتقي Lyautey ، 21 مارس 1912 في فاس. خلال هذه المقابلة، قام الأخير بتكليفه بدور الحفاظ على الآثار المغربية

٭٭ رسام ومصمم ملصقات فرنسي. في المغرب، استثمر الكثير في إحياء الصناعة التقليدية وحماية الثروات الفنية بالمغرب. وقد عمل كرسام بورتري، ورسام المناظر الطبيعية، وصحفي الأسفار. قام بتصميم الطوابع البريدية في فرنسا والشرق الأوسط وأفريقيا.

مراجع:
ـ موليم العروسي ـ التشكيل المغربي في المملكة المغربية، المنظمة العربية للثقافة والعلوم، الطبعة الأولى 2016

* Théliol Mylène. Le Service des beaux-arts, antiquités et monuments historiques, clef de voûte de la politique patrimoniale française au Maroc sous la résidence de Lyautey (1912-1925). In : Outre-mer, tome 98, n°370-371, 1er semestre 2011. Le contact colonial dans l’empire français : XIXe-XXe siècles. pp. 185-193 ; https://www.persee.fr/doc/outre_1631-
* Mohamed Sijilmassi – L’art cotemporain au Maroc, Ed. ACR, Paris 1989
* Pierre Aubree, l’œuvre de la France au Maroc de 1912 à 1950, Ed. Africaines perceval, Rabat
* Rémy Beaurieux- l’exposition des artistes indigènes au musée des Oudayas, Maroc illustré, 1ère année, N° 3, 20 février 1930.
* Toni Marain, Ecrits sur l’art, Ed. Le Fennec, Casablanca 2014 * http://www.cemaroc.com/t111-le-maroc-artistique
* Réginald Kann – le protectorat marocain, Berger- Levreaux éditions, Paris 1921
* Khalil M’rabet- Peinture et identité, l’expérience marocaine, Ed/ L’Harmattan, Paris 1987

المقال السابق( أبوابُ الجنّةِ السبعة )
المقال التالىالزراعة نفط دائم
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد