نيجرفان عالخدو يترك الزمام لذاته المبصرة

 

كثيرون يستخفون بالتصوير الضوئي ، حتى أن هناك من يعتبره مهنة كأي مهنة لا علاقة لها بالفن ، كل ما هنالك على المرء أن يتعلم بعض قواعده الأساسية ليخرج بصور ناجحة ، فهذا الرأي قد يكون مجحفاً إلى حد كبير بحق هذا الجانب ( التصوير الضوئي ) كأحقية الإنتماء إلى عائلة الفن ، فهو ليس لقيطاً كما يقوله أحدهم و لا إبن زنا ، بل إبن شرعي لسلسلة التطورات الحاصلة في وسائل التعبير ، فإذا كانت الكلمة لقرون مضت هي التي تؤرخ الزمن و أجراسه ، فالصورة لم تتأخر في ذلك في القرنين الأخيرين على الأقل ، و في أيامنا هذه و نتيجة هذه الفورة الكبيرة في عالم الديجيتال باتت الصورة أقرب للتأريخ و حفظ التراث و أكثر دقة في ذلك ، ولهذا على حق ذلك الذي صنفها كفن ثامن بعد الفنون السبعة ( العمارة -الموسيقا-الرسم -النحت -الشعر – الرقص – السينما ) ، و إن كان الكثيرون يعتبرونه حمار الفن مثله مثل بحر الرجز في الشعر فمن السهولة إمتطائه

و إختصاراً أقول لا يكفي أن تحمل ناياً حتى يقال عنك عازف ، و المسألة كذلك في التصوير الضوئي ، فالكاميرا باتت في كل يد ، و في كل ثانية يتم إلتقاط ملايين الصور ويتم بثها ونشرها بسرعة البرق ، و باتت الصورة لغة العالم ، فكما ليس كل من حمل القلم أصبح كاتباً ، ولا كل من حمل الريشة بات فناناً ، والكل من حمل البارودة أصبح صياداً كذلك الحال هنا فليس كل من حمل الكاميرا بات فناناً ضوئياً، إذاً أين هم الفاعلون في هذا الحقل ، و أين هم الذين يدركون بأن مهمة الفنان الضوئي ليست إلتقاط صورة بل إنتاجها ، أين هم الذين تبحث عنهم الصورة لتذهب إليهم وتدق بابهم لا العكس ، فحقاً صدق من قال بأن الفنان الضوئي المحترف هو من تذهب اللقطة إليه لأن يذهب هو إليها ، وحدهم الهواة من يبحثون عنها

أسوق هذا الكلام وأنا مقبل على قراءة أعمال الفنان الضوئي نيجرفان علخدو ، الفنان الذي له طبيعة خاصة في إقتناص الضوء كمصدر ، و في إيجاد تناغم بين حركة الأشياءفي تحولاتها و بين القيم الضوئية لتلك الأشياء بدقة الملاحظة و بعمق التأمل مع ضبطه التقني لعناصره متوجهاً في جوهرها إلى صياغة لقطاته وماهيتها ،فهو يدرك تماماً بأن الزمن الذي يتنفس فيه لا يقبله كفنان ضوئي إلا إذا مارسها بحرفية عميقة مع التنوع في الإلتقاط للإستفادة من طاقاته الأولية ، فهو هنا يدخل في عمليات إختبارية و إختيارية لترجمة همه ألا وهو الوصول إلى إتجاه يقضي به تغذية الإدراكات البصرية له و لمتلقيه معاً ، و ذلك بالبحث عن مركز ثقل الصورة أو البؤرة كما نسميها في العمل الفني برؤى تعبر عن مصادفاته في الإلتقاط ، و بلغة أخرى فالذات المبصرة لديه تحيله إلى إمتلاك ما يمنح الصورة القدرة على إنتاج دلالاتها ، وهنا تلتقي إهتماماته مع وتيرة الإلتقاط و إن بنسب محدودة

فالتحول الدائم في زوايا الإرتكاز يجعل علخدو يواجه تشكيلات جديدة من ظواهر حركيّة مرتبطة بنشاطات فنية تؤدي به إلى نسج شِباك متداخل و متخيل مفترض قد يتسلل منها المتلقي إلى عوالم مشخصة و محددة زماناً و مكاناً ، وهذا يدفعه إلى البحث بطموح عن نمط فني جديد مختلف بوجوده و وجوهه ، ولكن مرتبط قسراً أو طواعية بنسق من العمليات اللامرئية التي ستكون هي الواقعة التي يمكن الحديث عنها و التي منها تصاغ كل المشاهد البصرية ، و من هنا فإن أي تساؤل حول وسائل علخدو وموجوداته ، و كذلك عن وسائطه الإدراكية منها على نحو أخص ما هي إلا عمليات كشف عن أنساقه الدالة و الكاشفة بالتالي عن عناصر تكونها ، والتي ما هي إلا خزان وجود لحالات طبيعية و حالات حكائية و أخرى خارج مقتضيات القنص

فعلخدو يطلق العنان لعدسته بنفس هادئ يميل إلى تسكيت الملفوظ كشكل ما لتحقيق توازن في البناء التشكيلي للصورة ، و هذا توجه لعلخدو للسيطرة على المعطيات الأولية لمشهده البصري مع ترك الزمام للذات المبصرة للتفاعل معها ، ومقاربتها معرفياً حينها قد تبوح بوقائعها الجمالية ، تلك الوقائع المستمدة أصلاً من مدركات اللحظات المقبوضة عليها مع حقولها المتاخمة للأشعة الضوئية وإنعكاساتها وما تنتجه من ألوان متباينة حين تمتزجا معاً ومن الواضح أن الذي يشغل علخدو هو أن يكون حاضراً في عمله أي أن يجد نفسه فيه هذا أولاً ثم ألا تكون تلك التساؤلات التي ستطرحها أعماله مقلقة ، بل أن تكون هواجس بها يوقظ اللاوعي الذي سيمر منها ، والحاملة بدورها لعوالم مستجداته و تنوعها بعملياتها المفترضة و والقابلة للإستثمار في إنتاج صور أساسها وقائع بطابع مجسد إلى كيانات مرئيّة وفاعلة في سياقات جمالية خاصة

فالإمساك بتلك الخلاصات كمراكب يقلع بها علخدو في الفضاءات الواسعة لقنص اللحظات الخاصة من اللقطات العامة و هذا ما يجعله يعود كثيراً إلى العوم في الطبيعة و يجعلها موضع إهتمامه كأهم مصادر الإلتقاط التي لاحدود لها ،وبطريقة إدراكية وفي سياق مخصوص يبدأ بإنتقاء عناصره و التي بها سيتعرف على مشاهده الفوتوغرافية وبالتالي يعرفنا عليها كمتلقين بوصفها وقائع فعلية و جمالية مودعة مسبقاً ،ومرتبطة بعلاقة دلالية مع أشيائه التي تنتمي إلى ما يشكل تجربته البصرية القائمة على ملاءمتها للمعطيات العملية في مواقعها الزمكانية ..

لا تعليقات

اترك رد